يمكن لقارئ هذا العنوان أن يغامر بعرض مجموعة من الاحتمالات، أبرزها الافتراق بين السيرة الذاتية والرواية، وثانيها الأذى الذي يلحق بإحداهما جراء هذا التداخل، وثالثهما استيطان هذه المزاولة في المرويات بدرجة أو بأخرى قد تزيد أو تنقص. وكان جبرا إبراهيم جبرا قد حَبك «البئر الأولى»، طفولة بيت لحم، بقدرات الراوي والروائي التي امتلكها مؤلفاً ومترجماً. وهو أمر نلاحظه من قبل عند حنا مينه في «بقايا صور» لدرجة أربكت بعض الذين كتبوا عن ترجمتها باللغة الإنكليزية، فهي إصداء، كما يشير أحدهم، لكنها ليست سيرة بالمعنى المألوف حتى ذلك الحين. ثم كثرت كتابات السير الذاتية، وكان الراحل إحسان عباس قد كتب «غربة الراعي»، لكنه لم يدع مجالاً للالتباس: فهي سيرته التي دعاه أخوه بكر عباس إلى كتابتها. ولكن ماذا نقول بشأن «فهرس» لسنان أنطون؟ فهي تتأطر روايةً، وتنمو نصاً كسيرة ذاتية باسم مستعار. وقبل الآخرين، كان عبد الحكيم قاسم يكتب «أيام الإنسان السبعة»، وهي رواية أولاً، ولا تبدو حاملة لأصداء طفولة عبد الحكيم قاسم وحلقة أبيه من المتصوفة في ريف مصري، قبل أن يذهب الطفل إلى المدينة التي تستفز لديه عاطفة أخرى سبق أن تبدت في قريته، ولكن باستحياء المراهق الذي لم تتشذب غريزته في حلقات الذِكْرْ الصوفي. وعندما قررت عالية ممدوح في «الأجنبية» أن تستجمع ما تبثه في رواياتها من قبل لتكتب سيرة تجمع بين الاستفاضة والاختزال، نكون قد اطلعنا على كتابات سابقة شاركت فيها لطيفة الزيّات في «الباب المفتوح»، و «حملة تفتيش»، ونوال السعداوي في سيرتها «إبنة إيزيس» وكذلك في مذكرات سجن النساء ومثلهما أخريات.
لكن «لو وضعتم الشمس بين يدي» لخليل النعيمي هي أمر آخر. نحن نعلم أن «أصداء السيرة الذاتية»، كما يسميها نجيب محفوظ وهو يلمح إلى جوانب شخصية لم تطأها رواياته، قد تتخلل السرد في مناطق ليست منظورة ضرورة. أما خليل النعيمي فلا يوارب في اللحظة التي تعرض له مأزوماً ما بين ماض من الترحال في الحَماد، في الجزيرة، وبين وجوده في باريس: وما بين حديقة اللوكسمبورغ وذلك الماضي تتشكل السيرة الذاتية وقد اكتسبت فناً كالرواية على أساس الحركة بين السكون والفعل. وكما يشتغل المونولوج والحوار الدرامي (الممسرح) تأتي اللحظة الضاغطة بين الفينة والأخرى لنتلقف الرويّ بصفته مجموعة من المغاليق والانفراجات: (في طريقه إلى حديقة اللوكسبورغ، هذا اليوم، سيحاول أن يتخلص من كوابيسه، ومن اضطراباته العالِقة بنفسه مثل وَحْل الجزيرة اللّصَّاق بالأقدام – 77). كان يزمع مواجهة (ذلك الماضي المحّمل بالشغف والإنكسارات -79). لكن المسألة ليست بهذه البساطة، لأن المتكلم في أغلب فصول الرواية – السيرة يفسح المجال للصوت الثالث ليحكي نيابة عنه ويغطي ما صعب عليه. لكن المشكلة في الحالين تقبع في منطقة أخرى سعى المتكلم ألاً يستعرضها متعالماً، لأنه آثر الصمت وترك (صديق) الحديقة، أو الحدائقي يكيل له التحليلات وهو يقوم بتشريح ذاته التي تآلفت الصمت صوتاً والغليان واقعاً. وما يبدو ميسوراً يضطرب عند وقع الفكرة، بساطتها وعمقها. يقول معلقاً على مقولة إن (بساطة الفكرة عمقها – 86 ): (أغراني الجَمع بين البساطة والعمق. وعندما دخلت الفكرة بينهما، قَلَبَت كل شيء -86). هذا (الحدائقي)، أو (رجل الحديقة) سيكون قريناً ومستجوباً، و (صديقاً لطول عشرتنا). وهو في استجوابه للسارد يكاد يستعيد بعضاً من طريقة أدورنو في «ديالكتيك النفي» حيث يجري هدم المقولات المتوارثة منذ الفلسفة اليونانية وعبر الفسحة (الإيجابية) في الديالكتيك الهيغلي في الفكر المعاصر. لكن أدورنو ليس معنياً بالنفسية المؤرقة أو المأزومة. وقد يكون حضور (الحدائقي) المتفلسف محض (قرين) للسارد، الذي يزيد من توتر السرد وشده ما بين سائل ومتسائل وصامت؛ وقد يذكرنا بصديق المؤلف المفكر التونسي العفيف الأخضر، فهو أيضاً كثير الجدل ورد على ألتوسير محاضراً مرةً، كما يقول في كتابه الأخير.
ومهما يكن، فإن تجاور صوتين وتأزيم أحدهما للسارد الصامت المتجهم الذي هجره الفرح جاء ضمن مقومات السرد التي تدفع السيرة باتجاه الرواية كمجموعة متواليات أو وحدات سردية تتشكل بفاعلية كلما جرى خرق السكون بهذا السبيل أو ذاك. ومن دون هذا التفعيل تكون السيرة الذاتية سرداً تاريخياً لرحلة شخصية ما بين طفولة وتنامٍ للكاتب وهو يصل إلى ما يبرر كتابة السيرة الذاتية: أي ظهورها/ ظهوره معروفاً يود القراء معرفة شيء عن تكوينه. ولئلا تغيب السيرة الذاتية في الرواية، يكون المؤلف حاضراً للتذكير باسمه. ومنذ أن رافق أباه في الحَماد والظُعون وعاش قلق الصحراء (77)، تشكلت لديه صورة لذلك الماضي من الترحال الذي يتشاءم الأب من أي تساؤل بشأنه: (وين يا أبو خليل؟ وكأنه يستنكر السؤال: قدمي هي التي تقرر -70). يقول صوت المتكلم: (كنا صغاراً، وكان العالم يبدو بلا حدود. والمشي هو وسيلة اتصالنا الوحيدة به. إنه واسطة الانتقال الأساسية بين نقطتي: البيت والمرعى . وبينهما يشكل الوجود مغامرة حقيقية -71).
ومفردة (مغامرة) تجمع السيرة بالرواية: فهي تضعنا على عتبة الروي لأن السرد والحكي يشتغل على أساس ثنائية الحركة والسكون، كما يطيب لتودوروف أن يؤكد مراراً وهو يعطف على حكايات مختارة من ألف ليلة وليلة في «شعرية النثر». وإذا كانت ثنائية الكلام والصمت، استجواب (صديق الحديقة) وحَرنْ السارد صمتاً، تربك الديالكتيك الهيغلي وإنْ قادت في النتيجة إلى إنهمار السرد رداً وتعليقاً وتمرداً واسترجاعاً لحياة مفعمة أيضاً بالذكريات والإنكسارات. وتكون هذه الإسترجاعات أيضاً إدانة ضمنية لواقع موروث يشيع القبول والخنوع عبر الأمثال التي استوطنت خطاب الدولة الوطنية التي تربكها الذهنية الناقدة: هذه الذهنية الناقدة هي نهج (الحدائقي) الذي لايني من الهدم والنصح. ونخلص في النتيجة الى أن صوت السارد ينشطر إلى نصفين لولا أن دخول محمد الخياط، رفيقه في السكن العمومي المجاني للمشردين والمهاجرين الجدد، في السرد يتيح لنا وضع (الحدائقي) في تكوين المفكر المستجوب الذي يريد تلقين المعرفة من خلال هدم الماضي، الأمر الذي بدا مستحباً مرة كلما اقترن بوقائع العقل الجمعي المفروض تقليداً وممارسةً وتسلطاً في منشأ السارد، ومرفوضاً مرة أخرى لأنه يعاكس ذلك الوعي الجذري الذي تشكل عبر سنوات (ص 65) ، وكوّنَ ما يعده بيير بورديو ملاذاً، وما يستبقيه فْرَدْ جيمسن وعياً سياسياً قابعاً. يقول السارد: (من الطفولة تنبع صُور الحياة. منها تنبع الحياة نفسها. فيها نكتسب وعياً مبتذلاً، أو وعياً جذرياً وعي يلازمنا حتى النهاية -65).
ولا تتشكل الثنائية أو سُبل هدّها، كما عند أدورنو في عام 1966، من هذا التقابل ما بين صوتين، أو ما بين متكلم وصامت، فحسب. إذ لو تحددت مجريات الروي بذلك لكنا أقرب ما نكون إلى السيرة الذاتية التي وطد دعائمها طه حسين في «الأيام». يشتغل الروي مع تلك الطفولة التي ترفض الهجرة وتناكف التعالم؛ وتسكن أماكنها التي خبرها طفلاً وهو يكتشف المشي في الحَماد، حيث لا حذر ولا التباس، على خلاف مشيه الآن في اللوكسمبورغ وشوارع باريس المحاذية، حيث بدت (الدنيا مقلوبة: الحذر أولاً، والنظر ثانياً -71). وإذ بدت الحَمادة حرة، على مد البصر، فإن حياته الدمشقية بدت اختناقاً (كل ما يحيط بي يوحي بالإحباط والعبث -15). هل تشده الصحراء بكل ما فيها من صعوبات؟ أم أن ما نسمعه رطانة نفسٍ التبس عليها الأمر؟ يقول السارد: (حياة الصحراء من شدة بساطتها، رغم كمية المكر الكامنة في ثناياها، تبدو، لمنْ تَعَوَّد على العيش في فضائها اللامتناهي، مكشوفة مثل راحة اليد -71). ويكاد يكون تقابل الأمكنة وتفريعاتها هو الهيكل الذي يردم الهوة ما بين السيرة والرواية؛ وتتم الانزياحات من الكلام إلى المكان بتلقائية فريدة مفتتحها الصفحة الأولى: (موعدنا في اللوكسمبورغ).
والتقى ذلك الشخص الذي يقضي شطراً من وقته في الحديقة والذي يفسر اهتمامه به قائلاً: (إنني أبحث عن الشيء الذي تبحث أنت عنه: عن مقصدك في الوجود وغايتك في الحياة. فالكائن الذي لا همّ له إلاّ فمه وفرْجه، لا يعني لي شيئاً -7). بهذا المدخل، يكون القارئ قد تورط هو الآخر بالحدائقي، رجل الحديقة الأريب -25)، الذي يبرع في تشريح الوعي القديم، وسخف الحياة البليدة، وفعل الحرية. وتكثر هذه وكأنه يمسك بمبضع يكون أمامه السارد الصامت (مكشوفاً – 26). لكن هذا التشريح يسقط في عموميات، فـ(المغامر لا أهل له ولا وطن -62)، وأن (الزمن هو الشيء الوحيد الذي نملكه في الوجود – ). وبرغم ما في ذلك من غموض ولبس، إلاّ إنها تشتغل كمحرك آخر لاكتشاف قوة الأمكنة، التي لا تهجرها الذاكرة حتى عند مرأى المرأة الجميلة في مواجهة مقهى دانتون -48، التي تبادر السارد بالكلام، فيبقى مأخوذاً عاجزاً عن قول شيء ذي بال. هذا التلعثم والصمت يعزوه إلى تركة ثقيلة من ثقافة أخرى تقصي الفرد وصوته في خضم المجموع الذي ظنه طويلاً على أنه مانح الحياة والرغبة والفكر والمعتقد. حتى إذا ما تمرس في ثقافة أخرى، وجد نفسه يتساءل هو الآخر في حق الفرد والمهاجر في المجاهرة والاعتراض. لكن ذلك لا يعني استبدال مكان بآخر، لأن ما هو جميل يستدعي ما يماثله في ماضٍ قصي. وهكذا تأتي هذه الانتقالات من وضع إلى آخر لتعرض لذاكرة ليست منبسطة ومقروءة بيسر: (المساء الذي حلّ، منذ قليل، أثار في نفسي نوعاً من التعاطف مع الوجود… جعلني أتمنى لو عدت أدراجي إلى المرابع التي هجرتها مثل أفعى مطرودة من غارها. بفَقْدها، بفَقْدِ تلك الأمكنة، أصبحت أحس أن الحياة غدت عارية، مثل فتاة مغتصبة في بَرّية الجزيرة التي لا ترحم -28). كان يستحضر أيضاً زمهرير الشتاء في الصحراء (83-84)، كذلك الصقيع الذي ألقى به وحده متجمداً بانتظار عودة أمه التي ضلّت طريقها تحت سطوة الثلج. كان هذا الاستذكار والتذكر يتأكد تحت وقع تساؤلات الحدائقي أو القرين أو العفيف الأخضر، لكنه أيضاً استحضار لذلك الترحال (19، 55) ،70-71)، لأن (الحدائقي) يصر أن من (يقرر الرحيل هو كائن هش، ومقاومته العاطفية في أدنى درجاتها – 19). لكنه يخضع هذه المقولة للتساؤل، وأخذ بتكوين قناعة أخرى، قناعة تمنح السيرة سردها الذي يجاور الترحال، ويجاريه: أليست سرديات الإبتداء سلسلة من الترحال (صار يبدو لي الرحيل الذي ارتكبته وكأنه أحد السُبل الملوكية للوجود – 55)، إذ (لا خلاص لنا من أمر، أو من فكر، إلاّ بالبعد عنه، أو عن بؤرته)، ويضيف أن البعاد (العلاج الناجع) لــ(عبوديتنا للأفكار والمؤسسات – 55) . لا يملُّ السارد من استذكار أبيه وهو يقود قافلته يطارد ذئباً. وكان عليه طفلاً أن يكون على قدر من الجَلَدْ: (كنت أرتعب من البكاء لأنه مرتبط بالجوع، والظمأ، والأفاعي، والأشواك، والفضاء اللامحدود الذي ينبسط أمام العين في الصحراء – 115). لكنه الآن، لا يرى ضيراً في إبداء ذلك، لأن (التلوّع هو أول الغيث).
هذه الاشتغالات السردية ما بين الأمكنة وإسقاطات ذلك على نفسية السارد تقرب السيرة – الرواية إلى القارئ؛ وتزداد هذه الرابطة كلما تعمق الاعتراف بالزلل والشطط والتفاهة وسوء الفهم. وحتى في مواقف اعتيادية في التمييز بين حرمان من الجنس والعاطفة أو عثور عليه ميسوراً مقارنة بتمنع الدمشقية التي يتذكرها نراه يترك للحدائقي إطراء جرأة الدمشقية وشجاعتها لأنها تغالب واقعها الضاغط والقمعي أما الباريسية فهي تتصرف في سياق واقع آخر مغاير تماماً؛ وما تبدو محطات حياتية صغيرة أو كبيرة تضعه عند عتبات الإدراك. فهو عندما يتوقف عند محمد خياط، وكثرة رواياته المفتعلة عن علاقات جنسية واسعة وهبوطه وانهياره بعد حين وعودته ضائعاً ملتبساً: فلأنه شخصية المغترب، الذي يحمل (كابوس الغربة -76). وهو ما يتيح للسارد أن يتأمل نفسه بنقد صارم وإن بدا ذلك النقد صمتاً.
كل هذه المرويات داخل السيرة – الرواية لا تشتغل من دون شدٍ وحلٍ، يمسك بالقارئ ويجعله مأخوذاً بقوة السرد البانورامي، وكأنه يتفق مع الروائي في أن ما يقرأ يقارب السيرة، لكنه حكاية أيضاً، ذلك لأن (الحكاية [تتخلّق] في رؤوسنا، وتنمو مثل الجنين. الذي ينمو في الأرحام. لكنها تصير، منذ أن نحكيها، حكاية أخرى، حكاية غير التي كنا نريد أن نرويها- 54). لكن ذلك لا يغير من أمر استحضار الأمكنة التي تقتحم الذاكرة وهو يمشي في اللوكسمبورغ وشوارع باريس المحاذية، فينهمر (الإحساس المفرط بالفجيعة، فجيعة انتقام الأمكنة من هاجريها – 29).
يرتقي النعيمي بفن السيرة- الرواية، لا لغنى التجربة فحسب، ولكن لأنه يضع عاطفته وفنه كاملاً في هذا النص.