«القدس العربي» في مطار بيروت الدولي: يغادرون الوطن لعلهم يجدون فرصة للحياة

عبد معروف
حجم الخط
0

مر لبنان خلال العقود الماضية بمحطات أمنية وسياسية واقتصادية كثيرة أوصلته إلى حافة الانهيار، وأدت إلى هجرة قطاعات واسعة من اللبنانيين هربا من ويلات الحروب أو من أجل البحث عن فرصة للعمل.
وكان مطار بيروت الدولي «مطار رفيق الحريري الدولي» ممرا شرعيا للمهاجرين اللبنانيين إلى دول المهجر، وشهد خلال السنوات الماضية ازدحاما خانقا، كانت تؤدي في الكثير من الأحيان إلى تدافع وخلافات بين المسافرين أنفسهم أو بين المسافرين والقوى الأمنية اللبنانية داخل المطار خلال محاولتها تنظيم طوابير السفر.
وما كان لافتا بعد الانهيار الاقتصادي والمالي في لبنان وبعد انفجار مرفأ بيروت في 4 آب/أغسطس 2020 هو ارتفاع عدد المهاجرين بصورة غير مسبوقة، وهذا ما برز ليس فقط في الطوابير في مطار بيروت، بل يظهر أيضا من خلال ازدحام طالبي الهجرة أمام أبواب السفارات العربية والأجنبية في بيروت وفي مكاتب وكالات السفر إلى جانب مكاتب الأمن العام اللبناني حيث يتم تقديم طلبات الحصول على جوازات السفر.
المختار في مدينة صيدا ابراهيم عنتر، كشف لـ«القدس العربي» أن الطلب على معاملات الحصول على جوازات السفر ارتفعت بصورة غير مسبوقة في تاريخ لبنان، لافتا إلى أن عدد طالبي الأوراق الثبوتية للحصول على جواز السفر ارتفع أربع مرات عما كان عليه قبل عام أو عامين.
وحول رأيه عن سبب هذا الارتفاع في الطلبات رد المختار، يمكن القول إن الانهيار الاقتصادي والمالي والذي أدى إلى ارتفاع جنوني بأسعار المواد الغذائية وارتفاع نسبة البطالة إلى جانب حالة الإحباط التي عمت بعد انفجار مرفأ بيروت بالإضافة إلى انقطاع التيار الكهربائي وفقدان مادة البنزين.
وقال المختار عنتر، الازدحام الحاصل أمام مراكز الأمن العام يعود إلى تهافت المواطنين غير المسبوق على تقديم طلبات جوازات سفر، ارتفاع غير مسبوق في عدد الطلبات على جوازات السفر في دوائر الأمن العام اللبناني، في السابق كان عدد الطلبات لا يتجاوز الـ 300 في اليوم، أما عدد الطلبات في الآونة الأخيرة فقد تجاوز سبعة آلاف في اليوم الواحد، وهو رقم كبير لم يعرفه لبنان في تاريخه.

ازدحام حجوزات السفر

وتشهد المؤسسات والمكاتب المعنية بمعاملات السفر على امتداد الأراضي اللبنانية ازدحاما طلبا لأوراق خاصة أو لحجز أماكن على متن الرحلات المغادرة.
وقد أكدت ليلى عقيل، وهي موظفة في شركة البزري للسياحة والسفر، أن مكتب الشركة يشهد ازدحاما في طلب حجوزات للسفر لم يشهده منذ افتتاحه قبل أربعين عاما، وأضافت أن مكاتب السفر في لبنان لم تشهد إقبالا وازدحاما على الحجز وشراء بطاقات السفر لمغادرة لبنان كما تشهد اليوم. ورفضت عقيل الحديث عن سبب هذا الازدحام، لكنها قالت «لا أدري ماذا يجري في لبنان، حالة من الفوضى لم نر لها مثيلا حتى خلال سنوات الحرب الماضية، ربما يكون انهيار البلد وانقطاع التيار الكهربائي وفقدان مادة البنزين والنفط وانهيار العملة الوطنية سببا في هذه الهجرة الجماعية للبنانيين من بلدهم إلى الخارج».
من جهته، أعلن نقيب مكاتب السفر والسياحة في لبنان، جان عبود، أن حركة المطار شهدت ارتفاعا بمعدل ستة أضعاف في عدد المسافرين مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي الذي كان بين 800 شخص و1200 شخص، واليوم تجاوز العدد الـ 4800 و5000 شخص في اليوم.
وسُجّل هذا الارتفاع رغم القدرة التشغيلية للمطار ولشركات الطيران المحددة بـ 30 في المئة.

طوابير المغادرين

وداخل قاعات مطار بيروت الدولي، وأمام مكاتب شركات الطيران وبوابات الأمن العام اللبناني، يصطف المغادرون في طوابير طويلة بانتظار تخليص معاملاتهم قبيل السفر. تدافع وخلافات وصرخات وضجيج، يحاول كل مسافر ان يقف مكانه أو تجاوزه للإسراع في تأمين إجراءات المغادرة ما يسبب خلافا مع الآخرين. حالة من الفوضى، يحاول رجال الأمن في المطار تنظيم طوابير وحركة المسافرين لكن الشرطة كانت عاجزة عن ضبط الأمور بسبب الازدحام الهائل.
لماذا كل هذا الازدحام؟ «القدس العربي» سألت أحد المسافرين إلى كندا وبجانبه عائلته أجاب: «من الواضح أن الشعب اللبناني قرر الهجرة من وطنه، لقد تعبنا ولم يعد باستطاعتنا تحمل حياة يغمرها القهر والذل والغلاء وفقدان الأدوية وحليب الأطفال والبنزين وغلاء فاحش».
ولكن إلى أين؟ رد قائلا: لم يعد مهما إلى أين نهاجر، المهم اليوم أن نهاجر الوطن بحثا عن حياة كريمة، حياة خالية من القهر والذل والموت اليومي.
قاطعته زوجته وقالت: لم يعد في مقدورنا العيش في بلد تحول إلى جحيم. نقف منذ الصباح ساعات طويلة أمام محطات الوقود، لا كهرباء ولا دواء ولا حكومة ولا عمل، ارتفعت نسبة البطالة وأقفلت المؤسسات التجارية أبوابها وسرحت موظفيها.
وتساءلت بصوت مرتفع: هل تريد أن تعلم ما الذي أجبر زوجي على الهجرة؟ وتابعت، أبحث لطفلي عن حليب أطفال منذ 10 أيام ولم أجد علبة واحدة، مافيات وتجار ومهربون يتحكمون بسوق وقود السيارات والأدوية.

ماذا نقول؟

«القدس العربي» تجولت بين طوابير المسافرين، نحاول التحدث مع أحدهم، يرفض الرد على أسئلتنا، التعب والارهاق يمنعهم عن الحديث، أو كما قال أحدهم: ماذا نقول؟ لكن رغم تعبه يتابع: نغادر وطننا بحثا عن مدارس لتعليم أولادنا، بحثا عن لقمة عيش حرمنا منها في لبنان، عن وقود لسياراتنا، نهاجر وطننا نريد العيش بعيدا عن العنتريات والصراعات السياسية والمزاحمات الطائفية، وصرخ قائلا: هنا الموت ، نريد الحياة .. نريد الحياة.
مسافر آخر مع زوجته تمكن من إنجاز إجراءات السفر والتوجه إلى دوائر الأمن العام لختم المغادرة، استوقفناه قليلا، هل مغادرتك نهائية أم أن سفرك لأيام؟ قال مبتسما، إنه وطني وكرامتي، لكن يبدو أن واقع الحال في هذا الوطن، قتل أحلامنا وآمالنا وطموحنا، وأضاف، عندما يتعرض الوطن للانهيار الشامل ويتحكم بمفاصل حياته مجموعة من الفاسدين والمهربين واللصوص، عندها تصبح الهجرة ضرورية حتى نحمي أنفسنا وعائلاتنا وأطفالنا من الموت والقهر والحرمان. لم أعد أتمكن من شراء رغيف خبز لأطفالي، طردت من عملي منذ عام، بلد بدون كهرباء وبدون حياة، كيف يمكن لنا العيش فيه؟
لكنه الوطن، أجاب، طبعا وطن، لكن لم يعد باستطاعتي العيش فيه ولم يعد في مقدوري تأمين الحياة لأطفالي.
كثيرون هم الذين رفضوا الحديث والرد، لكن عيونهم كانت تروي حكايات الذل والقهر خلال الخروج اليومي من البيت بحثا عن وقود لسيارته أو علبة دواء أو رغيف خبز لعائلته. يحملون اليوم أمتعتهم مهاجرين حيث يجدون الاستقرار والأمن الاجتماعي والإنساني، هاجروا بعد أن عجزوا عن مواجهة حياة بلا كهرباء ولا دواء بل أصبحت ملوثة بالقهر والاذلال أمام محطات الوقود والأفران.
تقارير وإحصائيات محلية أكدت ارتفاع نسب المهاجرين من لبنان خلال العام الحالي 2021 إلى أرقام قياسية غير مسبوقة، لكونها تعد اليوم رغبة عارمة لدى العدد الأكبر من اللبنانيين، لاسيما الفئات الشابة، «في حين أن كافة العوامل المؤدية إلى الهجرة من أزمة اقتصادية واجتماعية وأمنية لا تزال واقعاً يتجه نحو الأسوأ في السنة المقبلة بحسب مؤشرات الوضع الحالي».
وتشرح التقارير أنه «في عام 2018 كان عدد المهاجرين 33 ألفاً، تضاعف العدد عام 2019 ليصبح 66 ألفاً، في حين لم يتم التأكد من الرقم النهائي للمهاجرين عام 2020 لكنه يقارب الـ 25 ألفا بحسب التقديرات، وهذا الانخفاض سببه إغلاق البلاد الأوروبية والركود الاقتصادي العالمي وعدم توفر الوظائف في الخارج. ولكن بعد تفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وحالة الاستعصاء السياسي والأمني التي تمر بها البلاد تشهد ارتفاعاً كبيراً لهذه الأرقام في العام 2021.
وتكشف عن أن 90 في المئة من اللبنانيين لديهم الرغبة في الهجرة والسفر، لكن القدرة قد لا تكون متوفرة لأن الهجرة مرتبطة أولا بمدى تسهيل الدول إعطاء التأشيرات، وثانيا توفر فرصة عمل في الخارج وثالثاً مدى إمكانية توافر الأموال اللازمة.
بدوره، يؤكد المحامي سلام عبد الصمد الخبير في شؤون الهجرة على «ازدياد نسبة طلبات الهجرة في مكتبنا المتخصص بشؤون الهجرة بشكل كبير جداً عن المرحلة السابقة لا سيما بعد تفاقم الأزمة الاقتصادية وانهيار الليرة اللبنانية وأزمة البطالة وما يحصل في البلد من أحداث سياسية».
ويلفت عبد الصمد إلى أن المؤسف بالموضوع أن طلبات الهجرة كانت محصورة بالمتخرجين الجدد، أما اليوم فهي من كل الفئات والأعمار من صغار، وكبار، نساء، ورجال، الجميع يريدون ترك البلد والعمل في الخارج بغض النظر عن المدخول لأننا نعاني من مشكلة اجتماعية في البلد.
وأشار عبد الصمد إلى أن كندا وأستراليا في الطليعة كدولتين تستقبلان المهاجرين، مؤكدا أن الدول لم تسهل إجراءات الهجرة لديها، السفارة الكندية لم تصدر بياناً عن فتحها باب الهجرة أمام اللبنانيين ولا السفارة الأسترالية، وشروط الهجرة لا تزال كما هي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية