سر العلاقة الغريبة بين حكومات بغداد وطهران

مصطفى العبيدي
حجم الخط
0

أحيت زيارة الكاظمي إلى إيران تساؤلات لدى العراقيين عن مغزى ان تقدم حكومات بغداد ما بعد 2003 كل الخدمات لإيران لدرجة تفضيل مصالحها على المصلحة العراقية أحيانا.

بغداد-»القدس العربي»: حظيت زيارة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي إلى إيران باهتمام كبير من العراقيين والمراقبين، وأعادت تقييم العلاقة الغريبة بين الحكومات العراقية ما بعد 2003 وبين النظام الإيراني وتحديد الرابح والخاسر فيها، وآفاقها المستقبلية.
وكانت العديد من القرارات والإشارات المنبثقة عن الزيارة، قد حظيت بالرصد والمتابعة، منها قرار إلغاء تأشيرة دخول الإيرانيين إلى العراق، بما فيه من خسائر اقتصادية كبيرة للعراق إضافة إلى التبعات الصحية، علما بأن الكاظمي قام قبل يوم من الزيارة، بمضاعفة عدد الزائرين الإيرانيين بمناسبة أربعينية الحسين هذه الأيام، رغم التحذيرات من كون إيران بؤرة لجائحة كورونا ما يزيد من تدهور الوضع الصحي للعراق الذي يعد في مقدمة الدول العربية بعدد الإصابات والوفيات بهذا المرض. فيما تم الاتفاق على تفعيل اتفاقيات أبرزها مشروع مد خطوط السكك الحديدية بين البلدين، التي يرى خبراء انه سيلحق الضرر بموانئ واقتصاد العراق ولكنه يخدم تقوية روابط إيران بحلفائها في سوريا ولبنان، كما تم الاتفاق على تسهيلات مالية وتسديد ديون العراق لإيران والالتفاف على العقوبات الأمريكية التي تعيقها.
وجاءت هذه القرارات السريعة إضافة إلى أخرى غير معلنة، لتؤكد ان الحكومة الإيرانية الجديدة عازمة على استثمار نفوذها في العراق إلى أقصى مدى، لفك ضائقتها الاقتصادية وتحقيق إنجازات تخدمها. وهو ما أكده رئيسها إبراهيم رئيسي، في مؤتمر صحافي مشترك مع الكاظمي، عندما شدد على «تعزيز العلاقات في كل المجالات والتنسيق في القضايا الإقليمية ورفض أي تدخل أجنبي في المنطقة» بما يسهم في فك طوق العزلة الدولية عن إيران.
وبعيدا عن البروتوكولات الرسمية لزيارة الوفد العراقي، فقد كشف مسؤولون إيرانيون، بعض الجوانب من أسرار تلك الزيارة، حيث أكد رئيس مفوضية الأمن القومي والسياسة الخارجية الإيرانية وحيد جلال زاده ان الكاظمي صرح بأن حكومته تسعى لتنفيذ جميع المشاريع السياسية والاقتصادية والأمنية بين إيران والعراق، وانه يسعى لـ «كسب ثقة ورضا إيران».
ولأن الكاظمي يدرك جيدا ان إيران وعبر حلفاءها الأقوياء في العراق، هي المحرك الرئيسي والفاعل والأساسي في الانتخابات وتشكيل الحكومة المقبلة، فإن التسريبات انتشرت بين العراقيين، بان الكاظمي سعى خلال الزيارة، لاستحصال دعم إيراني لمنحه ولاية ثانية، مقابل تنازلات كبيرة قدمها أو تعهد بها.
وللتعبير من مخاوف العراقيين من خفايا زيارة الكاظمي لطهران، وجه العديد من السياسيين، رسائل لحث الكاظمي على طرح المشاكل المزمنة بين البلدين وعدم الاكتفاء بالمجاملات وتقديم المزيد من التنازلات لإيران. فقد وجه النائب السابق مثال الالوسي، رسالة إلى الكاظمي، دعاه فيها «أن يطلب بشكل شجاع ومباشر من إيران إيقاف دعمها للميليشيات المسلحة، التي تهدد الدولة العراقية، خصوصاً ان هذه الميليشيات سوف تعمل على التلاعب في نتائج الانتخابات القريبة من خلال قوة السلاح المنفلت في غالبية المدن العراقية». كما طالبه «بإبلاغ إيران إيقاف اعتداءاتها المستمرة على الأراضي العراقية (إقليم كردستان)».
أما النائبة الكردية ٲرزوو محمود، فقد طالبت في رسالتها للكاظمي، بجعل ملف المياه بين العراق وإيران ضمن أولوياته، قائلة : «رئيس الوزراء أكتب لك هذه الكلمات وهي ليست أسطرا عادية، بل يجب مراعاة هموم آلاف العوائل ومخاوف عدم وجود مصادر العيش في تلك المناطق والتي ستؤدي إلى كارثة إذا لم يكن هناك عمل جاد لحلحلة هذا الأمر مع الجانب الإيراني».
كما حفلت مواقع التواصل الاجتماعي ولقاءات القنوات الفضائية المحلية، بمطالبات للكاظمي ألا يستمر في سياسة المجاملة والتغاضي عن مشاكل مصيرية تسببها إيران للعراق، مثل تغول الميليشيات الولائية وقطع مياه الأنهار، والاستحواذ على أراضي ومياه عراقية، وقصف مدن كردستان، ونشر المخدرات، وسياسة قطع الكهرباء والغاز لخلق الأزمات في العراق، وغيرها من المشاكل.
وليس خافيا أن حكومة الكاظمي، خدمت المصالح الإيرانية بشكل كبير، من خلال استمرار اعتمادها على الطاقة الإيرانية وعدم توفير بديل لها، وزيادة استيراد السلع وتحويل الأموال الطائلة إلى إيران رغم العقوبات الأمريكية. فيما سكتت حكومة الكاظمي عن تنامي نفوذ الفصائل الولائية واستمرت في دعمها ماديا رغم تحديها للدولة. وتغاضت بغداد عن قطع إيران 36 نهرا عن العراق ولم تطرح الملف دوليا رغم الضغوط الداخلية عليها والآثار الكارثية على البلاد.
وسياسيا قدم الكاظمي خدمات كبيرة لإيران عبر لعب دور الوسيط مع السعودية وأمريكا وإيران، ضمن محاولات فك عزلتها، وتقديم الدعم والمساعدات لحلفائها في سوريا ولبنان، وغيرها من الخدمات.
ولعل هذا الواقع هو الذي دفع مديرة الاستخبارات الوطنية الأمريكية افريل هاينز، لتعلن في مؤتمر للأمن القومي بواشنطن ان التهديد الأكبر لبلادها يأتي من «العراق واليمن والصومال وسوريا، وليس من أفغانستان».
وعموما فقد أحيت زيارة الكاظمي إلى إيران، تساؤلات لدى العراقيين عن مغزى ان تقدم حكومات بغداد ما بعد 2003 كل الخدمات لإيران ومصالحها، لدرجة تفضيل المصلحة الإيرانية على المصلحة العراقية أحيانا، إلا ان إيران ترد دائما بمواقف وإجراءات تلحق أفدح الأضرار بالعراق وشعبه وسيادته ومصالحه.
وحتى دعوات استخدام حكومة بغداد، أوراق قوة، منها حجم الواردات الإيرانية للعراق بمليارات الدولارات، والالتفاف على العقوبات الأمريكية عليها إضافة إلى دور العراق في فك العزلة الدولية عن إيران وحلفائها، كورقة مساومة أمام طهران، إلا انها لم تجد استجابة من الكاظمي وحكومته، وهو ما يعزز القناعة، بان حكومات بغداد التي تتحكم بها قوى موالية لإيران بشكل كامل، أضعف من ان تكون لديها القدرة لمطالبة إيران باحترام حقوق العراق وسيادته أو ان توقف تدخلاتها في شؤونها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية