“شو؟” سأل أحد مستشاري رئيس الوزراء بينيت بعد أن انتهت ثلاث ساعات مع الرئيس المصري السياسي. “عشرين من عشرة”، أجاب بينيت. أعرف أن هذا يبدو جيداً أكثر مما ينبغي، صدى لحماسة زائدة تملكت بينيت بين الحين والأخر عندما كان وزيراً ونائباً. في الشرق الأوسط من الأفضل إبداء التشكك والتعاطي مع العناقات من جانب زعماء أجانب مثلما تعاطى رابين، لا مثلما تعاطى بيرس. ولكن وفقاً للاستخلاصات في الجانب الإسرائيلي على الأقل، كان اللقاء في شرم الشيخ ناجحاً للغاية، في جانب المظهر الجوهر على حد سواء.
كان صعباً على الحكام العرب التقاط الصور مع نتنياهو: سنوات من الشيطنة جعلت كل لقاء معه مشكلة في الساحة الداخلية. أما بينيت فغير سامّ. هذه هي ميزة ساكن الحارة الجديد: لا توجد رواسب.
فما بالك أن السيسي بحاجة لإسرائيل؟ المساعدة الاقتصادية الأمريكية لمصر تبلغ 1.3 مليار دولار في السنة. وقد تقررت قبل سنين، بفضل مؤيدي إسرائيل في الكونغرس. طلب اليسار في الحزب الديمقراطي تقليص المساعدة كعقاب على المس بحقوق الإنسان في مصر. ويتوقع السيسي أن تمارس إسرائيل نفوذها كي تمنع التقليص. استجاب بينيت: ثمة تقدير بأن يكون هناك تقليص، ولكنه لن يزيد عن 130 مليون دولار. لماذا تكتفون بالعصيّ فقط، قال إسرائيليون لنظرائهم في واشنطن: أعطوهم الجزر. طلبوا – وعلى ما يبدو أجيبوا – أن ترحب وزارة الخارجية الأمريكية بالبيان العلني عن جهود السلام التي يبذلها السيسي، وربما أيضاً في مكالمة هاتفية من وزير الخارجية إلى وزير الخارجية.
السيسي بحاجة لمعونة بينيت في شمال سيناء أيضاً، وفي الحرب التي يخوضها الجيش المصري ضد القبائل البدوية التي ارتبطت بـ”داعش”. الوضع هناك تحسن في الأشهر الأخيرة، ولكن لا حسم. السياحة مهمة جداً له: فقد طلب إعادة السياح الإسرائيليين إلى سيناء والقاهرة، وإلى مصر العليا. كورونا والعمليات فعلت فعلها بالسياحة وبالفرع الاقتصادي الرئيس لمصر. في التجارة أيضاً كان هناك ما يمكن تحسينه: فهي تصل اليوم إلى أقل من 300 مليون دولار في السنة، مقابل تجارة إسرائيلية لأكثر من مليار مع الإمارات بعد سنة واحدة من التطبيع.
هذه أمور مهمة جداً للسيسي، وهو مستعد لدفع الثمن المطلوب: أن يستقبل رئيس وزراء إسرائيل وفقاً لكل قواعد الطقوس الدبلوماسية، وإبداء الحميمية الشخصية (بعد اللقاء الشخصي ولقاءات الطواقم طلب من بينيت أن يبقى لوليمة العشاء) – وبالأساس، من ناحية بينيت، دحر المسألة الفلسطينية إلى الهوامش، إلى الجانب الاقتصادي أساساً.
وسائل الإعلام المصرية منصتة الآن بتعليمات الحكم حتى أكثر مما كانت في عهد مبارك. فقد أعطت بينيت كل الاحترام الذي أمروها بإعطائه. ولبينيت ما طلبه: قبل كل شيء، وقف التهريب لحماس عبر رفح. قام المصريون في الأسابيع الأخيرة بعدة أعمال ناجحة ضد الأنفاق في ما كان ذات مرة محور فيلادلفيا. وهم يشاركون في الجهد الإسرائيلي لتهدئة قطاع غزة: فليس لبينيت ولحكومته ما يكسبونه في جولة أخرى في القطاع.
يدل الاستقبال المصري على سلم الأولويات المتغير في الدول السنية: الاقتصاد يقف على رأس جدول الأعمال، وبعده الأمن وبقاء النظام. والمحادثون ليسوا رهائن للقضية الفلسطينية. ولكن هذا يدل في شيء ما أيضاً على سلم الأولويات المتغير لدى بينيت: فهو منفتح على عالم شرق أوسطي مركب، ليس فيه حقيقة مطلقة أو عدل مطلق. وليس فيه حتى انتصارت مطلقة. ما يراه من هناك، لم يره من هنا.
حتى ساعة كتابة هذا المقال، لم يقبض بعد على المخربين الفارين الآخرين من سجن جلبوع. وثمة تقدير بأن أحدهما نجح في الوصول إلى الضفة، والآخر وجد مخبأ له داخل الخط الأخضر. أملت أذرع الأمن في الوصول إليه. لقد فصل الفارون بين الخروج من السجن الذي كرّسوا له أشهراً من التخطيط والعمل وبين تواصل فرارهم خارج السجن، الأمر الذي تركوه للقضاء. هم ليسوا أغبياء: سلوكهم يدل على أنهم خافوا من أن تؤدي كل محاولة من جانبهم للاتصال بجهة ما في الضفة أن توقعهم في شبكة “الشاباك” إما بسبب قدرات الشاباك التكنولوجية أم بسبب شبكته الاستخبارية. كما أن هذا يدل على شيء آخر: لم يكن لهم في الوسط العربي داخل إسرائيل من يساعدهم. الجهاد الإسلامي لم يضرب جذوراً في أوساط العرب داخل إسرائيل.
من المطلوب أثناء تحليل أعمال أذرع الأمن الفصل بين القصة داخل السجن والقصة خارجه. فما جرى في السجن يعد عن حق إهانة. قد يكون القصور الاستخباري أخطره جميعاً: ثمة سجناء عرفوا عن الهروب من خارج غرفة الهاربين. لكن شعبة الاستخبارات في مصلحة السجون لم تعرف. أما القول المطروح الآن بأن ذلم حصل جراء الضائقة المالية فهو مثير للحفيظة: فمصلحة السجون تمتعت بميزانيات سخية في السنوات الأخيرة. ولكنها لم توزعها على نحو صحيح.
مصلحة السجون هي المسؤولة عن الاستخبارات في السجون، وليس الشاباك؛ والادعاء الذي طرحته الأسبوع الماضي ضد الشباك لم يكن مبرراً. عقب النجاح في العثور على معظم الفارين، كررت شخصيات في الوسط العربي طلبها إشراك الشاباك في الكفاح ضد الجريمة في الوسط العربي. رئيس الشاباك المنصرف نداف ارغمان، كان يعارض الطلب بشدة لاعتبارين: الأول، الخوف من كشف القدرات؛ والثاني -وهو الأهم- الخطر الكامن في إدخال الجهاز السري إلى مجالات ليست له.
المقطع الوحيد الذي يربط الشاباك بالجريمة في الوسط العربي يعود إلى الدروس من الاضطرابات في أثناء حملة “حارس الأسوار”: كان هناك انزلاق من المجال الجنائي إلى المجال القومي في ذروة الاضطرابات، جنود عائلات الجريمة أحرقوا الكنس والمباني وكانوا مشاركين في أعمال الفتك. والتقدير هو أن نحو 6 آلاف عربي كانوا مشاركين في موجة العنف إياها. هذا عدد كبير بل ومهدد، ولكن ينبغي أن نتذكر بأنه جزء من سكان يصل عددهم إلى مليون ونصف نسمة.
ما العمل بقطر
الخبراء في شؤون يحيى السنوار يعزون له ميزتين مثيرتين للاهتمام: الأولى، إدمانه على الإعلام الإسرائيلي؛ فهو يبدأ صباحه بقراءة كل كلمة تنشر في الصحف والمواقع، وربما في الشبكات أيضاً. والأخرى أنه متهور. هذا الخليط من العادة والطبيعة قد يكون فتاكاً، مثلما في ذاك اليوم من أيار الذي تابع فيه السنوار التقارير التي نشرتها وسائل الإعلام عن الاضطرابات في الشيخ جراح وفي الحرم، فقرر بالمشاركة في الاحتفال.
هذا الأسبوع علم أنه هناك تصعيداً في العمليات داخل الضفة والقدس. فرار السجناء من سجن جلبوع فعل فعله: شاب خليلي طعن شابين من مدرسة دينية في القدس؛ شاب من الضفة حاول مهاجمة جنود في “غوش عصيون”؛ مظاهرات في مخيم اللاجئين في جنين وفي نقاط الاحتكاك العادية على طول الضفة. تصعيد، قالت العناوين. وقال الجيش الإسرائيلي، لحظة… إنها عمليات مزاج، ليس تصعيداً، ولكن السنوار يتأثر بالعناوين الرئيسة. مثل السياسيين في الجانب الإسرائيلي من الحدود، هو أيضاً ملزم بأن يكون هناك، في صفحات الأخبار.
أطلق صاروخاً وصاروخاً آخر، فجر عبوة، أطلق النار من سلاح أوتوماتيكي. ترك الشبان يقومون بالإرباك الليلي كي يشوشوا نوم أعضاء الكيبوتسات. تمركز منتجو الضجيج على مسافة آمنة من الجدار – شيء ما مثل 150 متراً. ولكن الضجيج كان كبيراً، ووجد طريقه إلى الإعلام. الحرب في غلاف غزة حرب أعصاب.
قطر، إمارة النفط على شاطئ الخليج الفارسي، هي الأخرى تدخل هذه القصة. دولة صغيرة، ولكن تطلعاتها كبيرة؛ فهي تستضيف قاعدة عسكرية أمريكية كبرى، ولكنها تمول جزءاً من ميزانيات الحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس. استثمرت في المساعدة الإنسانية الحيوية لضحايا سيطرة طالبان في أفغانستان، ووافقت على استقبال جزء من الفارين في أراضيها. وهي تعيل قناة “الجزيرة” التلفزيونية التي تؤدي دوراً مهماً في تشجيع الإرهاب في إسرائيل، وفي التحريض على الأنظمة في العالم العربي. وهي تضم، بتشجيع من إسرائيل، أموالاً إلى غزة. كل ما تطلبه، بالمقابل، هو أن تشكرها إسرائيل، وأن تشكرها الولايات المتحدة. وهما تشكران: وزارة الخارجية الأمريكية خرجت عن طورها في بيانات الشكر لقطر في أثناء إخلاء القوات الأمريكية من أفغانستان. وزير الدفاع غانتس شكر قطر على مساهمتها في رفاه غزة.
كان بود حكومة إسرائيل أن تحقق التهدئة في غزة دون أن تتردد في بيانات الشكر لأصحاب الجزيرة. من يفشل ترتيب ضخ الأموال القطرية إلى غزة ليست قطر، إنما تنبع صعوبة ذلك من رفض البنوك في الضفة تحويل الرواتب إلى المعلمين والموظفين في غزة ، بدعوى –قد يكون عذراً– أن تتهم بمساعدة الإرهاب.
ما العمل بقطر، سألت شخصية أمنية، فأجاب: “قطر جزء من ثقافة القبيلة. يدها اليوم تصافحك، وغداً تغرس فيك سكيناً. إذا طلبوا مني إرسال كتاب شكر لقطر، فسأكتبه دون تردد رغم أني أعرف أنهم يحولون المال للحرس الثوري. هذا هو الشرق الأوسط”.
بقلم: ناحوم برنياع
يديعوت أحرونوت 17/9/2021