بينما كان ممثلو الأحزاب المغربية مُنتشين بالظهور على شاشة التلفزيون، وهم يقومون بالدعاية لمرشّحيهم ومرشّحاتهم، ويدعون المواطنين للتصويت عليهم، مبشّرين إياهم بجعل البلاد جنّة على الأرض، كان الفاعلون الحقيقيون يحضّرون في الظلام لمفاجأة غير سارة، ستضرب الناس المستضعفين في قلوبهم وجيوبهم.
قبل موعد الانتخابات التشريعية والبلدية بأيام قلائل، وفي غمرة الحملة الانتخابية حيث «كلّ حزب بما لديهم فرحون» جرت حملة أخرى في صمت وخفاء، إذ أجمع منتجو المواد الاستهلاكية أمرهم، وكادوا للشعب مكيدة قاسية، تتمثل في الرفع من أثمان تلك المنتجات الضرورية للبيوت. وكلّما توجه مواطن نحو البقّال إلا وجابهه بزيادة مهولة في السلعة المطلوبة. والحال أن البقّال نفسه يُعَدّ الحلقة الأضعف في سلسلة التجارة الاستهلاكية؛ بينما المتحكّمون في الأسعار مُتَخفّون وراء الستائر، ومُستأسِدون بالعلاقات القوية التي تجمعهم مع «لوبي» السياسة والاقتصاد.
ردّدت منابر إعلامية أن سبب الزيادة راجع إلى تأثيرات أزمة «كوفيد 19» على الاقتصاد المغربي. لكن، أليس المواطن المسكين نفسه أكثر المتضررين من هذا «الكوفيد»؟ ألم يكن بإمكان أرباب الإنتاج الاستهلاكي أن يعالجوا مشكلاتهم مع الإدارات المركزية، عوض أن يهووا بمعاولهم على المستهلك «المهلوك» أصلا، الذي لم يعد ينفع معه ذلك البرنامج التلفزيوني الشهير «استهلك بلا ما تهلك»!
تمامًا، مثلما يقع خلال الحروب والأزمات، فإن أرباب شركات إنتاج المواد الاستهلاكية هم أشبه ما يكونون بـ»أغنياء الحرب» الذين يجعلون من مصائب الناس فوائد سانحة بالنسبة لهم!
حسنًا، وأين هي الحكومة؟ الجواب: الشعب في وادٍ، والحكومة في وادٍ آخر. إنها منشغلة بأمور مختلفة، كلّ همّها هو تخويف الناس من «بعبع» فيروس «كورونا» وفي الوقت نفسه الانتشاء بالارتفاع اليومي لأعداد المستفيدين من التطعيم، أما ارتفاع أثمان المنتجات الاستهلاكية فلا يهمّها في شيء.
«التلقيح» حديثُ الصباح والمساء وكل الأوقات في التلفزيون المغربي وفي مختلف وسائل الإعلام المحلية. ومعه توقفت الحركة الثقافية والفنية، وتضررت مهن مختلفة، حيث جرى الإجهاز على الحمّامات العمومية والقاعات الرياضية، ومُنعت حفلات الأعراس والمآتم والمهرجانات.
وتوالى مسلسل «تفقير» المواطن المغربي المسكين، فكانت الضربة القاضية هي الرفع من أثمان الزيت والقمح والمعجنات والقطاني والقمح والشاي وغيرها من المواد الاستهلاكية الضرورية للمائدة فضلا عن مواد التنظيف.
أما الحكومة فإنها لا تردد سوى أمر واحد: «لقّحوا أنفسكم!» إنها تدّعي حماية المواطنين من الفيروس اللعين، لكنها لا تحميهم من جشع طائفة من الرأسماليين «المتوحشين» الذين يراكمون الثروات بطرق غير مشروعة وعلى حساب الطبقة المسحوقة.
الغريب في الأمر أنه باستثناء بعض التدوينات المتفرقة هنا وهناك، ونزر يسير من التقارير الإخبارية في صحف ورقية ومواقع إلكترونية حول الموضوع، فإن الزيادات الصاروخية في أثمان المنتجات الاستهلاكية لم تحرك ساكنًا تقريبا؛ مما يجعل البعض يتساءل ساخرًا: هل أدى «اللقاح» مفعوله؟ وهل جرى تطعيم المواطن ضد الاحتجاج السلمي المشروع؟ وهو سؤال يعيد إلى الأذهان حملة المقاطعة الشعبية التي انصبّت، منذ ثلاث سنوات، على عدد من المواد الاستهلاكية، وحققت نتائج إيجابية حينئذ.
أمام هذا الواقع المؤلم، هل بإمكان أحد أن يصدّق الوعود التي أطلقتها الأحزاب خلال الحملات الانتخابية، مع أنها كانت ترى المواطن المغلوب على أمره يكتوي بنار الزيادات الصاروخية في أثمان السلع الاستهلاكية؟
مَن خرق السفينة؟
من بين مفارقات الخطابات الحزبية خلال الحملة الانتخابية الأخيرة في المغرب، أن
كل «قيادي» من المنتمين للأغلبية الحكومية كان يرمي مسؤولية الأوضاع في وجه الآخر؛ علمًا بأنهم كانوا جميعًا في سفينة واحدة. وكلّ فريق يتهم الفريق الآخر بخرق هذه السفينة.
نتحدث هنا تحديدًا عن حزبي «العدالة والتنمية» و»التجمع الوطني للأحرار» اللذين تبادلا الاتهامات طيلة النزال الانتخابي؛ والحال أنهما كانا يحملان حقائب وزارية، ويعدّان معًا الخطط ومشاريع القوانين ويجلسان على طاولة واحدة طيلة خمس سنوات بجانب أحزاب أخرى: «الحركة الشعبية» و»الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية» و»الاتحاد الدستوري» فضلا عن الوزراء غير المنتمين.
إذا كان وزراء «العدالة» و»الأحرار» غير متفقين طيلة الولاية الحكومية، فما الذي جعلهم يستمرّون كل هذا الوقت مشكّلين تحالفا وزاريا «غير منسجم»؟ ولماذا انتظروا حتى أزفت ساعة الانتخابات، فصار كل فريق يحاول فضح «سَوْءَةَ» حليفه الذي صار عدوّه اليوم؟
المؤكد أنهم استمرأوا لعبة السياسة، وما يُجنى من خلفها من مصالح، وتركوا قضايا الشعب وراء ظهورهم؛ وهو ما يعزز فقدان الثقة في السياسة عموما وفي العملية الانتخابية خصوصًا.
درسان في الأخوة
احتفت قناة «سكاي نيوز عربية» بالاستقبال الحار الذي خصصه اتحاد كرة القدم المغربي للفريق القومي الجزائري، الاثنين الماضي، استعدادًا للمواجهة الكروية مع فريق بوركينا فاسو؛ حيث حظي بحفاوة بالغة، بدءًا من وصوله إلى مطار مراكش الدولي، مرورًا بالمرافقة الأمنية المضبوطة للحافلة التي أقلّت اللاعبين الجزائريين وفريقهم التقني والإداري على طول شوارع «المدينة الحمراء» وصولا إلى الإقامة في أحد فخم الفنادق العالمية.
ذلك طبعٌ مغربي أصيل ومتجذر، ولا علاقة له بأي ظروف أو إسقاطات سياسية. إنه الدرس الأهم المستخلص من هذا الحدث، إذ إن المغاربة لم يتأثروا بالقرار المتعجل الذي اتخذه حكام الجزائر بقطع العلاقات بين البلدين، جوابًا مباشرا على مبادرة اليد الممدودة وطيّ الصفحة التي أطلقها الجار المغاربي.
كتب فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية لكرة القدم، تغريدة جاء فيها «الجامعة والشعب المغربي وكل ما هو مغربي تحت تصرف المدرب بلماضي ولاعبيه. أتعهد بشرفي أنني سأسهر على راحتهم، كما أفعل مع منتخب بلدنا، أما الأمور غير الرياضية، فليست من شأننا أبدا.»
الدرس الثاني جاء من مثقفين ومبدعين وحقوقيين جزائريين ومغاربة وغيرهم، أطلقوا «نداء إلى العقل» وهو عبارة عن عريضة ضمّت أكثر من مئتي توقيع، اهتمت بها وسائل الإعلام العربية، حيث وجدنا قناة «فرانس 24» تخصص لها تقريرا إخباريا، استضافت فيه الكاتب فيصل جلول، أحد المتحمسين للعريضة التي أعلن فيها الموقعون عن رفضهم التصعيد الحاصل في العلاقات بين المغرب والجزائر، معتبرين أن «هذه الوضعية المؤدية إلى مواجهة غير طبيعية، لا يمكن أن تكون إلّا إنكارًا للتاريخ العميق لمنطقتنا ولجوهره، والتي تتنافى مع مصالح الشعبين ومصالح المنطقة.»
طفح النداء بمشاعر فياضة، من قبيل عبارة «نؤمن بأن شعبينا لا يكنّان لبعضهما إلا الود، وأنه ليس بعزيز عليهما تجاوز هذه اللحظات العصيبة بأقل الأضرار وبأجمل الآفاق، بتعبئة طاقاتهما الخلاقة من أجل تحصين جسور الإخاء وتكثيفها»؛ وأيضا عبارة «نعبّر عن قناعتنا أنّ رجال الدولة ونساءها الحقيقيين هم وهن من يبنون العيش المشترك والأمن والتعاون، وليس أولئك الذين ينهمكون في التسابق نحو الكراهية والتسلح والتصعيد ودق طبول الحرب.»
لذلك، تضمنت العريضة دعوة إلى «كافة الإرادات الحسنة في البلدين وفي جوارهما إلى الضغط من أجل وقف التصعيد والعودة إلى جادة الصواب» مع التأكيد على أن «حلّ الخلافات بين العقلاء يتم بالإنصات والتفاهم والإبداع في إيجاد الحلول والميكانزمات والضوابط، وليس باستجداء أحط الغرائز العدوانية بتأليب المواطنين ضد بعضهم البعض.»
فهل يجد النداء آذانا مصغية؟ نأمل ذلك.
كاتب من المغرب