السلطة الفلسطينية و»أسرى جلبوع» أي مأزق وأي فرصة؟

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

رام الله-»القدس العربي»: ظلت مسألة موقف السلطة الفلسطينية من تمكن ستة فلسطينيين أسرى من انتزاع حريتهم من سجن جلبوع الإسرائيلي تحت السيطرة عبر تصريحات قدمها رئيس الحكومة الفلسطينية محمد اشتيه يوم الثلاثاء الماضي خلال لقاء عقده مع الصحافيين الفلسطينيين وخصص لمناقشة ملفات وقضايا محلية.
قال اشتيه في اللقاء المغلق مع الصحافيين في مدينة رام الله إنه يشيد «بتمكن ستة أسرى فلسطينيين من الفرار من سجن جلبوع الإسرائيلي بعدما حفروا نفقا من داخل زنزانتهم».
وأضاف: «أن لكل أسير فلسطيني يريد الحرية الحق في البحث عن كل الطرق لينالها».
جاءت التصريحات بعد نحو 24 ساعة على الهروب الكبير للأسرى الستة من سجن جلبوع المقام شمال فلسطين، لكن السؤال الأصعب والمعقد في ضوء الحالة الفلسطينية وجه من الإعلام الإسرائيلي إلى الكاتب أشرف العجرمي، وزير سابق لوزارة الأسرى، حيث سأل المذيع الإسرائيلي العجرمي: ماذا لو لجأ الأسرى الستة إلى السلطة الفلسطينية بهدف حمايتهم من إسرائيل، فكيف ستتصرف السلطة الفلسطينية؟

جدل الوزير السابق

رد العجرمي كان أن «السلطة ستقوم باعتقالهم ووضعهم في السجون الفلسطينية، كما حدث سابقا، ومن ثم سيتحدثون مع إسرائيل والمجتمع الدولي للوصول إلى حل، وفي نهاية الأمر لا اعتقد أن السلطة ستسلمهم لإسرائيل، بل ستدخلهم لسجون السلطة».
العجرمي الذي يتقن العبرية بطلاقة، وقد شغل منصب وزير لشؤون الأسرى والمحررين، ووزير للشباب والرياضة في حكومة سلام فياض حتى عام 2009 سألته المذيعة في صحيفة «يديعوت أحرنوت» في اللقاء المتلفز نفسه في 9 ايلول/سبتمبر: «هل ما زالوا في إسرائيل، هل يمكن أن ينفذوا عمليات إرهابية فيها؟».
رد العجرمي: «أعتقد ان هدفهم الهروب وأن يكونوا في أمان، ربما ينجحون باجتياز الحدود إلى عمان أو لبنان وهذا يجعل السلطة وإسرائيل تتخلصان من هذه المشكلة».
مقطع الفيديو الذي انتشر بسرعة لم يتجاوز 1:22 ثانية، وهو ليس جميع المقابلة الصحافية، لكنه كان كافيا لإثارة الشارع الفلسطيني وحركة فتح أيضا، لكونه تضمن ما يريد الشارع الفلسطيني تجاهله أو عدم التفكير فيه أمام حالة الانتشاء والنصر العامة. وبطبيعة الحال لن يكون هذا النوع من الأسئلة مرحبا به لمسؤولين فلسطينيين من وسائل إعلامية فلسطينية أو عربية لكونه يضع الأمور في نطاقها الحقيقي والمؤلم أيضا.
رد حركة فتح جاء سريعا على العجرمي حيث قال المتحدث باسم الحركة، كايد ميعاري، إن التصريحات المنشورة لأشرف العجرمي، وزير الأسرى السابق، «غير مسؤولة، وطعنة في ظهر الحركة الأسيرة».
وأضاف ميعاري في بيان صحافي صدر عنه الخميس الماضي ووصلت «القدس العربي» نسخة منه أن تصريحات العجرمي لا تعبر عن الحركة الوطنية والحركة الأسيرة التي تتعرض لأبشع صور التنكيل.
وشدد البيان على موقف اللجنة المركزية لحركة فتح، التي حيت الأسرى الذين انتزعوا حريتهم، وصفعوا منظومة السجان وانتصروا لكرامة الشعب الفلسطيني.

العالول: سنحمي الأسرى

آخر موقف عبر عن حركة فتح صدر مساء الجمعة عن عضو اللجنة المركزية لحركة فتح محمود العالول الذي قال «إن عملية جلبوع التي انتزع خلالها ستة من أبنائنا الأسرى حريتهم فاجأت الاحتلال وسجانيه، وأهانت منظومة الاحتلال الأمنية».
وشدد العالول في تصريح صحافي على أن قضية الأسرى هي قضية الكل الفلسطيني، ولن يسمح الشعب الفلسطيني وقيادته بالاستفراد بالأسرى والحركة الأسيرة.
وأضاف: «سنحمي أبناءنا بكل السبل ولن يحقق الاحتلال مراده» وأهاب العالول بالشعب الفلسطيني بكافة قواه الشعبية والوطنية «التوحد في الميدان والانخراط في الفعاليات الوطنية التي دعت لها الحركة في محافظات الوطن».
الموقف الفتحاوي جاء متوافقا مع حراك الشارع وداعما له، حيث دعت الحركة جماهير الشعب الفلسطيني لنصرة الأسرى، ودعم نضالهم، مؤكدة على أهمية رص الصفوف والوحدة الوطنية، وعدم الانجرار للشائعات الهادفة إلى ضرب وحدة الصف الوطني خلف الحركة الأسيرة.
كما حيّا المجلس الثوري لحركة فتح، في بيان صحافي صدر قبل يومين عضو المجلس الثوري زكريا الزبيدي ورفاقه الأسرى، وحمل المجلس الثوري لحركة فتح، حكومة الاحتلال الإسرائيلي وأجهزتها المسؤولية الكاملة عن حياة الزبيدي ورفاقه.
لكن نشطاء انتقدوا لغة الخلط بين موقف فتح الواضح والداعم مباشرة للأسرى، وموقف السلطة الفلسطينية، واعتبروا أن جعل أي «نقد للسلطة هو بالضرورة موجها لفتح خلط متعمد بقصد شيطنة كل من ينتقد سلوك السلطة وأجهزتها الأمنية».
من جانبه قال محافظ جنين أكرم الرجوب لموقع «ميكور ريشون» العبري: «لا أظن أن الأسرى الستة في أراضي السلطة الفلسطينية» وأكد الرجوب أن السلطة: «لن تسلم معلومات عن الأسرى، فهذه ليست مسؤوليتنا والأسرى خط أحمر».
وأضاف: «لا أعتقد أن اعتقالهم سيؤدي لاندلاع انتفاضة ولكن اغتيالهم قد يفاقم الأوضاع». معتبرا أن أي تصعيد قادم يتوقف على سلوك إسرائيل وكيفية تعاملها مع الأسرى، مؤكدا «أننا ندعم الأسرى الذين هربوا والذين داخل السجون ولن ندير لهم ظهرنا».
ويبدو أن قضية الأسرى تحمل فرصة كبيرة للسلطة ولحركة فتح وتحديدا وأن أحد أبرز قياداتها العسكرية وهو زكريا الزبيدي الأسرى الذين انتزعوا حريتهم، وهو أمر يمكن استثماره لحصد مزيد من التأييد في الشارع الفلسطيني.
فالقضية، بحد ذاتها، تعتبر حدثا وحد الفصائل الفلسطينية جميعها، وجعلها تعود للميدان الذي يبدو أن حركة فتح تديره بالضفة الغربية لصالحها، فهي تشترك ميدانيا في مظاهر الإسناد للأسرى في السجون الإسرائيلية وهو ما يعطي فرصة لإعادة اللحمة السياسية والميدانية للفصائل الفلسطينية وبقيادة الحركة أيضا.

أسئلة محرجة

الحرج السياسي الذي يمكن ان تصاب به السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية مرتبط بسؤال فيما لو علمت إسرائيل بمكان الأسرى جميعهم أو بعضهم وطالبت السلطة الفلسطينية باعتقالهم بالمرحلة الأولى؟ وماذا لو اعتقلتهم السلطة، وهو أمر يصعب تنفيذه في ضوء طبيعة القضية وحجم الموقف الشعبي فلسطينيا، ومن ثم طالبت إسرائيل بتسليمهم لها في ضوء أن القضية إسرائيليا أصبحت مسألة هيبة وقضية ردع؟
تأتي هذه الأسئلة الصعبة والتي تمتلك في داخلها معطيات تدفع بالتصعيد العسكري والشعبي وهو أمر يترافق مع حالة من الهدوء واللقاءات الثنائية ومحاولة بذل جهود إعادة الثقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
وتعتبر إحدى المطالب الفلسطينية التي قدمها محمود عباس في اجتماعه الأخير مع وزير الجيش الإسرائيلي بيني غانتس إيقاف الاقتحامات الإسرائيلية لمدن الضفة أو تلك التي تقع في مناطق ألف، وهو أمر مرتبط بتعهد فلسطيني بتنفيذ كل ما تطلبه إسرائيل من الأجهزة الأمنية الفلسطينية.
وبحسب البند (15) من اتفاقية بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل حمل اسم «اوسلو 2» أو ما يعرف بـ»اتفاقية طابا» نسبة إلى طابا في شبه جزيرة سيناء المصرية بتاريخ 24 ايلول/سبتمبر 1995 وينص البند الذي يحمل اسم «منع الأعمال العدوانية» على أن «يأخذ الطرفان الإجراءات الضرورية لمنع أعمال الإرهاب، الجريمة، والأعمال العدوانية الموجهة ضد الطرف الآخر أو ضد أفراد واقعين تحت سلطة الطرف الآخر وضد ممتلكاتهم وسوف تؤخذ الإجراءات القانونية ضد مرتكبي هذه الأعمال».
وتتمسك السلطة الفلسطينية بكل ما أفضى به اتفاق أوسلو وهو ما لا تعترف به ولا تمارسه السلطات الإسرائيلية وهو أمر عمل دوما على تدني أسهم السلطة شعبيا لكونها مصرة على المضي بالاتفاقيات الموقعة.
بدوره نفي الناطق باسم المؤسسة الأمنية الفلسطينية اللواء طلال دويكات في تصريحات صحافية وجود «أي تواصل بين الأمن الفلسطيني وإسرائيل بشأن الأسرى الستة».
واعتبر دويكات أن «كل ما يشاع عن ذلك عارٍ عن الصحة، ويهدف إلى خلق فجوة بين السلطة الفلسطينية وشعبها».
وكانت قد انتشرت أخبار نسبت لصحيفة لبنانية نقل عنها موقع إسرائيلي عبري عن أن السلطة مستعدة للقيام بجهود مع إسرائيل في ملف الأسرى الستة شريطة ألا تتم تصفيتهم، وهو ما لم يتم التحقق منه.
وأوضح دويكات أن السلطة الفلسطينية «لا يمكن أن تضع نفسها في صورة من يتعاون لتسليم أسرى تمكنوا من انتزاع حريتهم من سجون الاحتلال الإسرائيلي». بدوره تمنى دويكات «السلامة للأسرى الستة» مؤكدا أن «القيادة الفلسطينية تضع كل إمكانياتها للإفراج عن بقية الأسرى من السجون الإسرائيلية».

تقديرات أمنية إسرائيلية

يتعمق المأزق في ظل أن التقديرات الأمنية الإسرائيلية تشير إلى أن جزءا من الأسرى الفارين دخل الضفة الغربية، وهنا تكون الخيارات أمام قوات الاحتلال الإسرائيلي إما دخول الجيش للضفة الغربية للبحث عن الأسرى، وهو ما سيقود لمواجهات مع فلسطينيين مسلحين سيحاولون الدفاع عن الأسرى.
ذلك السيناريو يجعل المسألة تتدحرج لتصبح مواجهة مفتوحة مع الفصائل الفلسطينية التي تعهدت بحماية الأسرى بالسلاح، أما الخيار الثاني فهو أن تقوم السلطات الإسرائيلية بالعمل على الطلب من السلطة فعل ذلك تنفيذا لاتفاقيات دولية وهو ما يجعل السلطة في موقف صعب للغاية وفي خانة الحرج الشديد بحسب المحلل السياسي عريب الرنتاوي.
أما في حال رفضت التجاوب مع الطلبات الإسرائيلية يرى الرنتاوي أنه أمر يعمل على خسارة حزمة التسهيلات الاقتصادية الإسرائيلية ضمن إجراءات بناء الثقة التي أعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس استعداده لقبولها مؤخرا في القمة الثلاثية في القاهرة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية