فورين أفيرز: مرحلة ما بعد 9/11 في الشرق الأوسط عنيفة وصاخبة وكلها يأس بفترات قصيرة من الأمل

إبراهيم درويش
حجم الخط
1

لندن ـ “القدس العربي”: قال الباحث في معهد بروكينغز، شادي حميد، في مقال نشرته دورية “فورين أفيرز” إن سنوات “الصخب والغضب فيما بعد 9/11 في الشرق الأوسط” شهدت مزيدا من اليأس والبؤس.
وقال إن الأمريكيين عادة ما ينظرون إلى هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001 وما بعده بالتركيز على أنفسهم وما خسرته بلادهم في “الحرب على الإرهاب”، صحيح أن الولايات المتحدة خسرت الكثير، أرواحا وأموالا واحتراما وتأثيرا. كما أضعف الهجوم وتداعياته، وبخاصة التدخل الكارثي في العراق وأفغانستان، البلد عبر تغذية الانقسام والشك وبدد الثقة بالحكومة ومؤسسات النخبة وشحن الاستقطاب الذي شوه الديمقراطية الأمريكية. وكانت هجمات 9/11 بداية النهاية للعصر الأمريكي، رغم قصر مدته.
وعانى الشرق الأوسط أسوأ مما عانته الولايات المتحدة، ولو حكمنا على الأمور مما حدث وما كان عليه الوضع، فإن العقدين الماضيين كانا الأكثر خسارة ومأساوية في العصر الحديث للمنطقة. فقد ألهبت هجمات 9/11 قدرا عظيما من الاهتمام العالمي والتحرك في الشرق الأوسط، وبعضها كان متجذرا بمظاهر قلق حقيقية للمنطقة وشعوبها، إلا أن معظمها كانت مدفوعة بالخوف والغضب.
وشهدت المنطقة لحظات من الأمل ولكنها كانت قصيرة، وفي المعظم كان قوس التاريخ الحديث يميل نحو اليأس وليس العدالة.

انتهزت الأنظمة العربية الحرب الأمريكية ضد الإرهاب لشن معاركها الخاصة. واستخدمت الخوف المتزايد من التهديد الإرهابي كمبرر لاستهداف المعارضين المحليين، ومعظمهم سلميون

ففي الأشهر والسنوات التي أعقبت 9/11 انتهزت الأنظمة العربية الحرب الأمريكية ضد الإرهاب لشن معاركها الخاصة. واستخدمت الخوف المتزايد من التهديد الإرهابي كمبرر، حيث اتهمت المعارضين المحليين، ومعظمهم سلميون، بمحاولة تقويض أمن الدولة. وخدم المتطرفون الدولة باستعدادهم لتأكيد هذا السرد وتحقيق أهدافهم. وقدموا بالضبط نفس الفوضى التي كانت الأنظمة تريدها لتبرير إجراءات القمع. ففي عام 2003 قتل في تفجير انتحاري بالدار البيضاء 33 شخصا، في أسوأ هجوم إرهابي في تاريخ المغرب، وفي 2005 قتل في تفجير انتحاري على 3 فنادق في عمان 60 شخصا، أعلن تنظيم القاعدة في العراق مسؤوليته عنها. ولم يتردد الطغاة العرب في استخدام التهديدات الأمنية لإسكات المعارضة، ولكن الحرب على الإرهاب سمحت لهم بالهجوم على معارضيهم وبحماسة شديدة. وشهد العقد الأول بعد هجمات 9/11 إغلاق الأنظمة العربية لمساحات التعبير السياسي وملاحقة جماعات اللاعنف، مثل حركة الإخوان المسلمين والمنظمات السياسية العلمانية وحركات المجتمع المدني. وحدث كل هذا رغم شعار الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش متابعة “أجندة الحرية” والتي قامت على فكرة ان شعوب الشرق الأوسط تلجأ في غالب الأحيان للعنف عندما لا تتوفر لها الوسائل لتعبر عن مظالمها. وبناء على هذا التفكير فهجمات 9/11 لم تحدث لأن العرب كانوا يكرهون الحرية، ولكن بسبب خليط سام من الاضطهاد والخلل السياسي اللذين أنتجا الغضب والإحباط.
ومن الناحية النظرية، فهذا تفكير منطقي. ومن الناحية العملية، مارست إدارة بوش ضغوطا على حلفائها الديكتاتوريين في الشرق الأوسط، مما أسهم باندلاع الربيع العربي الذي أصبح منسيا الآن. وشهدت البحرين ومصر ولبنان تظاهرات ما بين 2004-2005. وفي 2006 اعترف زعيم الإخوان المسلمين في مصر، محمد مهدي عاكف، وإن على مضض، أن ضغط بوش على الديكتاتور المصري فتح مساحة للمعارضة. وقال عبد المنعم أبو الفتوح، أحد رموز الإخوان في حينه بمقابلة مع الكاتب: “يعرف الجميع هذا، وقد انتفعنا والجميع والشعب المصري”. وكان الإخوان المسلمون يحضرون للإعلان في آذار/ مارس 2004 عن مبادرة إصلاح، وفي نفس الوقت الذي كانت فيه إدارة بوش تعمل على إعلان ما أطلقت عليها مبادرة الشرق الأوسط الكبير، ولم تكن هذه مصادفة.
ولم تستمر الضغوط، فبعد المكاسب التي حققتها الجماعات الإسلامية في المنطقة، وفوز حماس الساحق في انتخابات 2006، قررت إدارة بوش أن منظور الديمقراطية العربية ليس جذابا كما تصورت في البداية. وكانت الإدارة بحاجة للسيطرة على الوضع في العراق بمرحلة ما بعد الغزو ومواجهة إيران، وهي بحاجة في هذا لتعاون الديكتاتوريين بالمنطقة. فطلب التعاون في هذا المجال والتهديد بقطع المعونات كانت مخاطرة لم ترد الإدارة المضي فيها.
في عام 2008 انتهز السناتور الأمريكي باراك أوباما الكارثة في العراق والوصمة الأخلاقية للتعذيب وترشح للانتخابات الرئاسية وحمل معه بداية جديدة في السياسة الخارجية. وعلى خلاف منافسه الجمهوري جون ماكين كان يعرف أن الشعب الأمريكي يريد تصحيح المسار. وكانت أولى خطواته المهمة خطابه في عام 2009 بالقاهرة ووعد فيه ببداية جديدة مع العالم الإسلامي. وبعد عام ظهر أول بصيص للربيع العربي في تونس وانتشر منها في العالم العربي. وبعد إطاحة المصريين بالديكتاتور حسني مبارك في شباط/فبراير 2011، بات شائعا بين المراقبين في داخل وخارج مصر أن المصريين لن يسمحوا أبدا بعودة الديكتاتورية، فقد عثروا على صوتهم واستعادوا كرامتهم وهذا هو المهم.

ولم يطل التفاؤل، فلم يمض عامان إلا وقاد عبد الفتاح السيسي انقلابا وأطاح بالرئيس المنتخب ديمقراطيا، محمد مرسي، من الإخوان المسلمين. وإذا كان انقلاب السيسي لم ينه الربيع العربي، إلا أن مذبحة رابعة فعلت. ففي 14 آب/أغسطس 2013 قامت قوات الأمن بتفريق معتصمين في وسط القاهرة وقتلت حوالي ألفاً من أنصار مرسي. وبعد عام من التظاهرات الصغيرة المعادية للنظام، خيّم جو من التوتر على مصر. فقد أصبح السيسي رئيسا، ومارس قمعا ضد معارضيه، وأصدر مئات الأحكام بالإعدام ومرر قوانين جرمت المعارضة.

وكما ظهر لاحقا، فمن السهل سحق روح الناس وإن بشكل مؤقت. وتم إعادة بناء جدار الخوف في مصر، ومهما كانت أسس ضعفه، إلا أنه لا يزال طاغيا. ولو كان التاريخ دليلا، فاللجوء إلى القمع قد يثبت فعاليته ولفترات طويلة. وبعد مجزرة حماة في 1982 والتي قتل فيها حافظ الأسد عشرات الآلاف من شعبه، انتظر السوريون 29 عاما حتى تأتيهم الشجاعة ومواجهة النظام. كما انتظر الجزائريون 27 عاما بعد الانقلاب العسكري الذي أنهى التجربة الديمقراطية للعودة إلى الشارع وبناء حركة احتجاج.
وفي الوقت الذي تراجعت فيه مركزية النزاع العربي- الإسرائيلي، وجهت الأنظمة العربية مصادرها وانتباهها نحو شعوبها، وليس بالضرورة لتحسين ظروفهم. وبناء على النموذج الذي بناه السيسي في مصر، قامت الحكومات في البحرين والسعودية والإمارات بقمع وحشي للمعارضين، حتى الانتقاد الصغير. وفي الوقت الحالي، يبدو أن القمع العربي نجح في تركيع الشعوب العربية.
وعاشت شعوب الشرق الأوسط فترة عشرين عاما تستحق التأريخ، من الحرب على الإرهاب وغزو العراق والربيع العربي وصعود تنظيم الدولة، وشهدوا ثورات وثورات مضادة، وجربت دول من ليبيا وسوريا إلى اليمن السياسة كنوع من الحرب والحرب في غياب السياسة، بشكل قاد للتعب السياسي بين شعوب المنطقة. على عكس الأنظمة التي حكمتهم، فقد نفخ الربيع العربي روحا جديدة في الدول العربية الساكنة. فالدول العربية، مثل مصر، عادة ما اعتمدت على القمع لكنها لم تكن مستعدة لكي تستخدمه بشكل مفرط، اي القوة الغاشمة كإطلاق النار على جماهير من المحتشدين. ودفعت التهديدات بحدوث اضطرابات والإطاحة بها، الأنظمة لتبني فكرة الدولة والأمة بما في ذلك الدول التي عرفت نفسها بناء على الدين لا الشروط الوطنية. فبعد الربيع العربي أصبحت السعودية التي تعد من الدول الدينية القليلة في العالم، دولة وأكثر قمعية. وقدم ولي العهد محمد بن سلمان “وطنية جديدة” وعملية تحديث طموحة وخفف القيود الدينية في الداخل. وبدأت السعودية بتقليل التأكيد على دورها كقوة إسلامية، في وقت حاولت فيه القيادة السعودية تعبئة المشاعر الوطنية ودعم المغامرات العسكرية في البحرين عام 2011 واليمن عام 2015. وفي الوقت نفسه، أعادت حكومات كل من الأردن والإمارات العربية والإمارات تقديم نفسها كمدافعة عن “الإسلام المعتدل”، وأضفت كل واحدة منها رؤيتها الوطنية على الفكرة. وكانت تحاول مواجهة التهديد النابع من الحركات الإسلامية بما فيها الإخوان المسلمين. وبناء على هذا التفكير فرفع مستوى الأمة يعني تقوية الدولة، بما في ذلك مركزة السلطة وزيادة الإجراءات القسرية وتقييد المعارضة.

أظهرت شعوب المنطقة شجاعة منقطة النظير، كمحتجين ومعارضين عرضوا حياتهم ومعيشتهم للخطر في معركة تقرير المصيروقام معظمهم بالتعبير عن هذا بطريقة سلمية

وبالإشارة إلى عدم الاستقرار الذي تسببت به ثورات الربيع العربي 2010 -2011 تجادل الأنظمة الديكتاتورية أن الوقت لم يحن بعد للديمقراطية والإصلاحات السياسية أو أي شيء يتحدى “هيبة الدولة”. ولو كان هناك شعار في الشرق الأوسط اليوم فهو “الدولة فوق الجميع”، فلم تعد الوسائل الرئيسية لتحقيق الأهداف مثل التوظيف والتنمية الاقتصادية والتنويع، بل أصبحت مبررا ذاتيا.
كل هذا يضع المراقبين الدوليين أمام مأزق: فدول قوية وفاعلة هي المفضلة لتطبيق الإصلاحات الاقتصادية ومواجهة شبكات الإرهاب والتحكم باستخدام القوة. وفي المقابل فتحسين قدرة الدولة، على الأقل في سياق الشرق الأوسط، عادة ما يمكن ويقوي من فعاليتها القمعية. وكان هذا التناقض مدعاة لتوريط الرؤساء الأمريكيين السابقين وبات يتسبب بصداع للرئيس جوزيف بايدن الذي يرى الشرق الأوسط حرفا للنظر الأولويات الأخرى. وفي النهاية، فعودة الشرق الأوسط إلى القمع هو بمثابة صرح مأساوي لما بعد 9/11، وعلى مدى عقدين من الزمان عبر العرب عن رغبة بالبحث عن بدائل سياسية أبعد من عدمية الجماعات الجهادية مثل القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية. وأظهرت شعوب المنطقة شجاعة منقطة النظير، كمحتجين ومعارضين عرضوا حياتهم ومعيشتهم للخطر في معركة تقرير المصير. وقام معظمهم بالتعبير عن هذا بطريقة سلمية وحقنوا الخطاب السياسي بحقنة جديدة وطاقة مثيرة. وعاشت السياسة العربية، ولفترة قصيرة، فترة من الحيوية والنشاط. لكن اللحظة انتهت، ولم يعد هناك مجال للتفاؤل، وأخذ التعب يظهر على الأمريكيين وكذا الشعوب التي تعيش هناك.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية