الدوحة ـ«القدس العربي»: تسابق الدول الزمن لاستغلال الفرص الجديدة في أفغانستان بعد انتهاء الاحتلال ومغادرة آخر جندي أجنبي كابول، حيث وضعت بعضها فعلاً يدها على الثروات التي ترغب في الاستفادة منها.
في حين تجد أوروبا والولايات المتحدة نفسها رهينة مواقف متضاربة، تجعلها تبتعد أكثر عن كعكعة أفغانستان، وهي بحاجة حسب محللين لاتخاذ قرارات سريعة حيال التطورات التي تشهدها كابول، والفرص الاقتصادية المتاحة لها، والاختيار بين الجلوس ومشاهدة بقية الدول تتقاسم النفوذ والثروات الأفغانية، أو التحرك سريعاً واللحاق بالركب.
امتلاك أفغانستان ثروات طبيعية هامة، على غرار النحاس والرخام والأحجار الكريمة، ومعادن أخرى يمكن استغلالها لأغراض تكنولوجية، يجدد صراعات القوى، وتعود معها التحالفات القديمة والمتجددة.
وترى الباحثة مارغاريتا أريدونداس، في تقرير نشرته صحيفة «أتلايار» الإسبانية، إن الأرض الأفغانية تقبع تحتها موارد طبيعية ذات قيمة عالية جدا، مثل الحديد والنحاس والكروم والزنك والرصاص والرخام.
وكشف علماء الجيولوجيا، والعسكريين الأمريكيين في العام 2010 أن قيمة هذه الثروات الأفغانية يمكن أن تصل إلى تريليون دولار.
كما قدر تقرير حكومي أفغاني آخر صدر في العام 2017 أن قيمة الثروات المعدنية، بما فيها الطاقة الأحفورية، تصل إلى 3 تريليونات دولار. وفي 2010 قال الرئيس الأسبق حامد كرزاي «إن بلدنا يمكن أن يصبح أغنى إذا ساعدتمونا على استغلال الثروات».
موقع استراتيجي
تتمتع أفغانستان بميزة اقتصادية وجيوسياسية كبيرة، وهو ما سيجعل حركة طالبان بعد سيطرتها الثانية على السلطة في البلاد، محل اهتمام الدول التي تتطلع للاستثمار في هذا البلد.
الصين المعروف عنها تخطيطها الاستراتيجي لتتبع أي خيط يقودها لتحقيق المكاسب، تعد الدولة التي تصنع نصف البضائع الصناعية في العالم، فهي تعمل على تأجيج الطلب العالمي على هذه السلع.
ومن المرجح أن تقود بكين التي تعد حالياً أكبر مستثمر أجنبي في أفغانستان، السباق لمساعدة أفغانستان في بناء نظام تعدين فعال لتلبية احتياجاتها الكبيرة من المعادن.
وقال مايكل تانشوم زميل بارز في المعهد النمساوي للسياسة الأمنية الأوروبية، في تصريح صحافي، إن سيطرة طالبان على أفغانستان «تزامنت مع نشوب أزمة في المعروض من هذه المعادن في المستقبل المنظور فيما تحتاج الصين إلى هذه المعادن».
وأضاف «الصين بدأت تخطو خطواتها داخل أفغانستان من أجل تعدين هذه المعادن».
فشركة ميتالورجيكال الصينية التي تعد واحدة من أكبر شركات التعدين في آسيا، حصلت بالفعل على عقد انتفاع لمدة 30 عاماً لتعدين النحاس في مقاطعة لوغار القاحلة في أفغانستان.
الصين وطريق الحرير
سلط الإعلام الصيني الرسمي الضوء على الاستفادة التي يمكن أن تحققها أفغانستان من مبادرة الحزام والطريق الضخمة التي أطلقتها الصين، وهي مشروع ضخم مثير للجدل للتجارة والبنية التحتية، يربط آسيا بأوروبا من خلال سلسلة من الموانئ وخطوط السكك الحديدية والطرق.
وبكين تتعامل بحذر مع التطورات المستقبلية في جارتها الغربية، وتستبق المخاوف الإقليمية إذ قد تكون شبكة خطوط الأنابيب التي تزود الصين بالكثير من النفط والغاز، في دائرة الخطر في حال امتداد أعمال العنف إلى دول آسيا الوسطى الأخرى.
وتخشى الصين أيضاً، من أن تصبح أفغانستان ملجأ العناصر التي تصفها بكين بالمتشددة والانفصالية من أقلية الإيغور المسلمة، فضلاً عن قلق بكين من تقويض مصالحها الاقتصادية جراء استمرار العنف داخل أفغانستان.
وفي تعليقه على هذا الأمر، أوضح تانشوم – وهو أيضا زميل زائر في معهد الشرق الأوسط المعروف اختصارا بـ MEI – أن عمليات التعدين الخاصة بشركة ميتالورجيكال الصينية «قد عانت كثيرا جراء حالة عدم الاستقرار في أفغانستان بسبب القتال بين طالبان والحكومة الأفغانية السابقة».
وأضاف تانشوم «إذا استطاعت طالبان أن توفر للصين ظروف عمل مستقرة، ففي هذه الحالة يمكن أن تدر عمليات تعدين النحاس وحدها عائدات تقدر بعشرات المليارات من الدولارات، وهو الأمر الذي سيحفز تطوير عمليات التعدين الخاصة بالمعادن الأخرى في أفغانستان». ويعتبر الحديث عن هذه المليارات محفزا لحكام أفغانستان المقبلين، في بلد يوصف شعبه أنه الأفقر. ففي العام 2020 أكدت التقارير أن 90 في المئة من الشعب الأفغاني يعيشون تحت خط الفقر. وفي تقرير حديث صدر عن البنك الدولي، تم توصيف الاقتصاد الأفغاني بأنه «هش ويعتمد على المساعدات».
الهند تترقب وتتسلل
لا ترغب نيودلهي أن تبقى بعيدة عن زلزال التحولات التي تشهدها أفغانستان، خصوصاً وهي تراقب تحركات القوى المنافسة والمناوئة لها.
وأشار تقرير سابق لـ«فورين بوليسي» أن إخبارية هندية للمخابرات الأفغانية، قادت سابقاً إلى اعتقال مواطنين صينيين في كابول، نهاية العام الماضي، في عملية شملت ضبط كميات من الأسلحة والمخدرات، واتهامات لباكستان بالتورط.
ووفق التقرير، فإن ما حدث، وإن لم ينته بإدانة رعايا بكين، فإنه يظهر قوة نفوذ الاستخبارات الهندية في البلد المضطرب، من جهة، وخشية نيودلهي من منافسة صينية، من جهة ثانية.
وتنقل «ذا ديبلومات» عن عمر صمد، السفير الأفغاني السابق لدى فرنسا وكندا، قوله: «مع استثناءات قليلة، كانت أفغانستان تاريخياً نقطة ساخنة جيوسياسية للتنافس والتوتر بين القوى العالمية والإقليمية».
وأضاف: «اتخذت هذه الخصومات أشكالاً جديدة في الآونة الأخيرة، مما أدى إلى اشتداد الصراع الأفغاني وزيادة تعقيد البحث عن نتيجة سلمية».
باكستان نفوذ متجذر
باكستان هي الأخرى قد تشرع في الاستثمار في مناجم أفغانستان، خاصة أنها تقيم علاقات مع طالبان منذ العام 1996 وقد حافظت على العلاقات معها حتى بعد الغزو الأمريكي. وتعد أفغانستان حديقة خلفية لإسلام أباد، وهي استضافت على مدى سنوات ملايين اللاجئين، من بينهم قادة حركة طالبان. ولسنوات طويلة دعمت باكستان حركة طالبان، لأسباب قبلية وأيديولوجية وأمنية، رغم تحالفها مع الولايات المتحدة.
ومن المتوقع بحسب خبراء أن تستفيد باكستان من علاقاتها مع طالبان في ضمان تأمين طرق الحرير البرية عبر أفغانستان المتجهة إلى ميناء جوادر. بالإضافة إلى عدة موانئ أخرى قد يتم تفعيلها أكثر، مثل كيتي بنودر، وبورت قاسم، وكارتشي بورت.
أما في المسألة الكشميرية، فمن المتوقع أن تتلقى باكستان دعماً من حكومة طالبان، خاصة إذا تم اتخاذ خطوات في هذا الملف عن طريق باكستان وتركيا معاً. وحالياً تستفيد إسلام أباد من مرور الطائرات التجارية التي نجحت قطر في إعادة تشغيل مطار كابول، عبر أجوائها الإقليمية، وهو ما سيدر عليها مداخيل إضافية، تعزز من حضورها أكثر في خريطة النفوذ.
روسيا وطموح استعادة نفوذها
تتحرك روسيا لاستعادة نفوذها القديم في أفغانستان، وهي التي خاضت حرباً شرسة لعقد من الزمن، خرجت مهزومة بسبب المقاومة، وهي لم تنس بعد تلك الخسارة. وموسكو رغم تصنيفها لطالبان حركة إرهابية منذ العام 2003 نظمت محادثات بين الحركة والقوى المعارضة لها.
ونقل تحليل جديد، أن فلاديمير دزاباروف، نائب رئيس لجنة العلاقات الدولية في الكرملين، صرح أن بلده سينتظر قليلاً قبل الاعتراف بحكم طالبان، وإن كانت روسيا أعلنت أنها ستوفد سفراء لتمثيلها في مراسيم أداء حكومة طالبان اليمين. وقال «إذا رأينا أنهم يضمنون الأمن وتحسين حياة المواطنين عندها سيكون هناك تطبيع علاقات».
وكانت موسكو خلال فترة الاتحاد السوفييتي شرعت فعلياً في استخراج الكروم واليورانيوم وأحجار الزمرد والهيدروكربون. كما كانت تحصل على النفط الأفغاني خلال ستينيات القرن الماضي.
إيران عينها على الشيعة وبوصلتها حصتها من النفوذ
تقصر التحاليل الضيقة نفوذ إيران وحساباتها في أقلية الهزارة الشيعية، لكن التحليل الدقيق الذي يغوص عميقاً في ما بعد هذه الجزئية، يفهم أن إيران ترى أبعد من هذه الزاوية.
تدرك إيران جيداً أن الهزارة القريبين منها عقدياً كونهم من الشيعة في أمان، ولن يتعرضوا لمضايقات، وهو ما سمعته بشكل مباشر من طالبان وحتى بعض الوسطاء الذين شددوا على أن المرحلة المقبلة في أفغانستان لن تشهد توترات عقدية، بقدر ما تكون هناك منافسة على النفوذ.
لكن بحسب تقارير استخباراتية، فإن إيران تقتحم الملعب الأفغانستاني من بوابات أخرى، غير الهزارة، ولديها مصالح وحسابات واتصالات مع مكونات أفغانية عدة، تضمن من خلالها أن لا تجد نفسها على الهامش.
ويستدل الخبراء بالتصريحات الأخيرة الصادرة من طهران والتي هددت بعض الأطراف (القصد باكستان) بكونها تدعم طالبان لاستعادة ولاية بانشير في صراعها مع أحمد مسعود نجل الزعيم السياسي السابق شاه مسعود.
وتسرب إيران رسائل أنها لن تبقى مكتوفة الأيدي في حال وجدت منافسيها يقتحمون حديقتها الخلفية (أفغانستان) بشكل مباشر.
وترى إيران أنها تملك أوراقاً رابحة يمكنها من خلالها قلب الأوراق، وليس أقلها مقاتلون شيعة كانوا يتدربون في أراضيها، وهي حتى الآن تنأى عن السماح لهم بعبور الحدود الفاصلة بينها وبين أفغانستان.
حسابات تبعد الدول الغربية
وأمام هذا التسابق نحو الفرص الجديدة في أفغانستان، سيتوجب على أوروبا والولايات المتحدة، اتخاذ قرارات سريعة حيال التطورات التي تشهدها كابول، والفرص الاقتصادية المتاحة لها، والاختيار بين الجلوس ومشاهدة بقية الدول تقتسم كعكة الثروات الأفغانية، أو إقامة علاقات اقتصادية مع طالبان، مما سيعرضها للانتقاد الشعبي والغضب بشأن التزامها بحقوق الإنسان.
وحتى الآن تجد دول غربية نفسها أسيرة هذه المعادلة الصعبة، بين ادعاء رفض التعامل مع طالبان، على غرار التصريحات الأخيرة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المستفزة للحكام الجدد في أفغانستان، ورؤيتها أرقام الخسائر التي تحتسبها من تأخرها في اقتحام الصراع على ثروات البلد.
الرابحون والخاسرون
من عودة طالبان
يكشف خبراء الموقع التحليلي «أسباب» أن الانتصار المذهل لحركة طالبان يكشف أنها القوة الأساسية في البلاد، وأن الواقع الذي فرضته خلال الأسبوع الماضي، سيمثل مستقبل أفغانستان المنظور.
ومن الواضح أن الولايات المتحدة والقوى الغربية، لا ترفض بشكل مبدئي عودة طالبان للحكم، لكنّ موقفهم النهائي من حكم الحركة سيتشكل بناء على برنامج أعمال حكمها الداخلية.
ويشدد خبراء الموقع في تقريرهم الأخير، التأكيد أن صعود طالبان يخدم بصورة عامة، وبنسب متفاوتة، كلاً من الصين، وروسيا، وباكستان، وقطر، وتركيا. فيما يمثل تحدياً كبيرا لإيران، وخسارة مباشرة لكل من الإمارات والهند. ويشددون أنه من المبكر الجزم بأن خسائر هذه الأطراف ستكون طويلة الأمد، في ظل إمكانية أن تسعى وتحديداً طهران، ثم أبو ظبي، لإعادة تعريف علاقاتها مع طالبان، كي تتجنب خسائر إقليمية واسعة. لكن المحصلة العامة أن نفوذ الولايات المتحدة في المنطقة تعرض لهزيمة استراتيجية.
أما عن المستقبل فيرى «أسباب» في تقرير حصلت «القدس العربي» نسخة منه، أن قرار الانسحاب الأمريكي من أفغانستان تضمن إقراراً ضمنيا بقبول وجود طالبان كطرف رئيسي في حكم البلاد. ومن ثم فإن انتصار طالبان الساحق من حيث المبدأ لن يثير عداوة الغرب، خاصة بعد طريقة دخول طالبان كابول والتي تكشف عن نوع من التفاهمات التي جرت مع الولايات المتحدة. ومن ثم ستتشكل سياسة الغرب، خاصة الولايات المتحدة، تجاه حكم طالبان بناء على توجهات طالبان المقبلة المتعلقة بعدة قضايا، تتباين في أهميتها، مثل: مدى التزام طالبان بمنع استخدام أفغانستان كساحة للجماعات المسلحة، ومسألة تشكيل الحكومة المقبلة، والسياسة المحلية تجاه الأقليات والنساء ومسائل الحريات.
بالنسبة لطالبان، سيكون التحدي الأساسي هو الإدارة اليومية للفضاء المعقد في أفغانستان، والتأكيد على أفكارها القومية والإسلامية دون إثارة تهديدات فورية من القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا.
قطر الوسيط النزيه
ومما لا شك فيه أن دولة قطر تعتبر أبرز الفائزين من صعود طالبان. على مدار السنوات الماضية استطاعت الدوحة كسب ثقة طالبان أكثر من أي طرف خارجي، ووفرت ملاذاً سياسياً لقادة الحركة مكنهم من تحقيق أبرز نصر سياسي، ممثلاً في الاتفاق الموقع مع إدارة ترامب والذي مهد لمشهد الانتصار الحالي.
بجانب أي فرص اقتصادية محتملة لقطر في أفغانستان الجديدة، فإن مكسبها الأساسي يقع في الشرق الأوسط، حيث تعزز موقعها كقوة وساطة محترفة وموثوقة. ذلك أن قطر قد لا تحمل أجندة مصالح تتعلق بآسيا الوسطى مثلاً، لكنّ هذا التطور يعطي الدوحة مزيداً من السمعة السياسية كوسيط ناجح. خاصة بعد أن فشلت منصات أخرى كانت مرشحة للعب هذا الدور، وبعد أن رفضت طالبان نفسها مساعي أطراف أخرى أن تحل محل قطر، بينهم منافسون إقليميون مثل دولة الإمارات.
العلاقة بين طالبان وقطر ستكتسب أهمية إضافية حتى بعد انتصار الحركة، حيث ستلعب قطر دورا مهما في التقريب بين قادة الحركة وباقي الأطراف الأفغانية من خلال إنشاء هيئة مراقبة جديدة برعاية قطرية، معنية بالعملية الانتقالية وتشكيل الحكومة المقبلة.
وما كشفته الساعات التي تلت سيطرة طالبان على الحكم، وتحول الدوحة محجاً لقادة الدول ومسؤوليها، وتأكيدهم جميعاً على الدور المحوري الذي لعبته الدوحة، في تأمين إجلاء الرعايا الأجانب، والمتعاونين مع القوات الدولية، وبعض الأفغان الراغبين في ترك كابول، يعزز من موقعها، ويكرس حقيقة أن قطر هي الوسيط النزيه بين الأطراف، وراعي إحلال السلام الموثوق دولياً.