القاهرة ـ «القدس العربي»: يطلق الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، اليوم السبت، الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، في وقت تواجه السلطة، انتقادات حقوقية واسعة من منظمات محلية ودولية، بشأن ملف أوضاع حقوق الإنسان في البلاد، تتناول احتجاز آلاف النشطاء السياسيين، وإغلاق كامل للمجال العام.
وجاء في الدعوة، التي وجهت لنواب وشخصيات عامة لحضور فاعليات مؤتمر إطلاق الاستراتيجية، إن «الاستراتيجية الوطنية تعد خطوة كبيرة جدا للأمام في ما يتعلق بملف حقوق الإنسان، حيث تشمل الاستراتيجية الأولى خطة الدولة المصرية لتعزيز حقوق الإنسان على مدار 5 سنوات 2021- 2026 في مختلف المحاور مثل الحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاجتماعية والاقتصادية وحقوق المرأة والطفل والأشخاص ذوي الإعاقة، وتعزيز قدرات العاملين في مجال حقوق الإنسان وتدريبهم».
«انفراجه نسبية»
ويأتي إطلاق الاستراتيجية في وقت يتحدث فيه معارضون على رأسهم محمد أنور السادات، منسق لجنة الحوار الدولي، ورئيس حزب الإصلاح والتنمية، عن انفراجة نسبية يشهدها ملف حقوق الإنسان في مصر، بعد سنوات عانى فيها المصريون من إغلاق تام للمجال العام وحملات اعتقال طالت نشطاء سياسيين وصحافيين وأكاديميين.
السادات قال إن السيسي من المقرر أن «يطلق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، كخطة عمل والتزام على مدى سنوات مقبلة، من خلال عدة محاور تتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تتويجا لما ورد في الدستور المصري من مواد تحمل المعاني نفسها، وتؤكد احترامها والالتزام بتحقيقها حفاظا على كرامة الإنسان ورعاية حقه المشروع في حياة كريمة».
وأوضح، في بيان صحافي، أن «كثيرا من هذه الحقوق والالتزامات بدأ يتحقق بالفعل» مضيفا: «ننتظر جميعا فتح وتحقيق باقي الملفات المسكوت عنها في الديمقراطية والممارسة السياسية وتحقيق العدالة وسيادة القانون، والتي ستكون نقطة تحول وعلامة مضيئة نحو الجمهورية الجديدة».
انتظار وترقب
وتابع: «لا شك أن جميع المهتمين بهذه الانطلاقة في انتظار وترقب سواء من في الداخل أو الخارج، وعلينا جميعا مسؤولية كبرى تجاه تحقيقها على أرض الواقع لتكون أسلوب حياة وثقافة ووعي وتحضر، حتى يشعر المواطن أن دولته والعقد الاجتماعي فيما بينهم مصان تماما، ويلمس شركاؤنا في الخارج مدى حرص الدولة المصرية ومؤسساتها على الالتزام بالمعايير والتعهدات والالتزامات الدولية وانطلاقنا بعزيمة وصدق وقوة نحو دولة ديمقراطية مدنية حديثة».
النائب طارق رضوان، رئيس لجنة حقوق الإنسان في مجلس النواب، قال إن الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان «تشمل عدة محاور تتكامل مع بعضها البعض، وهي الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، حقوق الإنسان للمرأة، والطفل، والأشخاص ذوي الإعاقة، والشباب، وكبار السن، التثقيف وبناء القدرات في مجال حقوق الإنسان».
وأضاف أن الاستراتيجية «تأتي بمثابة التزام حكومي بتعهد واضح لخطة عمل حول استراتيجية متكاملة في مجال حقوق الإنسان من خلال حزم وبرامج تدريب وتأهيل الكوادر البشرية المؤهلة ووضع معايير واضحة طبقًا للمعايير الدولية».
وأشار إلى أن «يأتي الاهتمام بحقوق الإنسان بمثابة توجه عالمي، وأن مصر جزء من هذا التوجه، وتنطلق في جميع خطواتها من قناعة ذاتية بأهمية حقوق الإنسان باعتبارها جزءًا مهمًا من التنمية الشاملة للدولة، انطلاقًا من رؤية وطنية شاملة تستهدف بناء الإنسان المصري».
وحسب نسخة الاستراتيجية، التي نشرها موقع «القاهرة 24» فهي «أول استراتيجية وطنية متكاملة وطويلة الأجل في مجال حقوق الإنسان في مصر، وتهدف للنهوض بجميع حقوق الإنسان في مصر من خلال تعزيز واحترام جميع الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والبناء على التقدم الفعلي المحرز في مجال تعزيز الحقوق والحريات والتغلب على التحديات المتراكمة والتصدي لأوجه النقص القائمة في المشهد العام في مصر».
ولفتت مبادئ الاستراتيجية إلى «عدم جواز وضع قيود على ممارسة الحقوق والحريات التي ينص عليها القانون وتشكل تدابير ضرورية لحماية الأمن القومي المصري أو السلامة العامة أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو حماية حقوق الأشخاص الآخرين، بالإضافة إلى جانب ارتكاز الاستراتيجية على الضمانات الدستورية في مجال حقوق الإنسان والالتزامات والاتفاقات الدولية لمصر في هذا المجال».
وتناولت الاستراتيجية 4 محاور، هي، «الحقوق المدنية والسياسية، الحقوق الاجتماعية والثقافية والسياسية، وحقوق الإنسان للمرأة والطفل والأشخاص ذوي الإعاقة، التثقيف وبناء الإنسان في مجال حقوق الإنسان».
ولكن يواجه تحقيق هذه الاستراتيجية، وفق مراقبين، ترسانة من القوانين التي صدرت في السنوات الماضية في عهد السيسي التي أغلقت لمجال العام، وسمحت بسجن آلاف المعارضين.
معاملة السجناء
وعن معاملة السجناء وغيرهم من المحتجزين، جاء في الاستراتيجية، «مواصلة الجهود المبذولة لتنفيذ خطة وبرامج تطوير وتحديث منشآت السجون وإنشاء سجون جديدة لتقليل الكثافة في السجون في إطار التحسين المستمر في مستوى إعاشة السجناء ورعايتهم الصحية، والاستمرار في الزيارات التي يقودها المجلس القومي لحقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني للسجون، وفقًا للضوابط القانونية ذات الصلة».
وتواجه أوضاع السجناء والمحتجزين في مصر، انتقادات تتعلق بسوء المعاملة وصلت حد الإهمال الطبي الذي أسفر عن وفاة العشرات خلال السنوات الماضية، ودفعت بعضهم لمحاولة الانتحار.
انتقادات متواصلة لاحتجاز آلاف النشطاء السياسيين وإغلاق المجال العام
ويشهد سجن العقرب، سيء السمعة، حسب «الشبكة المصرية لحقوق الإنسان» إضراب العشرات عن الطعام احتجاجا على سوء المعاملة، إضافة إلى محاولة 15 معتقلا إشعال النيران في أنفسهم.
والشهر الماضي، حاول الناشط السياسي عبد الرحمن طارق الشهير بـ«موكا» الانتحار في محبسه في سجن طرة تحقيق، وتم نقله إلى مستشفى السجن، لتكون تلك المحاولة هي الثانية خلال أيام قليلة، بعد محاولة المدون محمد «أكسجين» الانتحار أيضا داخل محبسه.
الحرية الشخصية
وعن الحق في الحرية الشخصية تحدثت الاستراتيجية، عن «النظر في تضمين قانون الإجراءات الجنائية مزيدًا من البدائل المتطورة تكنولوجية للحبس الاحتياطي، والعمل على تفعيل البدائل الواردة فيه، وتعميم تنفيذ مشروع النظر عن بعد في أوامر الحبس الاحتياطي الذي يتيح للقاضي الاتصال مباشرة بالمتهم المحبوس احتياطيًا بحضور محاميه، عبر دائرة تليفزيونية مغلقة ومؤمنة، بما يمكن المتهم من إبداء كل أوجه دفاعه عند النظر في أمر إخلاء سبيله أو استمرار حبسه، دون الانتقال إلى المحكمة عند الحاجة لذلك، إضافة إلى دراسة إجراء تعديل تشريعي بإيجاد عقوبة بديلة للعقوبة السالبة للحرية عند عدم سداد الديون الناشئة عن علاقات تعاقدية، وتبصير المواطنين بحقوقهم فور ضبط أي منهم من خلال آلية مكتوبة كفيلة بإحاطتهم بهذه الحقوق».
إلا أن حملة «أوقفوا الاختفاء القسري» سبق أن وثقت، ما مجموعه 3029 حالة إخفاء قسري.
كما تنتقد منظمات حقوقية، سياسة تدوير سجناء الرأي، التي تنتهجها السلطات في مصر، لاستمرار احتجاز النشطاء السياسيين، بعد مضي عامين على حبسهم وهي المدة القانونية القصوى للحبس الاحتياطي طبقا لقانون الإجراءات الجنائية، من خلال ضمهم لقضايا جديدة .
حرية التعبير
حرية التعبير جاء كبند في باب الحقوق السياسية والمدنية، وتضمنت الاستراتيجية، «صدور قانون لتنظيم حق الحصول على المعلومات والبيانات والإحصاءات الرسمية وتداولها، وتعزيز الحق في ممارسة حرية التعبير عن الرأي والتصدي لأي انتهاكات في إطار الدستور والقوانين المنظمة لذلك، والمراجعة الدورية لتلك القوانين لضمان كفالة ممارسة هذا الحق وفقًا للدستور والتزامات مصر الدولية، ومواصلة جهود الدولة لحماية الإعلاميين والصحافيين أثناء تأديتهم عملهم في إطار الدستور والقوانين المنظمة لذلك».
لكن هذا البند يصطدم بممارسة السلطات نفسها، حيث يواجه العديد من النشطاء السياسيين المحاكمة بسبب كتابة آرائهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وكان آخرهم قبل أيام عندما أحيل حسام بهجت مدير «المبادرة المصرية للحقوق الشخصية». وتأتي المحاكمة على خلفية تغريدة كان بهجت نشرها على حسابه في موقع تويتر العام الماضي. وانتقد فيها أداء الرئيس السابق للهيئة الوطنية للانتخابات، المستشار الراحل لاشين إبراهيم، وإدارته للعملية الانتخابية لمجلس النواب 2020، والانتهاكات والمخالفات العديدة التي شابت تلك الانتخابات.
الحق في التنظيم
أما عن الحق في التنظيم، فجاء في الاستراتيجية: «زيادة التنسيق والتكامل بين شركاء التنمية الحكومية والمجتمع المدني والقطاع الخاص والجهات المانحة، وتعزيز التواصل بين الحكومة ومنظمات المجتمع المدني العاملة في مجال حقوق الإنسان، وتعزيز وتنمية القدرات المؤسسية للجمعيات الأهلية» فضلاعن «زيادة قدرات النقابات واللجان النقابية في مجالات المفاوضة الجماعية وتسوية المنازعات الفردية والجماعية، وإبرام اتفاقيات العمل الجماعية، ودعم الموارد المالية للنقابات العمالية، وبناء قدرات جميع الأطراف المعنية لدعم تنفيذ الأطر القانونية ذات الصلة بتيسير تسجيل وتوفيق أوضاع النقابات العمالية وفقًا للمحددات القانونية، واتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان دورية عقد الانتخابات في النقابات المهنية، وبناء قدرات ومهارات القيادة والتنظيم لأعضاء وكوادر الأحزاب السياسية في مجال الانتخابات، تعزيز مشاركة النقابات العمالية في صياغة السياسات الاقتصادية والاجتماعية».
كما تضمنت الاستراتيجية، «صدور تعديلات تشريعية منظمة لعمل النقابات المهنية استرشادًا بأحكام المحكمة الدستورية العليا بشأن مسائل فرض الحراسة القضائية والمنازعات المتعلقة بصحة انعقاد الجمعيات العمومية وغيرها، تفعيل مشاركة النقابات المهنية في إعداد مشروعات القوانين المتصلة بشؤونها، وتكثيف التواصل مع الحكومة بشأن السياسات المتصلة بالشؤون المهنية».
إلا أن الحديث عن الحق في التنظيم يواجه واقعا مختلفا، حسب مؤسسة حرية الفكر والتعبير، منظمة حقوقية مستقلة، التي قالت في تقرير سابق: «عانت المنظمات غير الحكومية على مدى السنوات الماضية من تدخل الأمن في شؤون المنظمات وإعاقة أنشطتها».
ولفتت إلى أن المشروع الذي يعرف إعلاميا بـ «قانون الجمعيات الأهلية» يقنن التواجد الأمني ويعترف بدوره وينص صراحة على تعدد الأجهزة الأمنية والحكومية التي لها الحق في التدخل في عمل المنظمات وإعطائها الموافقة على الحصول على التمويل مما يسمح للحكومة السيطرة والتحكم في المنظمات غير الحكومية ويفقدها الاستقلالية.
التجمع السلمي
وتناولت الاستراتيجية، الحق في التجمع السلمي، «من خلال تعزيز وتنمية الوعي العام بثقافة وممارسة حق التجمع السلمي بجميع صوره لكونه وسيلة من وسائل تدعيم وتأكيد الديمقراطية». غير أن قانون التظاهر، الذي صدر عام 2013، يشل قدرة القوى السياسية على تنظيم أي احتجاجات، ويشترط موافقة الأجهزة الأمنية قبل تنظيم المظاهرة.
«حرية الدين»
وتطرقت الاستراتيجية لحرية الدين والمعتقد، مشيرة إلى «العمل على مواصلة مراجعة جميع المقررات الدراسية الدينية؛ لتنقيتها من أي موضوعات لا تسهم في تعزيز التسامح، ونبذ العنف والتطرف، وإدراج الموضوعات التي تسهم في ترسيخ قيم الحوار، وإقرار الاختلاف والعيش المشترك مع المخالف، ومحاربة الكراهية والتعصب بشتى صورهما، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات الدينية في تنفيذ خطط تجديد الخطاب الديني، ونشر التسامح، واحترام الأديان، وتفنيد الأفكار المتطرفة والمغلوطة».
ورصد «المواد الإعلامية التي تبثها وسائل الإعلام أو المواقع الإلكترونية أو الصحف، وتنطوي على تمييز أو تحريض بين المواطنين بسبب الدين، وذلك للتصدي لها باتخاذ الإجراء القانوني المناسب حيالها، ومواصلة اللجنة المختصة بتقنين أوضاع الكنائس عملها من أجل تقنين أوضاع بقية الكنائس والمباني الخدمية التي لم تخضع للتنظيم بعد».
وقبل أيام أقام المحامي المصري نجيب جبرائيل، الذي يعرف نفسه بمستشار الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، دعوى قضائية، طالب فيها بإلزام وزير الداخلية ومساعده لقطاع الأحوال المدنية بإلغاء خانة الديانة من بطاقة الرقم القومي.
ولا تقتصر أزمة خانة الديانة في بطاقة الرقم القومي، حسب منظمات حقوق الإنسان، على التمييز الذي تسفر عنه بين المواطنين، لكنها أيضا تمنع مصريين من تسجيل ديانتهم الحقيقية، ففي مصر لا يعترف موظفو وزارة الداخلية المسؤولون عن تسجيل البيانات سوى بثلاث ديانات هي الإسلام والمسيحية واليهودية، ما يحرم أتباع ديانات أخرى مثل البهائية من تسجيل هويتهم الدينية في بطاقة الرقم القومي، كما يرفض الموظفون تغيير الديانة إذا تحول مسلم إلى المسيحية.
وتحت عنوان الحق في الخصوصية، تضمنت الاستراتيجية، «تعديل بعض أحكام قانون الإجراءات الجنائية لتمتد السرية المفروضة على أسماء المجني عليهم لتشمل جميع الجرائم التي قد يؤدي الإعلان عنها إلى انتهاك حرمة حياتهم الخاصة».
وواجهت مصر خلال السنوات الماضية انتقادات من منظمات حقوقية محلية ودولية، بشأن أوضاع حقوق الانسان وإغلاق المجال العام، وتتحدث منظمات حقوقية عن وجود آلاف المعتقلين، فيما تنفي السلطات المصرية وجود معتقلين من الأساس في سجونها، وتقول إن لديها متهمين على ذمة قضايا جنائية.