صوت الناس على الحزب، وحطم رقما قياسيا في عدد المقاعد، تراجع عن وعوده الانتخابية، وتواطأ مع باقي الأحزاب، لينقلب على إرادة المواطنين.
الرباط ـ»القدس العربي»: خارج التعليقات المتشفية من الهزيمة المدوية لحزب «العدالة والتنمية» المغربي في الانتخابات التشريعية والبلدية التي جرت الأربعاء الماضي، وبعيدًا عن لغة القدح والتهكم والنعوت الجاهزة التي انتشرت عبر أكثر من وسيلة إعلامية أو صفحة افتراضية؛ حاول البعض تقديم تعليقات متأنية، سعيا لقراءة ما جرى للحزب الإسلامي الذي تولى رئاسة الحكومة مدة عشر سنوات، واستشراف آفاق المشهد السياسي في المغرب.
في هذا الصدد، يرى الناشط الحقوقي محمد زهاري أن مفهوم «التصويت العقابي» ردده سياسيون وأساتذة جامعيون. وتساءل في تدوينة له: «لكن من شغل وزيرا للفلاحة ولمدة 14 سنة؟» في إشارة إلى عزيز أخنوش رئيس حزب «التجمع الوطني للأحرار» متصدر الانتخابات. وأضاف «ومن تحمل وزارتي المالية والتجارة والصناعة؟» (في إشارة إلى الوزيرين محمد بنشعبون وحفيظ العلمي المنتمين للحزب المذكور) واعتبر أن «المنطق السياسي يفرض معاقبة الجميع ليكون توصيف ما جرى بأنه عقاب لحزب معين».
وقال الباحث فؤاد بوعلي: «البعض فوجئ من حجم السقوط، وآخرون بدأوا يتشفون في التجربة برمتها، لكن الأكيد أن الحزب وقيادته يتحملان الجزء الأهم من المسؤولية. وككل سقوط لا بد له من مقدمات، ومقدماته الأساسية التفريط في الشرعية الشعبية والبحث الدائم عن تقديم شهادة حسن السلوك لأصحاب القرار».
وأشار في تدوينة له إلى أن أهم المقدمات التي جعلت الجمع ينفض عن حزب مثل آمال المغاربة هو التخلي عن الثوابت المؤسسة للفكرة، مستدلا على ذلك بـ»فرنسة» التعليم التي اعتبرها نقطة في مسار طويل من التراجعات المادية والمبدئية، لافتا الانتباه إلى أن النقطة التي جعلت قيادة الحزب تبني آمالا على الرمال هو غياب البديل الحزبي بعد ضياع بوصلة اليسار، إذ تحول بعضه إلى بوق للاستبداد باسم الحداثة والعصرنة يقتات على تجربة الإنصاف والمصالحة، وآخرون أضاعوا البوصلة نهائيا.
أما الباحث مصطفى بوكرن فيرى أنه حين صوت الناس على الحزب، وحطم رقما قياسيا في عدد المقاعد، تراجع الحزب عن وعوده الانتخابية، وتواطأ مع باقي الأحزاب، لانقلاب عن إرادة المواطنين.
وفي محاولة لاستقراء أسباب الفشل الأخرى، تحدث عن «طوفان المال الذي أغرق السوق الانتخابي، فاشترى بالكثير والقليل بعض أصوات المواطنين، تحت عين السلطة ومتابعتها لما يجري». وأضاف إلى ذلك التصدعات الداخلية لحزب «العدالة والتنمية» مؤكدا أن العامل المحوري في انهياره انتخابيا، هو موقف السلطة منه حين فاجأها بتصرفات غريبة لم تعتدها منه مطلقا. واستعاد شريط الأحداث ليشير إلى أن الحزب المذكور كان تحت السيطرة والمراقبة، ويقبل بالتنازلات، وكان بمثابة طالب نجيب في الاستماع لتعليمات وزارة الداخلية. ومع مجيء الربيع العربي، وتعديلات دستور 2011 اضطرت السلطة لتخفيف من التحكم في الانتخابات، لتؤكد للعالم أنها تقدم تجربة ديمقراطية نموذجية، وفي الآن نفسه تمتص غضب المحتجين في حركة «20 فبراير». ففاز «العدالة والتنمية» بـ107 مقاعد محتلا المرتبة الأولى.
وأضاف الباحث نفسه «هنا سيقع تحول كبير في علاقة الحزب بالسلطة بقيادة عبد الإله بن كيران، رئيس الحكومة آنذاك، حيث ظهر هذا الأخير بغير الوجه الذي اعتادته السلطة منذ 1990 إذ أصبح ثائرا بخطاباته، وإن كان عمليا يمرر مخططات الدولة، لكنه كان يخطط لكي لا يفقد شعبيته.
واستطرد بوكرن قائلا «بعد إزاحة بن كيران، جرى القيام بعملية جراحية بارعة، اختيار سعد الدين رئيسا للحكومة، هذا الوضع سيفرض على تيار بن كيران، أن يخضع للقبول بالعثماني أمينا عاما، فتمت العملية بنجاح، وأرسلت السلطة رسالة لمناضلي الحزب لطمأنتهم في المجلس الوطني، الدولة ما زالت في حاجة إليكم». لكنه ذكر أنه بعدما أصاب الحزب الغرور، وصار يُظهر عبر بن كيران نوعا من التمرد، غيرت السلطة أسلوب تعاملها معه، واعتبر أن ما حصل للحزب الإسلامي هو «تأديب لاختيار داخله، ظهر مع بن كيران، الذي انقلب في علاقته مع السلطة. أما سعد الدين العثماني ومن معه، فهم مجرد حطب في معركة ساحقة».
ما العمل؟
وكتب الصحافي نور الدين مفتاح في افتتاحية العدد الجديد من أسبوعية «الأيام»: «إنها نهاية مأساوية لحزب ملأ الدنيا وشغل الناس، وستمرّ جنازته في ثلاثة أيام، ليبقى الأهم بالنسبة للمغاربة هو ما العمل بعد طي صفحة الإسلاميين؟».
وأضاف «هذا هو السؤال الوحيد المنتج اليوم، أما لعبة التشفي أو التباكي، الزهو أو المظلومية، فإنها مضيعة لوقت مملكة مقبلة على جميع التحديات. واليوم يدخل حزب جديد امتحان قيادة حكومة في ظروف صعبة، وعليه أن يبرهن على أنه من مستوى وعوده وعهوده التي لن يقف أمامها على الأقل توجس من تغول ولا فزاعات إيديولوجية ولا ادعاء نقص كفاءة. الناس يريدون الإنجاز، وأن تصلهم ثماره بسرعة، أما الإيديولوجية في المملكة فقد ماتت، والدايم الله».
وتساءل الكاتب والإعلامي يونس إمغران: «هل ينهض حزب العدالة والتنمية من سقوطه التاريخي مرة أخرى؟» وتابع في تدوينة «أشد الناس تشاؤماً، بل وعدمية، لم يكن يتوقع حصول العدالة والتنمية على 12 أو 13 مقعدا برلمانيا. وأكثر من هذا عدم قدرتهم على تشكيل فريق نيابي بمجلس النواب. هي كارثة بكل المقاييس، ودمار ليس له مثيلا في تاريخ هذا الحزب الذي انطلق عند أول مشاركة انتخابية له بـ 9 مقاعد نيابية».
واستطرد قائلا «نعم، لا أحد من الناس يمكنه أن يشك في صحة نتيجة حزب العدالة والتنمية، وإن تعددت أسبابها التي يذهب البعض إلى تحديدها في التضييق على الحزب في كل الدوائر الانتخابية، وفي استعمال خصومه للمال الحرام، وفي عدم تسليمه لمحاضر التصويت وغير ذلك. لكن الأسباب الحقيقية التي نعتقد أنها وجيهة، وأنها دفعت بالحزب إلى الدخول إلى نفق يوجد في نهايته جدار من الإسمنت والحديد يصعب اختراقه، تكمن في أخطائه العديدة، وبلادته في تقدير الأمور، وغبائه في قراءة تحولات البلاد».
ثم سرد بعض الأسباب التي وصفها بالقاتلة لحزب «العدالة والتنمية» على النحو التالي:
«الإذعان لعملية العرقلة التي طالت تشكيل حكومة عبد الإله بن كيران الثانية، وعدم امتلاك الشجاعة السياسية والجرأة الأخلاقية لإنهاء العرقلة بالاعتذار عن إتمام تشكيل الحكومة، ووضع المفاتيح».
وكذا قبول الحزب بتغيير المكلف بتشكيل الحكومة الثانية عبد الإله بن كيران، وقبول سعد الدين العثماني كبديل للمكلف الأصلي، وهو الشخصية الضعيفة في الحزب؛ وإبقاء حزب الأحرار والاتحاد الاشتراكي ضمن مكونات الحكومة الثانية؛ فضلا عن الاستمرار في تسيير الحكومة رغم التعنت والعقبات والعراقيل التي كانت تصنعها أغلب مكونات الحكومة لرئاستها، بحيث كان بالإمكان أن يوقف الحزب تجربة الحكومة الثانية في منتصف طريقها بعد مرور سنتين ونصف على عملها، ويعيد ترتيب المشهد السياسي وفق رؤية أخرى تنبني على تقديم الاستقالة من رئاسة الحكومة، والدعوة إلى انتخابات مبكرة.
كما أشار الكاتب إلى سكوت الحزب عن «فضح» طبيعة العراقيل التي توضع على طريقه، وأسماء الفاعلين الأساسيين أو بالوكالة. بالإضافة إلى عجزه عن إيقاف مرور جملة من مشاريع القوانين رغم تعارضها مع هوية المغاربة وتقاليدهم وأعرافهم وأخلاقهم، وكذا استهدافه للطبقة الفقيرة والوسطى بإجراءات وتدابير قاتلة من أجل الحفاظ على استقرار البلاد وتوازنها الاقتصادي (وقد أفلح في ذلك) في الوقت الذي كان يجب عليه أن يقوم بالإجراءات ذاتها ولكن في حق طبقة الأغنياء والميسورين والفاسدين.
وأشار إلى وجود عوامل أخرى لا يمكن تهوينها أو التقليل من خطورتها، ومنها أن الاستثناء المغربي تمثل في عمل الدولة العميقة المضني (الممتد من واقعة العرقلة إلى اليوم) على استنبات كراهية الحزب في نفوس الناس وإقناعهم بأن الحزب أضر بهم، وأنه بات يشكل خطورة على حياتهم المعيشية ومستقبل أبنائهم، ثم ممارسة التضييق على قيادة الحزب وأعضائه قبل وأثناء الحملة الانتخابية، دون أن ننسى «هزالة» الصلاحيات الممنوحة دستوريا للحكومة.
وتساءل: هل ينجح الحزب في النهوض من سقوطه المدوي خلال انتخابات 2021 ويستعيد قوته من جديد، ويبني لنفسه تاريخا جديدا بمواقف تنتصر للشعب وليس لقضايا زائلة أو مؤقتة أو تكتيكية؟ ليجيب قائلا إننا نعتقد، والله أعلم، أن الحزب قادر بكل معنى الكلمة على العودة إلى الحياة السياسية المغربية بحجم أكبر: سياسيا وأخلاقيا وفكريا ووطنيا، لأنه لم يخسر الحرب، وإنما خسر معركة لا أقل ولا أكثر. معركة ينبغي عليه فيها (الآن) أن يكون قد كشف من خلالها حقيقة أصدقائه، ووجوه أعدائه، وهوية خصومه، وطبيعة أخطائه، وضعف مواقفه، وسوء اختياراته، وأن يعمل بالتالي على إنجاز مصالحة حقيقية مع شعبه وذاته وقاعدته وناخبيه، ثم تصحيح ما ينبغي تصحيحه وهو كثير ومعقد».
وشدد على أنه لربح معركته القادمة، لا بد لحزب العدالة والتنمية من تغيير قيادته، وتمكين شبابه من تسيير الحزب وتطويره والبحث عن آليات بنائه على أسس صلبة وفاعلة، ومن الخطأ القول بأن عودة عبد الإله بن كيران «واجبة» إلى زعامة الحزب وقيادته، لأنه حتى لو افترضنا حدوث هذه العودة، ونجاح الحزب في تصحيح أخطائه، فإن بن كيران ليس خالدا أولا، كما أن المرحلة ليست مرحلته ثانيا، وإنما المرحلة تقتضي تمكين طاقات داخل الحزب (من الصقور) تنتظر فرصتها لكونها تملك الأفكار والجرأة والمواقف».