نتّفق جميعاً على أنَّ الأزهار نباتات تُزيّن حدائقنا، مثلاً، عَبير فوّاح يشرحُ النُفوس، يُلطّف الأجواء، رحيقٌ عسل، نظرةٌ بلسم.. لكن ذبولها امتعاض، وموتها ألم!
«أزهارُ الموت» عُنوان مُركّب لنصٍّ عربيٍّ للروائي اللبناني فايز غازي. رواية قصيرة، ذات إيقاع خفيف ولُغةٍ فصيحة مِن البداية حتّى النهاية، بما في ذلك حوارات الشُخوص.
إنّ لُغة الحوار الرّوائي بالعربية الفُصحى ضرورة قوميّة وحضاريّة، وثمّة روايات عربيّة سامقة تشهد بذلك. والإبداع نِتاج تُراث شعبي مرهون بينابيعه وليس هناك إحياء للتراث دون جمعٍ ودرسٍ وتمحيصٍ للحفاظ عليه في نهضتنا القومية المعاصرة.
فأنت – كعربي- عندما تُحاورني بلهجتك المحلّية، ستلاحظ أنّ ضباباً حلَّ بالرسالة المُراد إيصالها، بإمكاننا أن نزيحه إذا وضعنا الحوار في قالبٍ فصيح، لا يتطلّب منّا سوى استعمال المُصطلح الأكثر شُيوعاً. فلكلّ كلمة عاميّة جذر في العربية والعجز في الروائي وليس في اللّغة.
فإذا ما اجتهد الرّوائي في تهذيب حوارات نصّه وحذَفَ الأحرف التّي أدخلَتْها اللّهجات، ثمّ قرأهُ العامل والفلاح والمُثقّف، لم يروا فيه شيئاً غريباً، وبذلك نرفعُ كلّ هؤلاء إلى مستوى النّص مِن غير تقعّر، فتُصان بذلك اللّغة، لأن العربية لُغة أنظمة عربية، وهي في حدّ ذاتها نظامٌ لا يُمكن الإخلال بقواعده.
«أزهار الموت» تُشبه المكان في مِحَنِه المتوالية، مجازره المشهودة، بشاعة القتل، الديكتاتورية القاهرة، الطائفية المَقيتة! يقول المؤلف عند العَتبة «جرَتْ أحداث هذه الرواية في إحدى مُقاطعات عربستان المتناثرة في زمان لا يعرفه عالَمنا».
إنّ الفُرس والعثمانيين يطلقون كلمة عربستان على أيّ أرض عربية أو قُطر عربي تَعني بلُغتهم أرض العرب. لقد تعدّتِ الأزهار الحدود الجغرافية لنشأتها، ويُمكن إسقاطها على رُمّة البلاد العربية؛ لأن الكاتب تخلّص مِن البيئة وعظّم فكرَته، فصارت كسهم متوهّج يكوي به أورام العرب، إنّه يحمل همّ الأمّة، يتطلّع إلى ازدهارها وأزهارها، فهلِ الموتُ يُخلّفُ أزهاراً؟
مِن قديم الزّمان تحترفُ الأنظمة العربية صناعة الموت وأشكال التعذيب، مُتّخذةً منهما صمّامات لديمومة سيطرتها على شعوبها، فما فكّر متمردٌ يوماً في التغيير إلّا ونال جزاءه في الحين، التصفية المُحكمة، أو النسيان في غياهب السُجون باسم القانون مِن جهة والحفاظ على أمن النظام من جهة أخرى. ماتت زهرة الحُريّة!
تولدُ أفكارنا كبيرة، إلّا أنّنا متفاوتون في درجة المُغامرة لأجل إنجاحها، فينا المُكبّل وفينا الحُر، كلّ الحقائق كانت أفكاراً قبل حين في أذهان أصحابها، فهذه الأزهار كانت فكرةً في جعبة كاتبها، هدفه إيصالها للعالم أملاً في التغيير، حتّى أنت وأنا كنّا فكرة في أذهان والدينا قبل مجيئنا إلى الدنيا، لا تتعجّب!

إنَّ الخروج عن دائرة العُرف والعادة صراع مع المُجتمع المُتعلّم فما بالك بالجاهل الّذي لا يعترف إلّا بوَجدْنا آباءنا، وهو في نظرِ الأخير مُخاطرة ستُخلّفُ أثناء الخوض فيها كثرة الضحايا؛ لأن النتيجة محسومة منذ بزوغ الفكرة الجديدة، ومِن المُستحيل أن يُناقشَ المجتمع فكرة فردٍ واحد ويصدّ عن الأكثرية الرافضة لها، ولنا في التاريخ العربي خير العِبر.
فالذي أخرج الأزهار هو عينة مِن القِلّة التّي تقول الحقيقة بدون مواربة، عندما شعَرَ أنّه قادرٌ على فعل ذلك. «ما أصعب أن يُبرمج المرء ليرى ويُفكّر في إطار ضيّق أراده له حُكّامه، بينما الحقيقة تحتاج إلى توسيع زاوية الرؤية لتتضح الصورة».
نسجَ الروائي قصّته على منوال قصّة سيدنا موسى مع الخِضر عليهما السلام في مُقدّمتها لمّا التقيا في مجمع البحرين. إذ يلتقي أيّاد بفارس في السجن، ومن هنا تبدأ قصص القتل بحثاً عن الحقيقة التّي لم يصبر عليها أيّاد.
والحقيقةُ لها وجوه عديدة، تختلفُ حسب كيفية النّظر إليها، لكنّنا لا نُجدّ في البحث ولا نُغيّر مِن موقعنا بل نختار ما يُلائم طمأنينة عقلنا وقلبنا! الحقيقة صعبة وموحشة، لذلك يُفضّل النّاس ألّا يعرفوها ويكتفون بما يفترضونه عنها مكتفين بالصورة أو الظاهر منها!
تُرتسم الشخوص خلال المسار القرائي بتؤدة، نعرفها من عواطفها لا ملامحها، وأرى، كما سترى صديقي القارئ، أنّ الكاتبَ قد وُفّق إلى حدّ ما في تصويرهم لنا، فالقتلُ يحتاج إلى نفسٍ حاقدة وإن اتسّم الوجه بالقبح أو الحُسن.
ولأنّنا- معظم العرب – ندين بالإسلام ولهُ خانّة خاصّة في دساتيرنا، لا تفتأ السُلطة أنْ تتحبّبَ إلى أعلامه وعُلمائه في الظاهر والخفاء، حتّى تتجنّبَ السقوط في مطبّات سيّاسية لا تفقه فيها، ويكون الدّين مادّة نُطوّعُ أفكار المُجتمع التّي تكره السُلطة انتشارها. ألا ترى أنّ الشعوب العربية تُعاني من فقهاء سلاطينها؟ ضاعت الأمّة بانبطاحهم، واستُبيحت الدماء بفتاويهم!
تصل أحداثُ الرّواية إلى شخص السيّد عابد رجُل الدّين ذي السلطة والجَبروت والنُفوذ. ورث السُلطة عن أبيه الّذي اختفى بصورة غامضة، امتلك الأراضي والأموال الموقوفة، عَقَد زواج ابن أخيه زيّاد على ابنة فؤاد الباشا. وهنا حبكة مُقنعة لن تشعر بآليتها.
«إنّ مزج الدّين بالسياسة عادةً ما يكون له فوائد جمّة، بحيث يستفيد هؤلاء بنوعٍ مِن المُباركة السماوية على عباءاتهم الإقطاعية!». ومَن منّا ينكر مثل هذا الفّخ في زمنٍ أصبحتِ الشعوب على دراية بحيّل السياسة وخُبث السّاسة؟
يلجأ أزلام الأنظمة المُستبدّة الفاسدة إلى جمع المعلومات والوثائق والصُور لكلّ شخصيّة نافذة مِن أجل تكوين ملف يُترك لوقت الحاجة إليه ويُستعمل حسب الضرورة لابتزاز الشخصية أو التشهير حسبما تقتضي المصلحة. لقد وُجد مفهوم العدالة في أنظمة العُصب لتُطبّق على الفقراء والمساكين المُعدمين، أمّا الأقوياء الأثرياء وأصحاب النُفوذ فلا يُمكن المس بهم أو الاقتراب منهم.
هند، سلوى، مروة، شُروق، فتيات قضين بظروف غامضة، هنّ ضحايا شهوات سميح آغا، يحسبهن النّاس منتحرات.
عند الخامسة فجرًا في جلسة شراب ثمِل شوقي آغا وفقد الإدراك فحانتْ لحظة تصفيته بشكلٍ نهائيٍّ وهذا جزاء قتله لهمسة إرضاء لنزوة أخته ليلى. هكذا القتل هيّن في دواليب حكّام عربستان. وبالرّغم مِن أنّ شوقي آغا مات مقتولاً إلّا أنّ الصُحف عنونتْ «استُشهد بالأمس المُقدّم شوقي آغا وذلك أثناء تأديته لواجبه في مكافحة المُخدّرات والإرهاب وستُقام الصلاة على.. إلخ». كان المأتم رسميّاً وشعبيّاً مهيباً يليق بأبطال هذا العصر. اتّشحتِ النساء بالسواد وسالتِ الدموع بغزارة.. الأكاليل والأوسمة تزاحمت على النعش حتّى لتظُنّن أنّك أمام حديقة صغيرة مِن الأزهار!
يكبّلُ فارس سميح وعشيقته، يستجوبه عن موت همسة، يغرز الحربة في رُكبته فيُذيقه الألم، يعترف أنّ ليلى أخته كانت تكرهها وأرادت تحطيم كبريائها بواسطة الصُور العارية التّي أرسلها لها سميح الذي لا يتسامح مع أحد.
تعترف ليلى لحظات وصولها إلى شقّة الموت بكُرهها لهمسة والغيرة منها؛ لأنّها جميلة ومتعلّمة ومحامية ناجحة، بالإضافة إلى أنّ أخاها جواد كان كثير الحديث عنها ويُردّد على الدوام همسة تقاس الناس بها.. فالأنوثة بقدّها والرزانة بشخصيتها والفهم بعقلها. كيف تصبح الخادمة سيّدة إذا ما حازت إجازة علمية؟
يزرع فارس في أنف ليلى رصاصةً أطاحتْ جسدَها على الأرض وهشمتْ وجهها. الإنسان هو القُنبلة الأشد خطراً إذا ما لاءمتَ بين مكوّناته النفسيّة الدقيقة والصاعق الّدي يُفجّر!
يعود فايز إلى الزنزانة منطلق الرواية أين يقبع إيّاد وفارس، حيث يتكلّف المُقدّم إبراهيم بإعدام فارس، يُرمى بالرّصاص فتموت زهرة النّص وتنتهي القضيّة.
أؤمن- كما تؤمنون- أنّ هناك أدبًا عربيًّا جيدًا بدأ يتشكل حديثًا، يقتضي قراءً أفذاذاً ونقداً بناءً.
«أزهار الموت» رواية ماتعة، لا أستطيع أن أُصنّفها سياسيّة ولا غير ذلك، كأنّما كُتبتْ بأفكار شخوصها المُجتمعة في فكرٍ واحد، لتؤدي غايتها العظيمة التّي طال انتظارها، وِحدة الأمّة.
فايز غازي: «أزهار الموت»
دار الفارابي، بيروت 2020
136 صفحة.