هل يفك الإعلان السياسي في السودان قبضة العسكريين على مفاصل حكومة الفترة الانتقالية؟

عمر الفكي سليمان
حجم الخط
1

هل الإعلان السياسي الذي وقعته قوى الحرية والتغيير قبل أيام قادر على ضبط إيقاع الحاضنة السياسية لحكومة الفترة الانتقالية، وينهي التمدد العسكري الباسط سيطرته على المفاصل الأهم في حكومة الفترة الانتقالية؟
يرى مراقبون أن المكون العسكري ممسك بكل مفاصل الاقتصاد السوداني، وملف العلاقات الخارجية، وهو من حسم ملف السلام ووضع كل الشروط مع الحركات المسلحة، وهذا التمدد خلق قلقا لدى الشارع السوداني المطالب بمدنية دولته.

الانقلابات العسكرية

ويأمل سودانيون أن يفتح الإعلان السياسي الأبواب لدخول المدنيين إلى دولتهم المدنية، وأن يمسكوا بكل الملفات بيد قادرة على رسم مستقبل بلادهم، وان يعود العسكريون إلى مهامهم التي رسمتها الوثيقة الدستورية، لكن هناك من يرى أن مدنية الدولة لا تتعارض مع شراكة العسكريين في الحكم.
وتبدو العلاقة بين العسكريين والمدنيين ضرورية من وجهة نظر رئيس الوزراء عبدالله حمدوك. ففي خطاب أمام قوات الدعم السريع قبل يومين قال: «لا يعدو الفصل بين العسكريين والمدنيين غير فصل وظيفي ومهني، ويجب أن لا يبدو وكأنه تمييزا وتمايزا في الحقوق والواجبات» وأضاف: «أعظم جيوش العالم هي التي تنحاز لخيارات شعبها، والشعب السوداني في ثورته اختار طريق الديمقراطية والدولة المدنية، لذا صار واجبكم الأسمى هو الحفاظ على الدستور ودعم التحول المدني الديمقراطي».
هذه الإشارات لم تكن الأولى لحمدوك فقد سبق وان غازل العسكريين أكثر من مرة وأعلن عن ضرورة العمل معهم في تناغم وانسجام. ولاقت زيارة رئيس الوزراء عبدالله حمدوك زخما واسعا في وسائل التواصل الاجتماعي فهناك من يصر على أن يظل العسكريون في مواقعهم المرسومة وفقا لمتطلبات الثورة، ويرون أن المنافذ التي يمكن ان تتنفس من خلالها حكومة الفترة الانتقالية أغلقها المكون العسكري، حتى تفشل.
إلا أن المخاوف من الانقلابات العسكرية لم تبارح أذهان كثيرين، هذه المخاوف دفعتهم إلى القبول بشراكة العسكريين، ويقولون هي شراكة لا مفر منها، ويرى آخرون أن السياسة هي من ربطت العسكريين بخيوطها المتشابكة فأصبحوا عاملا حاسما في الاقتصاد والسياسة، إلا أن أكثر ما يخشاه السودانيون ان تتحول الاختلافات بين المدنيين والعسكريين إلى سبب لجر بلادهم نحو هاوية الانهيار، لذا طالبوا بضرورة تمتين العلاقة بدلاً عن أي فصل يرون انه تعسفي وقد يعصف بحكومة الفترة الانتقالية كلها.

الإعلان السياسي الأخير

ويقول الناطق الرسمي للمجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير جعفر حسن لـ«القدس العربي» إن «توقيع الإعلان السياسي الأخير كان ضروريا لمعالجة التصدعات داخل الحاضنة السياسية نتيجة لاختلافات الرؤى خاصة في قضايا الانتقال» وذكر ان أبرز قضايا الاختلاف تتعلق بالاقتصاد، فضلا عن تطورات السلام كقضية محورية شهدت تباينات، وزاد بأن خروج الحزب الشيوعي وبعض الأحزاب الصغيرة كان هو الآخر من المؤثرات على راهن الحاضنة السياسية. ونوه الناطق الرسمي للتحالف الحاكم في السودان بأن الشراكة قامت على طرفين، تمكنا من الاتفاق والوصول إلى الوثيقة الدستورية وهو ما أحدث التوازن بين القوى المدنية والمكون العسكري، حيث كانت الأولى تعبر عن الشارع، والمكون لديه السلاح، وبذلك يرى حسن انه لا يمكن لأحد ان يقصي الآخر. وشدد الناطق باسم الحرية والتغيير على ان تراجع أي طرف في الشراكة يسمح لتمدد الطرف الآخر، ما يدفعه للاعتراف بحدوث تراجع للقوى المدنية بسبب التشظي الذي شهدته. ولفت إلى ان ذلك ما أثر على أداء الحكومة، ودفع رئيس الوزراء دكتور عبدالله حمدوك لتقديم مبادرته «الطريق للأمام».
وأكد حسن على سعيهم المتواصل لتوحيد قوى الحرية والتغيير منذ بداية التفاوض في جوبا واستمر بل أكثر خلال الثلاثة أشهر الماضية التي تم فيها حسم قضايا هيكلة الحرية ومستويات الإدارة وعاد للتحالف مكتب تنفيذي ومجلس مركزي ولجان متخصصة وتحول من تنظيم أفقي «مقاوم» إلى هياكل رأسية. ورأى انه الوضع الذي يمكن عبره تجاوز العيوب التنظيمية، وشدد على ان وحدة القوى الثورية المدنية تمثل ضماناً لتحقيق الانتقال وهو ما يدفعهم لضم آخرين خارج التحالف، فضلا عن كونه يبعث برسالة للعالم بوحدة الهدف، و«الأهم أن المواطن سيدرك سعينا لإزالة الإحباط» ويرى حسن أن وحدة قوى الثورة ستجعل الحكومة أكثر صلابة ومتانة، وأن حاضنتها تشكل لها الحماية والسند وتستطيع تنفيذ أجندة الانتقال بصورة أفضل، وستنتفي المنازعات والمشاكسات.
ويضيف ان الإعلان السياسي ليس جديدا بل هو نفسه الذي قام بإسقاط البشير انما اضيفت إليه لتصبح سبعة عشر بندا، وقال إن الإضافات سببها الممارسات السياسية التي كانت تحتاج إلى مراجعات.
وقال الناطق الرسمي إن البنود التي تمت تأتي على رأسها قضايا الانتقال والتحول المدني وتفكيك نظام الإنقاذ والسلام والعدالة الانتقالية، وقال إن التحالف رآى ان البنود تمثل أهدافا لخدمة الانتقال.
ويرى جعفر أن الإعلان السياسي المطور إحدى عبقريات الشعب السوداني الذي صنع الثورة وسيضع حدا للتدهور، وقال إن الإعلان سيمكن القوى المدنية للعودة بالإمساك بزمام المبادرة.

تصحيح المسار

وسبق وأن أكد المجلس المركزي للحرية والتغيير في ايار/مايو هذا العام، على أن الحرية والتغيير عقدت العزم على قيام مؤتمرها من أجل تصحيح المسار، واعترف بالأخطاء التي صاحبت أداءها ما يستوجب إعادة الهيكلة. ونوه في تصريحات رسمية بأن خروج أي فصيل من مكونات الحرية والتغيير، يحدث اختلالاً، ويضعف الموقف، وشدد المركزي على أن قوة الحرية والتغيير في استمرار وحدتها.
يقول الخبير الأمني والمحلل الاستراتيجي الدكتور أمين اسماعيل مجذوب في تصريح خاص لـ«القدس العربي» إن الإعلان السياسي الجديد لن يقوى ويسير لأنه قائم على انقاض القوى المكونة للحرية والتغيير. مشيرا إلى خروج تجمع المهنيين ولجان المقاومة وهم الأكثر تأثيرا في الشارع السوداني. ونبه مجذوب إلى ان فترة رئاسة المكون العسكري شارفت على الانتهاء وفقا للإعلان الدستوري الموقع في 2019. وقال إن هناك عاملا خارجيا يظل حاسما وهو التشديد على الوصول بمرحلة الانتقال إلى انتخابات. ويرى ان التحالف الجديد ينوي إطالة عمر الفترة الانتقالية
وفي ديباجة الإعلان السياسي الذي جرت مراسم الاحتفال به 8 ايلول/سبتمبر الجاري أن الأطراف الموقعة بذلت جُهداً متصلا وحوارا تميّز بالوضوح والشفافية، وتناول الحوار تجربة الحرية والتغيير، والفترة الأولى من الحكم الانتقالي بالتقييم، وبنظرة نقدية لما تم، ولمستقبل الانتقال، وأكد الإعلان على توصل الأطراف إلى أن أهم الدروس المستفادة لإنجاح الانتقال تكمُن في وحدة قوى الثورة والتغيير، وإصلاح منظومة الحرية والتغيير، ودعم الحكومة الانتقالية بلا تردد، وأشار إلى أن تفتيت قوى الثورة والتغيير وعدم توحدها هو المدخل لقوى الردة، والفلول.
إلا أن المحلل السياسي أنور سليمان يرى ان المشكلة لا تكمن في اختلاف القوى المدنية بقدر ما هي في عدم استعداد تلك القوى وجاهزيتها للتعامل مع التطورات السياسية التي جلبها التغيير. ويشير سليمان إلى ان معظم تلك القوى المدنية وقياداتها لا تزال بذات شخصيات وعقلية ما قبل 1989.
وقال سليمان في تصريح لـ«القدس العربي»: «بالفعل تغيرت أمور كثيرة لكن أحزابا ومنظمات البيوتات لم يتغير فيها شيء ولا تبدي أدنى مرونة للتغيير، وان البعض يظن ان المشكلة في تغول القوة العسكرية في حين ان الأزمة في حقيقتها عجز القوى السياسية عن أداء واجبها».
واشار إلى ان هذا العجز لا يختلف سواء كانت تلك القوى مختلفة أو مؤتلفة! وطالما انها لم ولا تريد ان ترتقي لمستوى التغيير ولمستوى عمل سياسي ومدني في القرن الحادي والعشرين وتريد ان تعمل بذات عقلية القرن التاسع عشر، فانها ستختلف مجددا بعد اتفاقها هذا لأن بنيتها تدعم الخلاف وهي تنتعش في أجواء الانقسامات والانشطارات ولا تنتعش في ظل أجواء صحية لأنها تواجه بالتحديات العملية التي هي غير مجهزة لها إنما مهيئة للتحديات النظرية في ظل وضع قابل لكل نظرية!

إصلاحات راديكالية

لذلك فإن التوقيع على إعلان سياسي جديد ليس له قيمة في ذاته (التوقيع)، وتوافق أكبر كتلة ليس له معنى أو مغزى كبير، لأن العبرة بالخواتيم وقبل ذلك بصمود المتوافقين، أما التحديات السياسية والعقبات والمحكات العملية.. فتاريخ العمل السياسي والتحالفات السياسية والعمل الجبهوي في السودان يعلمنا ان انفراط عقد أي تحالف هو مسألة وقت ليس إلا؛ وانها لا تصمد إلا في أوضاع الجمود والتصلب السياسي، لكن ومع أول حراك فإن المواقف تفترق.
حدوث اختراق في هذا الوضع رهين فقط بقيام القوى السياسية والمنظمات المدنية بإجراء إصلاحات راديكالية لا تستثني الوجوه ولا الآليات ولا قواعد العمل وبدون ذلك ستدور عضويتها حولها كثيران السواقي وكجمال العصارة ومن دون أي خلاصة أو منفعة!
وبالنسبة للقيادي في تجمع المهنيين السودانيين محمد ناجي الأصم، فإن الإعلان السياسي يعد خطوة في سبيل عودة القوى المدنية إلى المشهد وذلك من خلال العودة إلى الملفات التي تعتبر من صميم عمل القوى المدنية والتي تم الابتعاد عنها مؤخرا ابان فترة التشظي التي طالت تلك القوى السياسية والفراغ الناجم عن ذلك. وقال الأصم لـ«القدس العربي» إن الإعلان السياسي سيساهم بصورة في تحسين التقدم في ملفات الانتقال بتسريع وتيرة الاتفاق السياسي والعمل على حشد ومخاطبة الجماهير بصوت واحد وموحد.
ويرى قادة تحالف قوى الحرية والتغيير أن الاختلافات في وجهات النظر ضرورية، وتعبّر عن محمولات فكرية مختلفة، لذا هي طبيعية. إلا أن نفس القادة لم تنقطع رسائلهم بضرورة أن يستعيد المكون العريض زمام المبادرة مرة أخرى، وأن يعود أكثر هيبة وقدرة على مواجهة تحديات فترة الانتقال. وحتى الأعضاء السابقين في التحالف، قالوا إن عودتهم ممكنة، لكنهم وضعوا شروطاً، يرون أنها قد تصحح من مسار قوى الحرية والتغيير.
وكان الحزب الشيوعي أعلن عن خروجه من كل التحالفات السياسية التي جمعته قبل سقوط النظام السابق، وبرر خروجه بما اسماه انحراف الحرية والتغيير عن مسارات البرنامج المعلن في كانون الثاني/يناير 2019 وبرزت مطالبات بعودته إلى الحاضنة أبرزها الدعوة التي وجهها حزب الأمة إلى الشيوعي، وبالنسبة للحزب الشيوعي وحسب ناطقه الرسمي، فإن قضيته ليست في الهيكلة أو عقد مؤتمر عام لانتخاب مجلس مركزي، إنما تنفيذ ما تم الاتفاق عليه قبل سقوط النظام السابق.
وقال الناطق الرسمي باسم الحزب الشيوعي فتحي الفضل لـ«القدس العربي» إن الإعلان السياسي الأخير هو بمثابة لملمة ما تبقى من الحرية والتغيير وقد يكون مدخلا لتحالف جديد بين الأحزاب الموقعة على الإعلان. ويرى الفضل ان الإعلان السياسي لن يكون مخرجا لسيطرة العسكريين داخل حكومة الفترة الانتقالية، وشدد على ان المكون العسكري باسط سيطرتة الكاملة على كل مفاصل حكومة الفترة الانتقالية، وان القوى المدنية عاجزة وخاضعة، وأشار إلى للإملاءات التي حدثت بين قيادات في الحرية والتغيير مع قيادات إماراتية. مشيرا إلى انها هي التي سمحت بسيطرة العسكريين على الحكم والإمساك بملف العلاقات الخارجية والذي نتجت عنه المباحثات مع الإسرائيليين. وقطع الفضل بان الملف الاقتصادي ظل تحت قبضة العسكريين وبموافقة وإذعان الجانب المدني ولن تتم أي محاولات لفك هذه القبضة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية