القاهرة ـ «القدس العربي»: أثارت عودة المخرج خالد يوسف إلى مصر جدلا واسعا خاصة في ظل حالة الاحتفاء التي صاحبت عودته من الإعلام ومن قيادات سياسية تنتمي إلى المعارضة.
وعاد إلى مصر قبل أيام، بعد عامين من خروجه، عقب تسريب فيديوهات جنسية، إحداها ظهر فيها بصحبة فنانتين صغيرتين في السن في أوضاع مخلة، ما أسفر عن احتجازهما لشهور بتهمة «نشر فيديو فاضح، والتحريض على الفسق والفجور وخدش الحياء العام عبر الظهور في فيديو إباحي» قبل أن يجري إخلاء سبيل المتهمتين، على ذمة التحقيقات في القضية لحين انتظار قرار تحقيقات النيابة في موضوع القضية.
ويتهم نشطاء وسياسيون، يوسف بممارسة الاستغلال الجنسي على فنانات شابات، قبل هروبه، وعقد صفقة مع نظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، قبل عودته إلى مصر.
وفور عودته، نشر يوسف صورا تجمعه بعدد من قيادات المعارضة المصرية بينهم حمدين صباحي المرشح الرئاسي السابق وأحمد الطنطاوي رئيس حزب الكرامة، وعدد من النواب السابقين والحاليين المنتمين لتكتل» 25- 30» المعارض بينهم هيثم الحريري وضياء الدين داود، والصحافي المصري رئيس حزب الدستور الأسبق خالد داود، ووزراء سابقين بينهم وزير الصحة السابق عمرو حلمي ووزير القوى العاملة السابق كمال أبو عيطة.
وعلق على الصور: «عندما تلتقي وطنك كله دفعة واحدة بعد غياب».
ورد على الاتهامات التي طالته أن عودته جاءت بناء على صفقة مع نظام السيسي. وقال: «عودتي إلى مصر لم تكن بناءً على صفقة كما قال الإخوان» وبين أنه لم يتغير وسيعبر عن أفكاره بالفن، ولن يعود للعمل السياسي، الذي ضجر منه ودفع ثمنه، على حد قوله، ويحضر حالياً لفيلمين ومسلسل.
جاء ذلك خلال استضافته في برنامج «الحكاية» الذي يقدمه الإعلامي عمرو أديب على قناة « أم بي سي» مصر.
وأوضح المخرج المصري أنّه حينما كان معارضاً، عارض في «مسائل حمّالة أوجه، منها سياسات اجتماعية واقتصادية» قائلاً: «قد أكون مخطئاً، وقد يكون النظام هو المخطئ، وسأبقى على مبادئي، منحازًا للعدالة الاجتماعية، والحرية، وسأكون في أوّل الصفوف في القضايا الكبرى، والتحديات التي تواجهها البلاد».
وتناول الحوار مسألة قرار عودته إلى مصر، وظروف مغادرته لبلاده مطلع فبراير / شباط 2019، وقال إنّ هذا القرار لم يحكمه سوى إحساسه بأنّ هناك بارقة أمل كبيرة في انفتاح في الأفق العام، وشعوره بأنه يستطيع العيش بحرية حاليًا مهما كان السقف.
وكشف عن اتصالات وصفها بالـ «المطمئنة» حدثت بينه وبين أجهزة الدولة المصرية منذ فترة طويلة، لكنّه أكد بالمقابل أنّها لم تكن النقطة الحاسمة في قرار عودته، بل ما ذكره سابقاً، رغم تلقيه نصائح كثيرة من أصدقائه في الخارج بعدم العودة.
وأكد يوسف على أنه كان متأكدًا من عودته منذ بداية سفره، موضحًا أسباب قراره الغياب لفترة طويلةٍ قائلاً: «لم أُنف، ولم يهددني أحد، سافرت بداية في زيارة عادية لزوجتي وابنتي في باريس، لكنني حينما شاهدت حملة الاغتيال المعنوية الكبيرة التي أديرت ضدي، وجدت أنني لا أستطيع العيش في هذا الجو، فحجم الافتراء بحقي كان فوق طاقتي، وتضرر من حولي منها أكثر مني، فقررت الابتعاد».
«مواجهة المجتمع»
وحول تخوفه من «مواجهة المجتمع» بعد العودة، ردّ المخرج المصري: «لم أرتكب عارًا ولم أخالف قانونًا، أو أخلاقًا، بل دفعت ضريبة نتيجة مواقف أخذتها، ومن تأثر بالحملة لم يكن يعرفني، لكنني في المقابل تلقيت دعمًا شعبيًا كبيرًا من الناس ووصلتني مئات آلاف الرسائل على مدار السنتين ونصف السنة.
واعتبر أنّ تجربة الغربة أفادته في أمور كثيرة، حيث خرج منها بفيلم، وكان محاطًا بالكثير من الأصدقاء المصريين والعرب، وكل شيء كان ميسرًا أمامه، قدمت له عروض كثيرة للعمل، وحظي باستقبال «هائل» في الدول التي تنقلّ بينها، كفرنسا وبريطانيا، ودبي، والسعودية، كما أنّ «فكرة السوشيال ميديا جعلت مفهوم الغربة مختلفا… ولم أنقطع عن التواصل مع مصر طوال تلك الفترة».
كشف عن اتصالات «مطمئنة» بينه وبين أجهزة الدولة
وعن محاولة «الإخوان المسلمين» استمالته، علّق يوسف: «أنا من يوم ما وعيت ضد الإخوان، ولغاية ما أفقد الوعي أنا ضد الإخوان، هم يعتقدون أنني حينما أختلف مع النظام يمكن أن أرتمي في أحضانهم وهذا لا يمكن أن يحصل، وقلت للذين قابلتهم منهم أنه حتى لو حصل صدام بيني وبين النظام لا يمكن أن أقول أنني أخطأت في مناصرتي لـ 30 يونيو/حزيران، ولو حصلت مآلات كارثية على الوطن ككل، لن تكون واحد على مليون من الكارثية، التي كانت ستبقى مصر فيها لو استمر المشروع».
مسلسل تاريخي
وكشف يوسف عن تحضيراته لمسلسل تاريخي عن «الأندلس» وفيلم تدور أحداثه حول «إحدى بطولات حرب أكتوبر» وكلاهما من إنتاج الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، وسيبدأ العمل عليهما تباعًا بعد إنجاز فيلمه المقبل «أهلاً بكم في باريس».
ويناقش الفيلم، حسب يوسف، الفرق بين منظومة القيم لدينا وفي الغرب، مجتمعيًا، أخلاقيًا، ودينيًا، ويرصد أحوال العرب الموجودين على أرض أوروبا، وإشكالياتهم، ومعاناتهم مع أزمة الهوية والانتماء». ويدور حول 3 فتيات يلتقين لأوّل مرة في السجن، ويحاولن إثبات براءتهن بعد انقضاء فترة الحجز الاحتياطي.
وسيتناول أيضاً «موضوع «الدواعش» الأوربيين، ومصائر أولادهم في مخيمات الاحتجاز بعد هزيمة التنظيم، وانقسام المجتمع الفرنسي حول موضوع عودتهم». وسيتم تصويره بين بيروت والسعودية، وباريس، ومصر.
وقدم الكاتب الصحافي ورئيس حزب الدستور الأسبق، خالد داوود، اعتذارا عن حضور حفل العشاء الذي دعا له يوسف.
داوود يعتذر
وقال خالد داوود في بيان على صفحته في فيسبوك: «انزعج الكثير من الصديقات والأصدقاء لمشاركتي في عشاء دعا له المخرج خالد يوسف بعد عودته من فرنسا. أنا أتقدم باعتذاري لهؤلاء، وأرجو توضيح النقاط التالية: ذهبت أساساً لتسليم قائمة بأسماء المحبوسين احتياطياً منذ عامين أو أكثر لعل وعسى أن يستطيع الأستاذ يوسف المساهمة في إطلاق سراحهم بما له من اتصالات سمحت له بالعودة من فرنسا».
وأضاف: «شخصياً، أنا على يقين أن فيديوهات خالد يوسف لم تكن لتنتشر وتتسرب بهذه الطريقة لولا مواقفه الرافضة للتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، وكذلك رفض تعديل الدستور، لكي يتم السماح للرئيس السيسي بالبقاء في الحكم لفترة تبلغ ضعف ما نص عليه دستور 2014، وهو ما حدث أيضاً مع نائب آخر صديق من مجلس النواب بعد إعلانه رفض تعديل الدستور. وكل ذلك يؤكد أن الأمر لم يكن مصادفة بالطبع بالنسبة لخالد يوسف».
وزاد أن «هذه الممارسات جزء من الوضع المرعب الذي يعيشه المعارضون في مصر، حيث إنه من المؤكد أن النواب المؤيدين للنظام لديهم ممارسات لا نعرف عنها شيئاً وأوجه فساد لا يتم الكشف عنها إلا لمن تقرر الأجهزة المعنية حرقه».
وتابع: «أخطأ الأستاذ خالد يوسف كثيراً حين صرح في مقابلته التلفزيونية أنه لم يرتكب أي خطأ أخلاقي» وأن «صفحته بيضاء».
وأضاف «كنت أتمنى لو أعرب يوسف عن شعور بالندم أو حتى التعاطف مع السيدات اللاتي تعرضن للسجن وتشويه السمعة والاغتيال المعنوي، بينما هو عاش حياة رغدة في باريس كما قال، وعاد إلى مصر سليما معافى دون أن يمسسه سوء، بل وتلقى عرضا لإخراج فيلم ومسلسل تنتجه الشركة المتحدة».
وهاجم مغردون ونشطاء التبرير الذي قدمه داوود بشأن زيارته، ما دفعه إلى حذف الاعتذار من صفحته. وكتبت أميرة الرفاعي تعليقاً على بيان خالد داوود تقول: «لا يوجد عذر لحضورك في منزل رجل قام باستخدام نفوذه في مجال العمل للحصول على رشوة جنسية من بنتين نظير العمل معه وقام بتصويرهما كأي مريض شاذ جنسياً دون علمهما والباقي تفاصيل لا تهم أي إنسان يحترم نفسه».
وقالت سناء عطية: «هذه حجج متناقضة وغير مستساغة، تذهب إليه طالباً المساعدة للإفراج عن السجناء، إن صح هذا الكلام وأصبح خالد يوسف ضلعاً في النظام يتم اللجوء إليه ليستعطف النظام ليفرج عن السجناء، فهل عدمت القاهرة الأماكن التي يمكن أن تقابله فيها إلا منزله وفي يوم الاحتفال بإنجازاته الرائعة، وهل سمح لك شبابنا النظيف الحر وقبل أن يكون خالد يوسف شفيعاً لهم لدى النظام، محاولة التنصل مكشوفة وجميل أن تزول كل الأقنعة الكاذبة من على الوجوه ليعرف الشعب الحقيقة».
وهاجم كتاب، الاحتفاء بعودة يوسف، إذ كتب الكاتب الصحافي عبد العظيم حماد، رئيس تحرير جريدة «الشروق» السابق: «مظاهرة الناصريين الإعلامية حول خالد يوسف أضرت بناصر أكثر من حملات مصطفى أمين وأنيس منصور وأموال السعودية والمخابرات الأمريكية، بغض النظر عن تقييمي المعروف للتجربة الناصرية فعلى السياسي والمثقف العضوي احترام عموم الناس في بلده».
في المقابل برر داعمو يوسف، موقفهم، بأن حياته الشخصية ملك له، وإن تسريب الفيديوهات جاء عقابا له على موقفه من رفض التعديلات الدستورية التي سمحت للسيسي بالبقاء في الحكم حتى عام 2030، وموقفه الرافض لاتفاقية إعادة ترسيم الحدود البحرية مع السعودية، التي تنازلت مصر بموجبها عن جزيرتي تيران وصنافير في البحر الأحمر.