الحرب الأبدية في اليمن: هل حنث بايدن بوعده أم اكتشف تعقيدها وكثرة اللاعبين فيها؟

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

في شباط/فبراير ألقى الرئيس جوزيف (جوي) بايدن خطابه الأول عن السياسة الخارجية وقدم فيه تعهدا بوقف الحرب المدمرة في اليمن، وبعد ثمانية أشهر تقريبا على ذلك الخطاب لا يزال اليمن يعيش دوامة الحرب والجوع والحصار والإقتتال الداخلي، مما يطرح أسئلة حول دبلوماسية بايدن وقدرتها على التأثير.
وقد اختفى اليمن من عناوين الأخبار لكن جوع سكانه لا يزال يشغل بال الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية التي تحذر من كارثة تحل بالناس. واللافت في الأمر أن اختيار بايدن اليمن في أول خطاب هام له عن السياسة الخارجية كان تعبيرا عن تحول في الموقف الأمريكي من حرب تواطأت فيها عندما كان نائبا للرئيس باراك أوباما الذي اعتقد أن بإمكانه دعم الحملة التي قادتها السعودية ضد المتمردين الحوثيين الذين احتلوا العاصمة صنعاء لترضيتها وحلفاءها في منطقة الخليج كي تسكت أو تدعم اتفاقيته النووية مع إيران التي وقعت في نفس العام الذي شن فيه التحالف السعودي حربه على اليمن، أي عام 2015.
كما واعتبر تعهد بايدن تحولا في المسار عن سياسة دونالد ترامب الذي لم يخف دعمه للسعوديين والإماراتيين، بل واستخدام الفيتو لمنع المحاولات في الكونغرس لوقف التورط الأمريكي في الحرب. ولهذا كان قراره منح الأولوية لليمن وتعيينه مبعوثا خاصا له لوقف الحرب فيه، بالإضافة إلى عكس قرار متأخر اتخذته إدارة ترامب في أيامها الأخيرة بتصنيف الحركة الحوثية إرهابية مدعاة للأمل بأن دبلوماسية قوية من الولايات المتحدة قد تعطي فرصة لتسوية سلمية لحرب دمرت اليمن وشردت أهله.

الحرب مستمرة

ولم يتغير الوضع منذ خطابه ومن غير المحتمل تغيره كما جاء في مقاربة نشرتها أن شيلاين من معهد كوينسي مع بروس ريدل المحلل الأمني في موقع «بروكينغز» (16/9/2021) حيث قالا إن تصريح بايدن «سنكثف دبلوماسيتنا لوقف الحرب في اليمن» ربما خانته السذاجة حول الأثر الذي يمكن أن تحققه الولايات المتحدة على الواقع «فمن المحتمل استمرار الحرب، مهما فعلت واشنطن». وأشارا إلى عدة عوامل تدفع بهذا المسار: اقتصاد الحرب المربح، وتدفق الدعم والمصادر من الداعمين الأجانب وغياب حوافز التفاوض مما يدفع المتحاربين وهم كثر على مواصلة القتال بدون اكتراث بمعاناة اليمنيين. ويعتقد الكاتبان أن بايدن الذي خرج من كارثة أفغانستان بفوضى علمت رئاسته وحتى النهاية، وإن لم يكن قادرا على وقف الحرب في اليمن فيمكنه إنهاء التواطؤ الأمريكي فيها. وكشف الكاتبان عن عيوب قاتلة في نهج بايدن من الحرب، فقد أكد الرئيس بأنه «سيوقف الدعم الأمريكي للهجمات في اليمن» لكن الحرب التي تقودها السعودية هي عملية هجومية، فهي تقوم بقصف وحصار دولة أخرى وقامت في الفترة ما بين آذار/مارس 2015 وتموز/يوليو 2021 بـ 23.251 غارة تقريبا قتلت 18.616 مدنيا. وشن الحوثيون هجمات انتقامية ضد الأراضي السعودية، ولو أوقف التحالف السعودي غاراته فسيفقدون مبرر إطلاق صواريخ ومسيرات ضد السعودية. ويقول الكاتبان «طالما بقيت الولايات المتحدة تدعم حرب الإختيار السعودية ماديا ومعنويا فتأكيد بايدن بأن الولايات المتحدة قادرة على وقف الدعم للعمليات الهجومية هو أكذوبة».

لم ينته الحصار

وكشف الكاتبان عن عيب ثان في نهج بايدن من اليمن، وهو أنه لم يدع وبشكل فوري لإنهاء الحصار الذي فرضه السعوديون على اليمن. ويمنع الحصار وصول الوقود إلى المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون، وكذا الطيران من مطار صنعاء الدولي، ولا يمكن اعتبار الحصار عملية دفاعية بل هجومية، وعليه كان من اللازم وقف التورط الأمريكي بعد إعلان بايدن في شباط/فبراير. مع أن الولايات المتحدة دعمت وبشكل تكتيكي الحصار، واعلنت في مناسبات عن اعتراض البحرية الأمريكية شحنات أسلحة إيرانية، ما يؤشر لدور نشط أكثر مما تعترف به الإدارة، وعلى الكونغرس التحقيق في الأمر كما يقولان. ويتحمل السعوديون والحوثيون مسؤولية الحصار، فكلاهما استخدم التجويع كسلاح، وعدم مطالبة بايدن بوقف الحصار، فهو لم يسهم فقط بالكارثة الإنسانية بل واعتبر الحصار شرطا مناسبا للتفاوض. وفي الوقت الذي يتفاوض فيه الدبلوماسيون يسهم الحصار الذي فرضه التحالف السعودي بتجويع اليمنيين وحرمانهم من الوقود ووسائل النقل الضرورية لنقل المياه والطعام. ومن الناحية الفنية فالحرب السعودية ضد اليمن تعكس رغبات الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي الذي فر بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء، وبعد فترة قصيرة في عدن فر بالسفينة إلى السعودية حيث لا يزال هناك. وطلب هادي من السعوديين التدخل والذي دعم بقرار مجلس الأمن الدولي 2216 عام 2015 وهو قرار يدعم التدخل السعودي: القصف الجوي والحصار كوسيلة لإعادة هادي إلى صنعاء باعتباره الرئيس المعترف به دوليا. ويعلق الكاتبان أن هادي رغم تحمله المسؤولية لفساده وجهوده لإفشال محاولات حل النزاع إلا أنه لا يسيطر على السعوديين. فالرياض تستخدم هادي وقرار 2216 الصادر عن الأمم المتحدة كذريعة لشن حرب على الحوثيين الذين تخشى من علاقاتهم مع إيران. لكن ما فعله التحالف السعودي هو أنه ساهم في توطيد الحوثيين سيطرتهم على المناطق التي دخلوها. وأسهمت الآليات التي وضعتها الأمم المتحدة في عام 2015 «آلية التثبت والفحص» للتأكد من عدم احتواء المواد المستورة من اليمن على أسلحة إيرانية، بعرقلة عمليات نقل الوقود من ميناء الحديدية الذي لم يشحن منه وقود في 11 من 17 اسبوعا منذ بداية أيار/مايو 2021. وقاد هذا إلى تهريب الوقود من موانئ عدن والمكلا، حيث تقود حكومة هادي باقتطاع الضريبة عنه، بالإضافة لضريبة اخرى يقتطعها الحوثيون بعد نقله بالشاحنات برا مما يزيد من أسعاره بشكل لا يمكن للناس العاديين الحصول عليه. ويزيد هذا من أسعار المياه والغذاء التي تعتمد على الوقود. كما لا تتمكن المنظمات الإنسانية التي تفتقر للمال من العمل بدون وقود، ولا ننسى الاقتصاد اليمني الذي يفتقر إلى الوقود لتشغيل عملياته. وتقوم استراتيجية التجويع والحصار على فرضية خاطئة: لو عانى السكان الخاضعون للحوثيين فإنهم سينتفضون ويطيحون بهم. وثبت خطأ هذه الفرضية في فنزويلا من15 عاما وإيران منذ 40 عاما وكوبا من 60 عاما وغزة منذ 14 عاما. وترك الحصار أثاره على الوضع الإنساني في اليمن، وحذر المبعوث الأممي الذي أنهى مهمته مارتن غريفيث في آخر إيجاز له لمجلس الأمن من «المجاعة لا تتعلق بمشكلة الطعام ولكنها عرض عن انهيار أعمق».

لا تقدم

ولم يستطع غريفيث تحقيق تقدم في ملف المفاوضات أثناء فترته ولا يعرف ما يمكن أن يحققه خليفته هانز غراندبيرغ في ظل الشروط غير الواقعية التي وضعها قرار مجلس الامن 2216. وحاولت عمان التوصل لوقف إطلاق نار في حزيران/يونيو لكن لم يحدث أي شيء عملي، وليس لدى المبعوث الأمريكي الخاص لليمن، تيموتي ليندركينغ ما يقدمه رغم رحلات المتعددة للمنطقة. والسبب الرئيسي لغياب التقدم في المسار الدبلوماسي، هو أن إدارة بايدن وإن كانت ملتزمة بالخيار الدبلوماسي لا تزال من الناحية العملية تدعم الموقف السعودي. ولم ينفذ بايدن توعده ضد السعوديين أثناء حملته الانتخابية ومدح وزير الخارجية أنطوني بلينكن، الإعلان السعودي من طرف واحد لوقف إطلاق النار والذي رفضه الحوثيون، فليس لديهم استعداد للتنازل عن أسلحتهم والمناطق التي سيطروا عليها، ولا يوجد أي سبب يدفعهم للموافقة على هذا المقترح لاعتقادهم أنهم ينتصرون. ويعكس الموقف الأمريكي المتناقض من الحرب وعدم ارتياحهم من الحوثيين وعلاقتهم مع إيران، لكن هؤلاء ليسوا في النهاية دمى في يد طهران ولن يتخلوا عن محاولاتهم السيطرة على اليمن حتى لو أوقف الإيرانيون دعمهم. ومن هنا فالطريق للتسوية لا يمكن أن يتم بناء على الشروط التي حددها قرار 2216 ولا الظروف الحالية التي عزز فيها الحوثيون من سيطرتهم على العاصمة صنعاء وشمال وغرب البلاد. ولكي تنجح مهمة بايدن الدبلوماسية فعليه أولا المطالبة برفع الحصار المفروض على اليمن ومن ثم الطلب من بريطانيا وهي حاملة القلم في مجلس الأمن بإعداد صيغة قرار جديد بشأن اليمن يتضمن حوافز تدفع الحوثيين إلى طاولة المفاوضات.

بين طالبان والحوثيين

ولو عنى القرار الجديد بقاء شمال اليمن في أيديهم فهو يعكس الواقع لأنهم يسيطرون بالفعل على الشمال. ولو قارنا اليمن بأفغانستان، فقد ظلت طالبان تسيطر على جنوب البلاد، وحصلت على شرعية قتالها القوات الأجنبية. وبالمقارنة سيقول الحوثيون أنهم يواجهون عدوانا تقوده السعودية ضد بلدهم. وفي النهاية لا يريد المواطنون العاديون في اليمن مثل أفغانستان إلا توقف العنف. ومثل طالبان حول الحوثيون مطالبهم إلى قضية وطنية، وهم يقاتلون على أرضهم مثل طالبان برغم ما يملكه السعوديون والأمريكيون من عتاد عسكري متقدم. ولا تتوقف المقاربة عند هذا الحد، ففي أفغانستان انهارت حكومة أشرف غني قبل أن تخرج القوات الأمريكية وانهار معها الجيش وقوات الأمن، وفر غني إلى الإمارات العربية المتحدة. وفي الحالة اليمنية، فر هادي عام 2015 ويعيش في السعودية اليوم، ورغم ما تحظى به حكومته من مظهر اعتراف دولي إلا أنها تعاني من الفساد وفقدت الكثير من المناطق التي كانت تحت سيطرتها ولا شرعية واسعة لها، فهي تواجه تحدي الجنوب الذي يطالب بالانفصال والمدعوم من الإمارات التي تسيطر على الموانئ الحيوية في الجنوب، وحتى السعودية عززت من وجودها في المهرة في جنوب- شرق اليمن، مما يطرح أسئلة حول قدرة هادي على استعادة سيطرته على بلد بات نهبا للمتحاربين وأطماع الجيران. وفي منطق بايدن عن الحروب الأبدية «لا أستطيع ولن أطلب من قواتنا مواصلة القتال في حرب أهلية لا تنتهي ببلد آخر» وسحب في النهاية القوات من أفغانستان، فعليه عمل نفس الأمر وينهي التورط الأمريكي في اليمن.

مدخل جديد

وسيتحمل بايدن مسؤولية كلامه من أن الحرب في اليمن تسببت «بكارثة إنسانية واستراتيجية» ولم تنته الكارثة بعد بل وزاد الحوثيون من جهودهم للسيطرة على محافظة النفط مأرب والتي تعد آخر معقل لحكومة هادي في الشمال. ويضاف لويلات اليمن فيروس كورونا حيث تقوم منظمات الإغاثة الدولية أن حالات الإصابة المعلن عنها أقل من العدد الحقيقي.
وفي مقالة نشرتها دورية «فورين أفيرز» (19/8/2021) ناقشا فيها كل من مايكل وحيد حنا وبيتر سالزبري أن تعيين غراندبيرغ مبعوثا جديدا مدعاة للأمل ودافعا للمجتمع الدولي لإعادة التفكير بنهج وضع حد للحرب. وقبل هذا على الولايات المتحدة والأمم المتحدة وبقية الدول إعادة النظر في فهمها للحرب، فهي أعقد مما يتم تصويرها في الخارج، وليست حربا بين قوتين تدعمهما إيران والسعودية، بل هي نزاع داخلي يثير الدوار نظرا لتعدد اللاعبين فيه. وبدلا من التركيز على حل سريع للأزمة يجب على المجتمع الدولي البحث عن حل متعدد. وبعيدا عن الطبيعة الأولى للنزاع الذي بدا بتحالف غريب بين الحوثيين في الشمال والقوى الداعمة للرئيس السابق علي عبد الله صالح إلا أن هروب هادي وما تبع ذلك من تدخل إقليمي ودعم أمريكي ودولي للحرب السعودية أعطى النزاع بعده الداخلي. فالقوى المشاركة تبحث عن مصالحها وحماية مناطقها أكثر من دعمها لعودة هادي. وحتى الإمارات والسعودية وإيران لا تتحكم بكل تحرك يقوم به حلفاؤها على الأرض. وأي اتفاق بين هادي والحوثيين لن ينهي إلا القتال ولن يوقف النزاع على السلطة والمناطق في اليمن. ورسم صورة للجماعات التي تقاتل تحت مظلة مواجهة الحوثيين لكنها متنافرة في مطالبها تدعو على الدهشة، ففي منطقة البحر الأحمر مثلا يقاتل الحوثيون طارق صالح ابن أخ علي صالح والذي تدعمه الإمارات. ويقاتلون أيضا سلفيين تدعمهم السعودية وأحيانا يواجهون قوى تابعة للمجلس الجنوبي الانتقالي المدعوم من الإمارات. وتخوض الجماعات هذه حروبها الداخلية، فقد سيطر المجلس الانتقالي على عدن ومحافظتين تابعتين للحكومة. وفي تعز مثلا يدافع المقاتلون عنها ضد الحوثيين ويخوضون حربا ضد جماعات محلية تدعمها الإمارات. وإزاء هذا الوضع المعقد يواصل المجتمع الدولي التعامل مع النزاع بطريقة مبسطة، فواشنطن مثلا موزعة بين الصقور الداعين لدعم الحكومة في مأرب وكسر ظهر الحوثيين ومن يرون أن استراتيجية بايدن كافية ويؤطرون الوضع باعتباره حربا بين الحوثيين والسعودية الخاسرة. ويرون ان إخراج الرياض من المعادلة يعني نقل المواجهة إلى داخل اليمن، أي بين الحوثيين المنتصرين وبقية الجماعات المتصارعة. ولا أحد يريد تعميق التورط الأمريكي في الحرب كما أن الدبلوماسية الأمريكية لا تزال قاصرة لأنها تتعامل مع النزاع من منظور ثنائي، ولا أحد على ما يبدو مستعد للتنازل. وفي النهاية هناك حاجة لتوسيع طاولة المفاوضات والإستماع لكل الأطراف وعدم قصره على الحوثيين والسعودية وحكومة هادي.
الصورة: مقاتلو المجلس الانفصالي في ابين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية