القاهرة ـ «القدس العربي»: بين واقع يراه المصريون معتما، يتضمن سجن آلاف النشطاء السياسيين وتكميم أفواه المعارضة، وملاحقة كل من يعبر عن رأيه حتى بمنشور على الفيسبوك، وانتشار ظاهرة الاختفاء القسري وارتفاع معدل أحكام الإعدام، وإطلاق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، التي يمتد الأفق الزمني لتنفيذها حتى منتصف عام 2026، يتطلع المصريون إلى انفتاح قد يشهده ملف حقوق الإنسان، خصوصا وقد باتت القاهرة، في مرمى انتقادات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية.
سياسيون مصريون ونشطاء سياسيون، اعتبروا أن الحديث عن الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان في ظل استمرار سجن أصحاب الرأي لا يعطي مؤشرا جيدا على وجود رغبة حقيقية لدى النظام لتحقيق انفراجة في هذا الملف، وأن الأمر لا يعدو محاولة لتجميل وجه النظام السياسي.
حمدين صباحي، المرشح الرئاسي السابق، كتب على صفحته على «فيسبوك»: «أي حديث عن حقوق الانسان دون إفراج فوري عن سجناء الرأي، هو محض لغو فارغ وادعاء كاذب لا يستطيع أن يجمل قبح الاستبداد ولا يصدقه إلا الغافلون». بينما سخر جمال عيد، مدير الشبكة المصرية لحقوق الإنسان، من إطلاق الاستراتيجية، فيما تعج السجون بأصحاب الرأي.
وكتب على صفحته على فيسبوك: «الحطابون في الجبال النائية والفلاحون في الحقول والعجائز حول نار المدفأة، وسجناء الرأي في سجن العقرب، والمحبوسون خارج القانون في أقبية أمن الدولة، ومن طال انتظارهم من أجل إنصاف النائب العام، والصحافيون المحرومون من العمل، وعمال الحديد والصلب الراغبون في العمل، وضحايا جريمة فيرمونت، والمغتربون بحثا عن أمان مفتقد، والمحرمون من السفر لسنوات عديدة، والمدافعون عن حقوق الإنسان المهددة حياتهم، يؤيدون الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان».
في السياق، أعادت منظمات حقوقية، نشر قائمة بسبعة إجراءات ضرورية ومحددة وعاجلة من أجل وقف التدهور غير المسبوق الذي تشهده مصر في أوضاع حقوق الإنسان على مدى الأعوام الماضية، التي سبق وطالبت بها قبل أشهر.
وتضمنت المطالب، الإفراج عن السجناء السياسيين المحبوسين احتياطيًا أو المحكوم عليهم من جميع التيارات السياسية بالآلاف بسبب نشاطهم السلمي، وإنهاء الحبس الاحتياطي المطول ومفتوح المدة ووقف «تدوير» السجناء السياسيين كمتهمين في عدة قضايا لإبقائهم في السجون، ورفع حالة الطوارئ المفروضة منذ 2017 بالمخالفة للدستور والمستخدمة في تعطيل الحريات الأساسية وحقوق المحاكمة العادلة، وتأجيل تنفيذ جميع أحكام الإعدام الصادرة في قضايا جنائية أو سياسية وعرضها على لجنة مختصة للعفو الرئاسي قبل تنفيذها، وإنهاء الملاحقة الجنائية للمدافعين عن حقوق الإنسان وإغلاق القضية 173 لسنة 2011 ضد منظمات المجتمع المدني، وسحب مشروع قانون الأحوال الشخصية وإطلاق حوار مجتمعي بشأن قانون عادل للأسرة يكفل الحقوق المتساوية للنساء، ورفع الحجب عن مواقع الإنترنت والصحف الرقمية والتي تجاوز عددها 600 موقع محجوب بالمخالفة للقانون وبدون حكم قضائي.
ثورة يناير
وكان السيسي، قد أثار جدلا واسعا خلال كلمته في إطلاق الاستراتيجية أمس الأول، عندما قال، إن أحداث 2011 كانت «إعلان شهادة وفاة الدولة المصرية» في إشارة إلى «ثورة 25 يناير/كانون الثاني» التي أطاحت، بحكم الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك.
وخاطب الرئيس المصري، الإعلاميين شريف عامر وإبراهيم عيسى، اللذين كان يديران الجلسة، قائلا: «أستطيع الاستشهاد باثنين كانا موجودين في أول لقاء بعد أحداث 2011 الأستاذ شريف والأستاذ إبراهيم عيسى والتقينا مع بعض، وقلت إن الدولة المصرية لديها تحديات كثيرة، اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية ودينية وإعلامية».
وأضاف: «في تقديري ثورة يناير/ كانون الثاني 2011 كانت إعلان لشهادة وفاة الدولة المصرية».
كلمات السيسي دفعت نشطاء سياسيين إلى الدفاع عن ثورة يناير، والتأكيد على أن المصريين خرجوا لمواجهة الاستبداد.
صباحي أكد أنها لن تجمّل «قبح الاستبداد»
علاء الخيام، رئيس حزب الدستور، كتب على صفحته على فيسبوك: «ثورة يناير قامت ضد فساد واستبداد، قامت من أجل العيش والحرية والعدل والكرامة الإنسانية. هي الأجمل والأنبل والأعظم، وسوف يتذكرها التاريخ دائما بحروف من نور. تحية لكل من شارك وآمن بها. تحية إعزاز وتقدير لروح كل شهداء الثورة». أما شادي الغزالي حرب، الناشط السياسي كتب على صفحته على فيسبوك: «ثورة يناير هي شهادة ميلاد أحرار مصر، في جيلنا وكل الأجيال المقبلة».
«مراعاة الثوابت»
وخلال حلقة نقاشية بعنوان «حقوق الإنسان… الحاضر والمستقبل» ضمن فعاليات إطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، بين، المستشار عمر مروان، وزير العدل المصري، أن «الدولة تحترم وتكفل وتعزز وتحمي حقوق الإنسان بمراعاة القيم والثوابت والهوية المصرية، كما ترى أن حقوق الإنسان شاملة ومتساوية في كافة مجالاتها المتعارف عليها المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتهتم بالتواصل والتعاون مع المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية، في إطار من الموضوعية وعدم الازدواجية، ما يعد أهم ملامح رؤية استراتيجية حقوق الإنسان».
وأضاف، أن «الدولة كانت تبنى منظومة متكاملة لحقوق الإنسان خلال الفترة الماضية قوامها الرؤية» مشيرا إلى أن «إطلاق الاستراتيجية يعد حدثا غير مسبوق في الدولة المصرية».
وعن البنية التشريعية، أكد وزير العدل أن «الدستور المصري يكفل حقوق الإنسان في مصر بصفة عامة، لكن هناك حاجة إلى تشريعات تبين بصفة تفصيلية كيفية ممارسة هذه الحقوق».
وحسب مسودة الاستراتيجية، فإنها قد «أُسست على رؤية تهدف إلى النهوض بكل حقوق الإنسان في مصر».
واستند واضعوها على 3 مرتكزات، تمثلت في «الضمانات الدستورية في مجال حماية وتعزيز واحترام حقوق الإنسان باعتبار أن الدستور يكفل حماية مبادئ حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، ويؤكد أن النظام السياسي يقوم على ترسيخ قيم المواطنة، والعدالة، والمساواة في الحقوق والواجبات دون أي تمييز؛ وأن التكافؤ في الفرص هو أساس بناء المجتمع». أما المرتكز الثاني، فتمثل في «الالتزامات الدولية والإقليمية لمصر في مجال حقوق الإنسان» وقد تمثل المرتكز الثالث، «في استراتيجية التنمية المستدامة: رؤية مصر2030. التي تسعى إلى تحقيق التنمية الشاملة من خلال بناء مجتمع عادل يتميز بالمساواة والتوزيع العادل لفوائد التنمية، وتحقيق أعلى درجات الاندماج المجتمعي لكل الفئات، وتعزيز مبادئ الحوكمة».
محاور أربعة
حددت الاستراتيجية محاورها الأربعة في: الحقوق المدنية والسياسية ـ الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ـ حقوق الإنسان للمرأة والطفل وذوي الإعاقة والشباب وكبار السن ـ التثقيف وبناء القدرات في مجال حقوق الإنسان.
الحقوق المدنية والسياسية.
وتناول هذا المحور ثمانية حقوق وهي، الحق في الحياة والسلامة الجسدية، والحق في الحرية الشخصية، والحق في التقاضي، ومعاملة السجناء وغيرهم من المحتجزين، وحرية التعبير، وحرية التجمع السلمي، وحرية التنظيم، وحرية الدين والمعتقد، والحق في الخصوصية.
وفيما يتعلق بالحق في الحرية الشخصية: نصت الاستراتيجية أن «في هذه الجزئية تناولت الوثيقة المواد الدستورية والقانونية المختلفة التي تؤكد أن الحرية الشخصية حق طبيعي وهي مصونة لا تمس، وغيرها من المواد المماثلة في هذا الصدد».
الحبس الاحتياطي
والحبس الاحتياطي، جاء على رأس التحديات في هذا الشأن، إذ قالت الاستراتيجية إن «هناك حاجة إلى وضع الإطار اللازم لضوابط ومبررات ومدد الحبس الاحتياطي الواردة في القوانين الوطنية. وعدم تضمين قانون الإجراءات الجنائية بدائل متطورة تكنولوجيًا للحبس الاحتياطي. والحاجة إلى وضع نظام قانوني مغاير لمبررات الحبس الاحتياطي إذا كان المتهم طفلا جاوز خمسة عشر عامًا بما يشدد من الشروط الواجب توافرها للحبس. وتعميم مشروع النظر عن بعد في أوامر الحبس الاحتياطي الذي يتيح للقاضي الاتصال مباشرة بالمتهم المحبوس احتياطيًا بحضور محاميه، عبر دائرة تليفزيونية مغلقة ومؤمنة، بما يمكن المتهم من إبداء كل أوجه دفاعه عند النظر في أمر إخلاء سبيله أو استمرار حبسه، دون الانتقال إلى المحكمة».
وفي مارس/ آذار الماضي، أصدرت 31 دولة بينها الولايات المتحدة، بيانا تدعو فيه مصر، إلى رفع القيود عن الحريات والتوقف عن «اللجوء إلى قوانين مكافحة الإرهاب لتكميم أفواه المعارضين والمدافعين عن حقوق الإنسان والصحافيين وإبقاء المنتقدين في الحبس الاحتياطي إلى أجل غير مسمى».
وتقدر «الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان» أعداد السجناء والمحتجزين بنحو 120 ألف سجين ومحبوس احتياطي ومحتجز، فيما تقول منظمات أخرى إن في مصر 60 ألف محتجز، وهي التقارير التي لا تعترف بها الحكومة المصرية وتؤكد أنه لا يوجد معتقلون سياسيون في السجون.
وبخصوص حرية التعبير، فقد اعترفت الدولة بعدم وجود إطار قانوني ينظم الحصول على المعلومات والبيانات والإحصاءات الرسمية وتداولها، بالرغم من كونه أحد الحقوق الدستورية، وبالتالي فإن من النتائج المستهدفة إصدار قانون لتنظيم حق الحصول على المعلومات والبيانات والإحصاءات الرسمية وتداولها.
وفي الحق في الخصوصية، أقرت الاستراتيجية، بالحاجة إلى تعديل قانون الإجراءات الجنائية بما يضمن إنفاذ الالتزام الدستوري بحماية حرمة الحياة الخاصة للمجني عليهم والشهود والمتهمين والمبلغين، في ظل عدم صدور قانون لحماية بياناتهم بما قد يعد انتهاكًا لحرمة الحياة الخاصة.
واستعرضت الوثيقة الحقوق المتعلقة بالصحة والتعليم والتثقيف والعمل وحقوق الطفل وذوي الإعاقة والشباب وكبار السن مبرزة جهود الدولة في هذا الإطار والسعي لتعزيزه بشكل أكبر.