زينب محمود بشرى كانت قد زُفَّت إلينا في من مدينة بنغازي الصامدة، يوم عيد تحرير ليبيا من الطاغية، بنغازي، التي أطلقت شرارة ثورتها بنات حواء، وحواء هذه حتى لا يُستكثَر علينا أننا بنات آدم فتُخلَع علينا صفة الطمع بأننا نرنو إلى بلوغ شأو أبنائه فتكون الطامة الكبرى، ويتلقف ذلك بعض المجتهدين المتربصين الساهرين على شؤون المرأة والعاكفين على تقييمها فيتصدر علامات قيام الساعة. بشرى تغمطنا عليها كل نساء العالم، بما أضافته من قلائد تُكرّم بها المرأة الليبية والعربية وتُقلّد بين الفينة والفينة.. إنهم لا ينسوننا معشر النساء فيغدقون علينا ما لذّ وطاب، والغريب بل الكارثة هي كما هي حواء، دائماً تجحد تلك النعم وتضرب بها عرض الحائط. لا أطيل عليكم وأنتم تتحرقون إلى معرفة المفاجأة، أستميحكم عذراً فقد أطنبت وكدت من الغبطة أن أنساها. على العموم إنها الجائزة الكبرى، مفاجأة ترفرف لها قلوب الرجال وتخطف أبصارهم، كما تخطف سعادة نسائنا وأسرنا بنمطها التطبيقي المعهود والمستهجن، وبما تنتجه من كوارث اجتماعية متفاقمة لم نحصد منها إلا الفرقة والخلافات المتواترة ودمار البيوت وأحياناً تشريد أطفالنا وما يترتب على ذلك من أمراض نفسية. إنها هدية العيد؛ التأكيد على تعدد الزوجات، الهدية التي نكدت على بنات حواء ليبيا باستثناء بعضهن (الضرات) في يوم كنا ننتظره عهوداً ونرسم له صوراًعدة في مخيلتنا، كيف يا ترى سيكون وما مصير بلد فُتَّ عضده وتآكلت بُناه التحتية، المعنوي منها والمادي؟ بلد لُعب بمصيره واستبيحت دماء أبنائه وغُّلت أيديهم وكُبح جماح طموحهم، كيف كان الإنسان الليبي يتخبط في شؤون حياته، وعلى وجه الخصوص المرأة التي لها الرصيد والحصة الأكبر في البطش والتنكيل بها.
إذا كان الغرض من ذلك التصريح هو تهيئة الأرضية لتقبل بنات جنسي هذا التعدد فنحن لا ننكره جملة وتفصيلاً ولا نتجاهل أيّةَ آية أنزلها الرحمن خاصة وأنه أرحم بنا نحن النساء من كافة بني آدم، ولكن نقبله بشكله المقنن والذي لا يتعارض مع الحفاظ على كرامتنا وبنيتنا المجتمعية التي عانت ما عانته في السنوات الماضية من مغبة تطبيقها بشكله المتهور والتلاعبي، الذى أدى ما أدى له من خلل في هذه البنية.
أما إذا كان التذكير به يحمل جانباً آخر إنسانياً واجتماعياً، كفتح باب الزواج لظرف طارئ فرضته أحداث المعارك أخيراً ومخلفاتها كالترمل أو المعتدى عليهن من كتائب القذافي ومرتزقته، الملف الذي حدث فيه قصر ملحوظ ولم يعالج بنجاعة، أو للقضاء على العنوسة التي ضربت أطنابها في مجتمعنا الليبي، فهناك مخارج أخرى وبدائل يضطلع بها مثقفو المجتمع والمتخصصون الاجتماعيون والنفسيون، تغني عن التعدد العشوائي وغير المدروس، الذي يمكن أن يزيد الطين بلة بما يحدثه من نتائج وخيمة لا يمكن الفكاك منها. هناك بعض الأسباب نستنبطها من الآية الكريمة التي تشرع التعدد ولا تفرضه (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثُلاث ورُباع)* ويعلمه المضطلعون بعلم التفسير والمشرعون. ونحن كي نعتم على بعض الآيات عادة ما نقرأها بجزئها الأول فقط ونضفي على التتمة نوعاً من التعتيم ليتلائم مع أمزجتنا وأهوائنا ونتركه للعبث به؛ كإغفالنا المتعمد أحياناً بقية الآية (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة) وهو إقرار من الله سبحانه وتعالى بعدم إنجاز العدل في حالة وقوع هذا التعدد، لأنه خبير بنفوس عباده، ولذلك فإن مضمون ولن تعدلوا يقوم مقام النهي عن القيام به لأن من سمات الله العدل ولا يبيح الظلم ولا يقرّه.
وعندما سن الله هذا التعدد كان بالدرجة الأولى للقضاء على تعدد الزوجات غير المحدود في الجاهلية وما تمخض عنه من خلل في البنية المجتمعية، فكان هذا التقنين من الله بحصره إمكانية الجمع بأربع ولأسباب محددة رادعاً لضبط هذا التسيب، وأنه حينما تريد أن تدشن لأسرة جديدة فأنت بشكل أو بآخر تهدم سابقتها. كما يدحر هذا التقنين الطعن في آية التعدد من قبل بعض المغرضين.
وفي هذا الصدد وبما أننا بالغون في الحرص مبلغه، وآخذون بالآيات التي تخص المرأة مأخذ الجد وتطبيقها، وهذا الحنو المفاجئ عليها، فمن النزاهة والعدل جداً جداً أن ننبش ونحفر بكل جدية وأريحية في كتب الشرع عن مزايا وعطايا أخرى لحماية حقوقها على الصعيد الانساني و الحياتي، كالسماح للمرأة بأن تفرض شرطها بألا يُتزوج عليها وأن تكون العصمة في يدها إذا أرادت الانفصال، وتؤخذ استشارتها عند الزواج وألا تُرغم عليه. أضف إلى ذلك إبطال إدعاء حق الزوج في إرغامها بالعيش معه بقرار من المحكمة يهدر كرامتها وإطلاق لفظ ناشز، هي حقوق مشروعة لها، ولكم أن تتخيلوا في هذا القانون الجائر كيف يتسنى لها معاشرته حال تطبيقه، ومدى انعكاسه السيئ والقمعي عليها وبالتالي الأسرة وهي عماد المجتمع وقِوامه. وهذا لم نجد له نص قرآني ولا نعرف كيف تم ابتداعه، وهو ما يؤرق المرأة ومصدر من مصادر إزعاجها الدائم وما يترتب عليه من حيرة في سيرورة وضعها بين الخضوع لحياة لا تليق بكرامتها إلى أجل غير مسمى، أو الرفض وتلقى ما تلقاه من العنف والتعنيف من قبل شريكها المفروض عليها أو المجتمع، سواء أكانت لديها أسباب وجيهة أم غير وجيهة، ولنا في رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم أسوة، عندما أبدت له السيدة زينب بنت جحش ابنة عمته رغبتها في الانفصال عن زوجها زيد بن حارثة، ابنه من التبني، لمجرد أنها لا ترغبه فأمره بما رغبت ولم يجحف الرسول في حقها ويرغمها على البقاء معه لمجرد أنها إمرأة بوصفها الطرف الضعيف كما ترتأيها مجتمعاتنا. إذاً حتى هذا السبب يعفيها من حياة لا تلائمها، وهذا من أوسع أبواب الرحمة بنا. فما بالك بما تعانيه من ممارسات جائرة من شريكها ولا يؤبه لها بل دائماً يُنحى باللائمة عليها وكأن الخطأ حتماً هو دائماً خطأها ولصيق بها.
إنها آيات تحذّقنا وتفنّنا في تفسيرها بكل تهاون وغياب حرفية وتُركت لغير المنُوطين بعلم التفسير والمضطلعين به يقلّبونها كما يشاؤون لتفي بأغراضهم وما يرنون إليه، ولا قانون يردعهم فيثنيهم عما يرتكبونه في حق هذه الآيات وبالتالي في حق هذا المخلوق. ولعل التعتيم على تلك القوانين وجهل المرأة بها أو بالأحرى تجهيلها بها، حتى لا يصبح على الأقل النصف من نساء مجتمعاتنا الإسلامية مطلّقاً، أما الجزم فهو عدم نيل حقوقها واحتكار الرجل لهذه الحقوق والتهامه الجمل بما حمل.
على كل حال هذا اجتهاد شخصي لعله يحتمل الصواب أو الخطأ ونترك هذا الشأن الملّح والمهم جداً لنلقيه على عاتق المتفقهين من أهل العلم والتفسير ليفكوا الطلاسم التي أحيطت بها هذه الآيات فيعيدوا الأمور إلى نصابها ويجتمعوا على كلمة واحدة ويسعفونا بإيضاح لا تعتريه أي شائبة لكل آية يدور حولها الجدل أو يُمس بمعناها كما أيّة آية أخرى لا تخص النساء. وألا يتركوا الحبل على الغارب، مما جعلنا في حيص بيص وقلب الموازين رأساً على عقب.
الآية 3 من سورة النساء’ إعلامية ليبية