اليمن: الحوثيون والانتقالي الجنوبي والتحالف العربي… ودمار حاضر ومستقبل الدولة

خالد الحمادي
حجم الخط
0

تعز-»القدس العربي»: كشفت السنوات الماضية من الحرب اليمنية المدمرة أن ميليشيا جماعة الحوثي الانقلابية المدعومة من إيران، وميليشيا المجلس الانتقالي الجنوبي المدعومة من دولة الإمارات العربية المتحدة، وكذا قوات التحالف العربي، شكّلت الثلاثي الذي أدى لتدمير مقومات الدولة في اليمن حاليا ويسعى إلى تدمير مكوناتها مستقبلا.
الوسط السياسي اليمني أصبح يعتقد بنظرية المؤامرة على بلاده أكثر من أي وقت مضى، فيما الحكومة الشرعية التي تمثل الدولة كسلطة منتخبة من الشعب ضائعة في الزحمة، أضاعت قرارها وفقدت عوامل القوة في سلطتها، في ظل سيطرة الحوثيين على أغلب المناطق الشمالية ذات الكثافة السكانية، وسيطرة الانتقالي الجنوبي على العاصمة المؤقتة عدن وبعض المحافظات الجنوبية المجاورة لها، وتراجع السيطرة الحكومية على الكثير من المناطق والمحافظات الرئيسية.
والشعب اليمني، الذي يعيش حالة إنسانية مأساوية نتيجة الحرب المدمّرة، وقع ضحية لهذه المؤامرة التي حيكت وتحاك ضد بلاده، أما رغبة في السلطة والسيطرة على البلاد من قبل القوى الداخلية، أو رغبة في إضعاف اليمن والهيمنة على قرارها من خلال القوى الخارجية، والتي برهنت السنوات السبع الماضية من الحرب أن أقطاب الصراع المسلح الرئيسيين في اليمن لم يأبهوا لحجم الدمار والخسائر البشرية التي طالت البلاد، والتي كانت نتيجتها وقوع أكبر كارثة إنسانية من صنع البشر، حسب تصنيف الأمم المتحدة للوضع الإنساني في اليمن.
وفي ظل تكالب قوى الداخل والخارج على تدمير قوى الدولة في البلاد، لم يعد اليمن اليوم يمن ما قبل الحرب، ولن يكون كذلك بعد الحرب، فقد تقاسمته الميليشيات والقوى المتصارعة، ولم يعد يمنا واحدا موحدا كما كان بل يمنات، في الشمال دولة الحوثيين وفي الجنوب دولة الانفصاليين من المجلس الانتقالي وبينهما شذرات لبقايا سلطة الحكومة الشرعية، في مناطق الشرق والجنوب.
وعلى مدى سنوات الحرب السبع لم تغيّر العمليات العسكرية والتدخل الجوي والبري لقوات التحالف العربي بقيادة السعودية والإمارات في اليمن أي شيء على أرض الواقع، بقدر ما أُتيح المجال أمام التمدد الحوثي والانتقالي على حساب نفوذ سلطة الدولة، مع إطالة أمد الحرب وعدم السماح للقوات الحكومية بالتقدم نحو تحقيق المزيد من المكاسب العسكرية سواء ضد ميليشيا الحوثي أو ضد ميليشيا الانتقالي الجنوبي.
وساهمت هذه المعطيات العسكرية على الأرض بشكل تدريجي في تغيير الخطاب والرؤى الاستراتيجية الحكومية اليمنية وكذا للتحالف العربي، وتحوّلت المطالب السابقة بانسحاب ميليشيا الحوثي والانتقالي من المدن الرئيسية والمؤسسات الحكومية، إلى مطالب بالتسوية السياسية بين هذه الأطراف والحكومة الشرعية، التي أصبحت تصنّف كأحد أطراف الصراع وليس كحكومة شرعية تواجه ميليشيا انقلابية وتمردية على سلطتها، وهذا ما سعى إليه الانقلابيون الحوثيون في الشمال والانفصاليون الانتقاليون في الجنوب، في سبيل السعي إلى تقاسم السلطة مع الحكومة في البلاد على أساس مناطق النفوذ والسيطرة، بعيدا عن مساعي الحكومة لاستعادة السيطرة على ما هو واقع تحت سيطرة الحوثيين والانتقالي الجنوبي.
وأصبح هذا الحال أمرا واقعا، تعززه الأيام والأحداث المتتالية ويتعامل معه الوسطاء الدوليون والدول الغربية الراعية لعمليات السلام في اليمن، رغم الرفض القاطع له من قبل الحكومة وعدم القبول للحلول الوسط من قبل الحوثيين، فيما ما زال الانتقالي الجنوبي يسعى إلى تحقيق المزيد من المكاسب العسكرية على الأرض، ضاربا عرض الحائط باتفاق الرياض المبرم مع الحكومة برعاية السعودية نهاية العام 2019.
وفي هذا الإطار التقى الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي مبعوث الأمم المتحدة الجديد إلى اليمن هانس غروندبرغ، لأول مرة منذ تعيينه وتسلمه مهامه رسميا الأسبوع الماضي، بحضور نائب الرئيس الفريق الركن علي محسن صالح ورئيس مجلس النواب سلطان البركاني ورئيس الوزراء معين عبدالملك.
وقالت وكالة الأنباء اليمنية «سبأ» الحكومية ان هذا اللقاء «ناقش آفاق الحل السياسي والنهج الذي يجب أن يتبع للوصول إلى سلام دائم وعادل في اليمن، موضحا بأن المرجعيات الثلاث التي تتمسك بها الحكومة تعتبر أساسا لتحقيق سلام عادل وشامل وهدفها تحقيق المساواة بين جميع اليمنيين ونبذ العنف والاحتكام لخيارات الشعب اليمني التي عبر عنها في مؤتمر الحوار الوطني الذي استوعب مختلف قضايا الوطن وضم مكونات وأطياف الشعب اليمني بمن فيهم الانقلابيون الحوثيون».
وأكد الرئيس هادي على تقديم الدعم الكامل لمبعوث الأمم المتحدة الجديد وتسهيل مهامه «للتوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار حيث تواصل الميليشيا الحوثية حربها ضد الشعب اليمني الذي يقف مدافعا ومتصديا لتلك الأعمال العدائية التي تطال الأبرياء والنازحين في المدن والمخيمات فضلا عن اعتداءاتها على أعيان المدن في اليمن والأشقاء في الجوار».
وشدد هادي على أهمية وضع حد للتهديدات التي تشكلها ميليشيا الحوثي لأمن البحر الأحمر وتهديد الملاحة الدولية سواء من خلال نشر الألغام البحرية بشكل عشوائي واستهداف السفن بالقوارب المسيرة، واستهداف المدن والموانئ وآخرها كارثة استهداف ميناء المخا أو من خلال استمرار المماطلة في الاستجابة لدعوات المجتمع الدولي لنزع فتيل كارثة بيئية وإنسانية كبرى تلوح في الأفق والتعامل غير المسؤول مع قضية خزان النفط صافر.
وفي الطرف الآخر، ما يتعلق بالمجلس الانتقالي في الجنوب، حيث يسيطر عسكريا على العاصمة الحكومية المؤقتة عدن والمحافظات المجاورة لها، بلغ الوضع هناك أسوأ من مناطق سيطرة الحوثيين في الشمال، من الناحية الاقتصادية والأمنية والعسكرية وأصبح الجنوب على كف عفريت، لم يستطع فيه المجلس الانتقالي أن يقدم نموذجا مقبولا يكون فيه سلطة توفر الرخاء الاقتصادي وتوفر الحد الأدنى من الأمن والاستقرار، بل لعبت ميليشياته دورا بارزا في اللعب بالورقة الأمنية وفي الفلتان الأمني الذي اجتاح المحافظات الجنوبية، بالإضافة إلى الصراع العميق بين قيادات ميليشيا الانتقالي الجنوبي على موارد الدولة في مناطق سيطرتهم وهو ما أثر بشكل كبير على الوضع المعيشي والاقتصادي للبسطاء من السكان الذي وجدوا أنفسهم خارج اهتمامات الدولة وبعيدا عن الاهتمام والوعود الوردية للمجلس الانتقالي الجنوبي.
وعلى الرغم من المساعي السعودية المعلنة باتجاه استعادة السلطة الشرعية إلى المحافظات الجنوبية، والمتوّجة باتفاق الرياض في تشرين الثاني (نوفمبر) 2019 الذي كان هدفه المعلن عودة السلطة الشرعية إلى العاصمة عدن وانسحاب ميليشيا المجلس الانتقالي، والذي تكفلت الرياض بالإشراف على تنفيذه على أرض الواقع، غير أن هذا لم يتحقق، بفعل الدعم الإماراتي اللامحدود للمجلس الانتقالي الرافض لعودة الحكومة والمنقلب على سلطاتها في الجنوب، بل زاد اتفاق الرياض من تعقيد الأمور في الجنوب، بشرعنة الوضع الانقلابي للمجلس الانتقالي واعتباره طرفا شرعيا لتمثيل الجنوبيين، بينما هو مجرد كيان مسلح يمثل بعض مناطق الجنوب في محافظتي الضالع ولحج، وغير مقبول في بقية المحافظات الجنوبية، ويستمد قوته فقط من الدعم المادي والعسكري الإماراتي.
وتباينت المواقف الخليجية باتجاه الوضع في الجنوب اليمني لكن الاجماع الخليجي يعارض سيطرة الانتقالي الجنوبي على مقاليد الأمور في عدن وبعض المحافظات الأخرى، حيث أعلن المجلس الوزاري لمجلس دول الخليج العربية في ختام دورته 149 الخميس الماضي، دعمه لجهود الأمم المتحدة في اليمن، للتوصل إلى حل سياسي، وجدد دعوته طرفي اتفاق الرياض الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي، إلى استكمال تنفيذ ما تبقى من بنود الاتفاق، وتهيئة الأجواء لعودة الحكومة اليمنية إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة أعمالها من هناك وتعزيز قدرتها على استعادة سلطة الدولة اليمنية ومؤسساتها في كافة أنحاء اليمن.
وذكر أن تنفيذ اتفاق الرياض يمثل «ضمانة لتوحيد الصفوف لمختلف أطياف الشعب اليمني وحقن الدماء ورأب الصدع بين مكوناته، ودعم مسيرته لاستعادة دولته وأمنه واستقراره».
وعلى الرغم من كل هذه الجهود الخليجية والأممية المعلنة باتجاه وقف إطلاق النار وإحلال السلام في اليمن، غير أن الشارع اليمني أصبح لا يؤمن بأهداف كل هذه الجهود ويراها مجرد ذر الرماد على العيون، وأن الثلاثي (الحوثيون، الانتقالي الجنوبي والتحالف العربي) يمثلون جميعهم عقبة كأداء أمام استعادة الدولة وأمام عودة سلطتها الشرعية للبلاد.
وأصبح الشارع اليمني لا يأبه بأي جهود دبلوماسية لحل الأزمة اليمنية ولا يعطي لها أي بال، لفقدان ثقته بكل الأطراف المحلية والدولية المتزعّمة لهذه الجهود، نتيجة فشل أو عدم تحقيق كافة المساعي السابقة أي نتائج تذكر على أرض الواقع، فيما الوضع الإنساني في تدهور كارثي مستمر ويزداد تعقيدا ومأساوية مع إطالة أمد الحرب، ولا يحظى بالاهتمام الكافي من قبل أطراف الصراع أو من قبل المجتمع الدولي للحد من تأثيراته وانعكاساته السلبية على الفئات المتضررة جراء المواجهات المسلحة والانهيار الكامل للمنظومات الاقتصادية والأمنية والصحية والتعليمية وغيرها، وكأن المواطن العادي في آخر اهتمامات هذه الأطراف «التي أصبحت الكثير منها تستثمر استمرار الحرب اليمنية لبناء مصالح شخصية بها، أكثر من اجتهادها في العمل لصالح الوطن» وفقا للعديد من المعنيين بالشأن اليمني.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية