القاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من كمال القاضي: اقترن فن الأفيش السينمائي بفن السينما نفسه وارتبط رواجه ارتباطاً شرطياً به، ومن ثم تكونت إمبراطورية عُرفت بإمبراطورية صناعة الأفيش، حيث كان لها في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات ‘اسطوات’ وفنانون ورواد بدأ نشاطهم مع بداية اكتشاف السينما قبل مئة عام، وذاع صيتهم مع رواج الحركة السينمائية ونهضتها وزادت شهرتهم في المراحل المشار إليها. ومن الأسماء اللامعة في هذا المجال الفنان حسن جاسور، وهو أحد أبرز هؤلاء، إذ انفرد لسنوات طويلة بالنجومية وتخرج في مدرسته تلاميذ امتهنوا نفس مهنته، وصار رسم الأفيشات غايتهم وهوايتهم ومصدر رزقهم الوحيد، وقد نقلوا بدورهم سر الصنعة الى أبنائهم فتخصصوا في الألوان والخطوط وبرعوا في نحت الشخصيات على الورق والقماش، ولم ينافس جاسور في المجال الفني الدقيق والصناعة الذهبية سوى الفنان محمود خليل، الذي تعلم على يد ‘الخواجات’ واكتسب خبراتهم وانتقل معهم الى بلادهم، وهو بالطبع شخص آخر غير الفنان التشكيلي المعروف محمود خليل صاحب المتحف الشهير، ولكنه لا يقل أهمية عنه في الوسط السينمائي والمهني، فالقاصي والداني يعرفه ويعرف قدره كفنان متخصص واسطى كبير.
كانت المنافسة منحصرة بين هذين الفنانين قبل صعود الأجيال الشابة التي حولت الفن الخاص جدا من صناعة يدوية تعتمد على الموهبة والذكاء والألمعية الى فعل تكنولوجي عار من أي جمال أو ابتكار، اللهم غير القدرة على استخدام تقنيات الجرافيك والحيل الالكترونية، التي حولت الفن الحي إلى مجرد أشكال صامتة تشبه التماثيل فنزعت منه أهم ما فيه، روحه وما يوحي به من إحساس، فيد الفنان كانت تضع لمسات إضافية على الصورة وتجسد باقتدار مواطن الإثارة والتأثير بما يحقق أهم شروط الدعاية للفيلم المعروض بدور السينما، لذا فإن العملية الابتكارية كانت تمر بمراحل عديدة حتى ينتهي العمل تماما ويصبح الشكل الدعائي لاحقاً بالمنتج الفني، وكثيرا ما تم تغيير الافيشات لمطالب خاصة بالمخرجين والنجوم، فالمخرج والأبطال والمنتج شركاء أساسيون في الصناعة، ومن واجب الرسام الماهر أن يلبي طلباتهم بالتوافق مع رؤيته الخاصة واحتياجات السوق، وعليه أن يستخدم الخامات المناسبة لتساعده على إبراز مؤثرات الصورة السينمائية الفوتوغرافية المنقول عنها الافيش، ومما يذكر عن أهم الأفيشات التي ساهمت في رفع إيرادات الشباك بشكل ملحوظ صورة أحمد مظهر بملابس القتال في فيلم ‘الناصر صلاح الدين’، وأيضاً الصورة الطولية لسميرة أحمد على واجهة سينما ميامي في فيلم ‘الشيماء’، ومثلهما كان الأفيش الأكثر إثارة لنجمة الإغراء الأولى في مصر هند رستم في فيلم ‘الجسد’، حيث طلب المخرج حسن الإمام إعادة تصميمه عدة مرات ليصل الى التأثير المطلوب، وكان له حينئذ ما أراد فقد قفزت الإيرادات بشكل غير مسبوق وأقيمت دعوى قضائية ضد المنتج وضده ولكنها انتهت لصالحه.
ولفناني الدعاية وجهة نظر في الشخصيات والوجوه وأصحاب الكاريزما الفنية فهم يفضلون بعضها على بعض فيقال مثلا إن وجه عبدالحليم حافظ كان الأسهل في التعبير لكونه يحتوي على تفاصيل وتساهم عيناه الغائرتان في تأكيد معاني الشجن والرومانسية، فأفلامه وصوره حملت دائماً هذا الطابع ولم يكن صعباً استخدامها في الترويج لأعماله، كما أن فريد شوقي تميزت ملامحه الغليظة بإظهار نوازع الشجاعة والبطولة، لذا تم التركيز على هذه السمات في أفلامه الخاصة بتجسيد اسطورة عنتر بن شداد، مما جعل الفنان الكبير شادي عبدالسلام مصمم ملابس الشخصية ينبهر بالتأثيرات الضخمة للدعاية، كذلك كان فريد شوقي بطلا مطلقا على أفيشات أفلام مثل ‘رصيف نمرة 5’، ‘باب الحديد’، ‘أبو ربيع’ لكونه فنانا شعبياً له رصيد وفير من الجماهيرية وتربع على العرش قرابة 40 عاما حتى لقب عن جدارة بملك الترسو، ومما هو ثابت ان صورته بملابس البحرية في الفيلم المذكور ‘رصيف نمرة 5” كانت الأكبر حجماً في تاريخ صناعة الأفيشات والأكثر تكلفة.
بعد هذه المراحل من عصر السينما المصرية الماسي، وبالتحديد بعد الدخول الى الألفية الثانية أخذت الدعاية كصناعة وفن منحى جديدا ومختلفا، إذ تراجع الرسم اليدوي بشكل لافت وبقي الاعتماد على العناصر الالكترونية هو الأساس، فاختفت الفوارق الفنية بين فنان وآخر إلا في حدود ضئيلة جداً تتوقف على مدى تمكن المصمم من أدواته وارتباطه المهني بالتقنيات الحديثة، الأمر الذي أدى الى التشابه والتكرار وتحويل الفن الريادي الى نمط ثابت، كما أدت ظاهرة اختفاء أسماء النجوم والممثلين المساعدين الى شعور بالفتور تجاه الشكل العام الذي كان قبل ذلك مثار اهتمام البطل والبطلة لإحساسهما بجاذبية الاسم والصورة.
أما بعد نشوب الخلافات وتعدد النزاعات وسجالات الاتهام بين الأبطال والبطلات، جاءت عملية انتفاء الأسماء جميعها من رقعة الأفيش كحل سحري لإرضاء جميع الأطراف بالاختيار السلبي لمواجهة المشكلة المزمنة التي باتت تتكرر مع كل موسم وبين كل النجوم، وربما المعروض حالياً من أفلام يؤكد ذلك، حيث تخلو اللوحات أو ما يطلق عليه مجددا ‘البندات’ من أية أسماء ويتم الاكتفاء بصورة أو صورتين على واجهة دار العرض للبطلين الرئيسيين، وفي أحيان كثيرة لبطل واحد كما هو الحال في أفلام محمد سعد وبعض أفلام عادل إمام.
ويرى الكثير من الموزعين في هذا التصرف عائقاً أمام نجاح الفيلم جماهيرياً لتعود الجمهور خارجياً وداخلياً على حرية الاختيار والمفاضلة بين من يرغب في مشاهدتهم، لكون اعتبار الأفيش ‘كتالوج’ مفسرا للوهلة الأولى وعنصر جذب ضروريا مفترضا فيه أن يكون مرآة عاكسة لصور وأسماء كل شخصيات الفيلم، فهو شأنه شأن كافة السلع التجارية يتأثر بأساليب الدعاية والترويج فينجح أو يخفق تبعاً للشطارة والفهم. وليس صحيحاً أن صورة البطل وحدها تكفي، لا سيما في ظل غرابة الأفكار والتصميمات، فكم من أفلام جيدة ظلمتها حداثة الدعاية المفرطة، وعلى العكس حققت أفلام كثيرة أرقاماً فلكية من الملايين نتيجة التأثير الايجابي لعناصر التكوين في الأفيش، بينما التكوين الفني صفر، وهي ذاتها نظرية ‘وش القفص’ التي يطبقها تجار الفاكهة والخضار.
ت