القاهرة ـ «القدس العربي»: قدر من الشجاعة المفرطة انتابت كتاب صحف القاهرة على غير العادة يومي السبت والأحد 18 و19 سبتمبر/أيلول، فأعادت للذاكرة زمن عنفوان “صاحبة الجلالة” حينما كانت تتكلم فيسمع لها وتأمر فتطاع.. استرد عدد من الكتاب تلك الروح تقريبا للحد الذي دفع البعض للوثوق بما تعهدت به السلطة، من عزمها تنفيذ ما جاء في خطاب الرئيس السيسي مؤخرا، خلال طرحه لوثيقة حقوق الإنسان.. وبين أمل يراود الكثيرين بإعادة الحياة للمهنة التي يرى أكثر اهلها أنها شيعت لمثواها الأخير منذ أعوام.
وعادت قضية سد الخراب الإثيوبي تفرض نفسها من جديد، خاصة بعد البيان الأخير الصادر عن مجلس الأمن الذي ما زال يصفق له الكتاب الموالون للسلطة. ومن أبرز تقارير الصحف أمس: أطلقت مؤسسة الأزهر الشريف بقيادة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، حملة توعية ضد الانتحار تحت مسمى لا تيأس لا للانتحار. ونشرت مؤسسة الأزهر الشريف منشورا كتبت فيه: مهما تراكمَت الشدائد على نفسك، وتراكمت الظلماءُ في طرقك، وشعرت بضيقٍ شديدٍ، وأحسست بأن اليأس تملكك ويأكل بقايا الأمل في روحك؛ أَبشر بفرج الله إليك. وتابعت: واحذر من اليأس؛ فاليأس والقنوط استصغارٌ لسعة رحمة الله عز وجل ومغفرته، وذلك ذنب عظيم، وتضييق لفضاء جوده. مذيلة منشورها بهاشتاغ لا تيأس، وهاشتاغ لا للانتحار. ومن التقارير المعنية بالصحة: أعلنت الدكتورة هالة زايد وزيرة الصحة والسكان، عن إجراء المسح السمعى لمليونين و18 ألف طفل حديث الولادة، ضمن مبادرة الرئيس عبدالفتاح السيسى، للاكتشاف المبكر وعلاج ضعف وفقدان السمع للأطفال حديثي الولادة، منذ انطلاق المبادرة في شهر سبتمبر/أيلول 2019.. ومن التقارير الأمنية: قامت لجنة من قطاع حقوق الإنسان في وزارة الداخلية، بالمرور على المواقع الشرطية والخدمية في نطاق «مديرية أمن السويس»، للتأكيد على تقديم الخدمات الشرطية للمواطنين في سهولة ويسر، والعمل على الارتقاء بالمواقع الخدمية وتطويرها في القطاعات الأمنية كافة.
ومن أخبار العاصمة: شهدت المنطقة الجنوبية إزالة 632 عقارا من أصل 1608عقارات، في عزبة أبو قرن وتسكين 1275 أسرة في مدينة «معا».. ومن أخبار المنوعات شهد قرية «أم خنان» في محافظة الجيزة، خطبة طفلين. العريس وعروسته لا يتعدى سنهما الـ 12 عاما، ورغم ذلك قررت العائلتان الاحتفال بخطبة طفليهما وسط حضور الكثير من أطفال المعازيم، حيث أضيئت الأنور وارتفعت أصوات الأغاني احتفالا بهذه الخطوبة.. لم تمر 24 ساعة على احتفال العروسين بخطبتهما إلا واحتجز قسم شرطة الحوامدية والد العروس الطفلة، حيث احتجز القسم الأب، بسبب الاحتفال بخطبة أطفال قصّر، دون سن الزواج.
قليل من الرحمة
قال رامي جلال في “المصري اليوم”، المفترض أن الحبس الاحتياطى هو إجراء قانوني يضمن التحفظ على المتهم في مكان آمن لحين الفصل في الاتهامات المنسوبة إليه، وضمانا لعدم العبث بأدلة القضية أو التأثير في شهود الواقعة أو الإضرار بالمجتمع. ومفترض كذلك أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، لكن جوهر الحبس الاحتياطي بشكله التقليدي (الإيداع في السجن) هو عقوبة وسلب للحرية، بدليل أنه يُخصم لاحقا من عقوبة السجن النهائية التي يحصل عليها المتهم إذا أُدين. والمبدأ الراسخ هو أنه لا يضير العدالة إفلات مجرم من العقاب، بقدر ما يضيرها الافتئات على حريات الناس. وبناء عليه، فإن المغالاة في استخدام عصا الحبس الاحتياطى تحولها إلى عقوبة خالصة. من المهم أن تكون مدد الحبس الاحتياطي غير مفتوحة وغير طويلة، بل لها سقف زمني محدد، أقترح ألا يتخطى في كل الأحوال عاما واحدا. (القانون الحالى يحدد المدد الزمنية لهذا الحبس تبعا للجنحة أو الجناية، ونطالب بتخفيض كل هذه المدد، وإلغاء أي استثناءات تتيح زيادتها). لماذا لا نستخدم فكرة السوار الإلكترونى، بدلا من تحمل تكلفة وضع المتهمين في السجون، فضلا عن تدميرهم وأسرهم نفسيا، وهم لا يزالون متهمين. وثالث النقاط اقترح الكاتب أن تدفع الدولة مبالغ مالية عن كل يوم يقضيه أي مواطن في السجن، على سبيل الحبس الاحتياطي، إذا تمت تبرئة ساحته في نهاية محاكمته، وأن تلتزم الدولة بدفع مقابل مادي عن اليوم الواحد (في حالة السجن فحسب). ومن المهم حساب النسبة بين المتهمين ممن حُبسوا احتياطيا، وهؤلاء الممكن تمت تبرئتهم، على أن تترتب على ذلك مسؤولية تتحملها الجهة المختصة، التي غالت في استخدام الحبس الاحتياطي وشغلت الجهاز القضائي بهذا الكم من القضايا التي تنتهي بالبراءة. مشكلة الحبس الاحتياطى في مصر واضحة وضوح شمس أغسطس/آب في سماء القاهرة، فما الذي يؤخرنا عن التعاطى الجاد معها؟
لا نريد تجاربكم
من بين أكثر الناقمين على واشنطن ياسر رزق في “أخبار اليوم”: نحن مستعدون لتلقي دروس من الولايات المتحدة، في العلم، والاقتصاد، والتصنيع، والزراعة المتطورة، وغيرها لكننا نستأذنهم في ألا يلقوا علينا محاضرات في حقوق الإنسان بالذات.. نذكرهم فقط بأننا أول من وضع قانونا لحماية حقوق الإنسان قبل 5300 عام، حينما كانت الولايات المتحدة من قبيل العدم.. وندعوهم إلى قراءة تاريخهم الحديث جدا والمعاصر، والاطلاع على سجلهم الذي لا يمكن محوه في شأن حقوق الإنسان في أمريكا وفي العالم.. لا نرغب أبدا في نقل التجارب الأمريكية في مجال حقوق الإنسان على مدار تاريخ الولايات قبل أن تتحد، وحتى الآن. فتلك التجارب مفزعة ومريرة، ويندى لها جبين الإنسانية. لاسيما إزاء قيم المواطنة والمساواة ونبذ العنصرية والتمييز بين المواطنين، وتجاه أبسط مبادئ القانون الدولى التي تحظر العدوان على الدول، واغتيال قادتها وانتهاك سيادتها والتدخل في شؤونها ونهب ثرواتها وقتل المدنيين العزل. لست أحاكم التاريخ الأمريكي في إبادة الأمريكيين الأصليين «الهنود الحمر» بدعوى التوسع العمراني، ولا في خطف الأفارقة واستجلابهم عبيدا للسيد الأمريكي الأبيض، للعمل سخرة في مزارع القطن وفي تعبيد الطرق ومد السكك الحديدية وإنشاء السدود، وكخدم أرقاء بلا حقوق في المنازل. ولست أحاكم بأثر رجعى سياسة الفصل العنصري التي انتهجتها الولايات المتحدة بين البيض «القوقازيين» والسود «الزنوج والملونين على حد الوصف الأمريكي» حتى 50 عاما مضت، والتى مورست في كل مكان في الجنوب الأمريكي في المحال العامة والمواصلات وحتى دورات المياه. الأكثر من ذلك أن السود لم يحصلوا على حقهم في التصويت في الانتخابات المنصوص عليه في التعديل الدستوري لعام 1870، لما يقرب من قرن من الزمان في معظم ولايات الجنوب.
كي لا ينفجروا
يرى الدكتور محمد حسن البنا في “الأخبار” أنه لا يصح أن تكون تكلفة استخراج شهادة ميلاد، بشكل عاجل لرجل أعمال بالرسوم نفسها التي يدفعها الفقير أو العامل أو الفلاح. وهذا النظام تنفذه باقتدار وزارة الداخلية في بعض الخدمات. كما تنفذه أيضا وزارة العدل، في مصلحة الشهر العقاري. هذا النظام يمثل العدل إلى حد ما. لكن هناك خدمات لا يصح أن تطبق فيها مثل هذه الخدمات، مثلا، الإسعاف، النجدة، التعليم العام، لماذا؟ لأن الدستور نص على المساواة أمام القانون، وأمام الخدمات الحكومية المهمة والخطيرة. طالما أدفع الضرائب، وأقوم بكل التزاماتى تجاه الدولة. من حقي أن أحصل على الخدمات العامة بتكلفتها الحقيقية. من هنا فإن المغالاة في فرض رسوم مبالغ فيها يجب أن تتوقف. لقد أصبحت مثل الحمى في بعض الجهات. كان رسم بنك التعمير والإسكان السنوي 20 جنيها فجأة أصبح 100 جنيه. وهذه شكوى المواطنة نورة إبراهيم حسين من القاهرة، تقول، تعليقا على مقالك الأسبوع الماضي عن الخدمات، مقال حضرتك قلّب علىيّ المواجع، وحبيت أضيف إلى ما ورد في مقالك من حصول أكثر الجهات على مصاريف ليس لها أي داع، والمغالاة فيها دون أي سبب غير طحن المواطن ماديا، والحكاية أن لي خزينة في البنك المتحد فرع الكوربة أول إيجار لها كان 45 جنيها في السنة، والآن بعد زيادة سعر الإيجار بـ 1000 جنيه. وذهبت للبنك أعمل توكيلا لزوجي لتمكينه من فتح الخزنة. وله توكيل على الحساب فوجئت بالموظفة تعطيني ورقة فلوسكاب بسطرين وكلمتين، الاسم والتوقيع وتبلغني بالتوجه لدفع مبلغ 145 جنيها ثمن التوكيل، يعني ثمن ورقة بجنيه أو أقل مئة وخمسة وأربعين جنيها، طبعا اتحرق دمي ولغيت طلبي، طبعا ده غير سحب مصاريف كتير طول السنة من الحساب تحت مسمى مصاريف بنكية الاستغلال.
حياة أو موت
مرة أخرى نعود لقضية السد الإثيوبي، بصحبة محمد أمين في “المصري اليوم”: يسميه الأشقاء سد النهضة، ونسميه سد الخراب.. ونقرأ أخبارا عن عودة التفاوض برعاية افريقية، وأن مجلس الأمن يدعو الاتحاد الافريقي لسماع الأطراف المعنية بالسد كافة، باعتبار مجلس الأمن لا علاقة له بقصة الأنهار ولا توزيع المياه حول العالم. وتظهر على السطح من جديد جولات مكوكية للتفاوض حول السد الإثيوبي.. ونقرأ عن احتجاج السودان على البيانات الفنية التي زودتها بها إثيوبيا بقواعد ملء وتشغيل السد.. وهو ما يعني أن السودان اتفق ضمنيا على أن يلتزم بما ترسله له إثيوبيا من بيانات، وأنه لا يثق في هذه البيانات والمعلومات غير الدقيقة، وهو ما يخالف المبادئ الأساسية للقانون الدولي. أما أبلغ تعليق اطلع عليه محمد أمين فهو من مندوب مصر الدائم في الأمم المتحدة، الذي قال إن الحق في الحياة يعلو ويسمو على الحق في التنمية، نحن لسنا ضد حق الشعب الإثيوبي في التنمية، ولكن ندافع عن حق مصر في الحياة.. وهي رسالة موجزة وبليغة.. تلخص القضية كلها.. فالحق في الحياة غير الحق في التنمية.. هذا يريد أن يشرب وهذا يريد أن يستخرج طاقة كهرومائية، لها بدائل كثيرة يمكن الحصول عليها منها.
سينصلح الحال
يرى محمد أمين أن مصر وإن كانت قد أخذت استراحة محارب فلا يعني هذا أنها قبلت بالأمر الواقع، أو نسيت المشكلة وتركت الأمور تجري في أعنتها.. فهذا غير صحيح بدليل أن الأيام الماضية شهدت مباحثات بين مصر وسلوفينيا حول سد النهضة، وشهدت مباحثات أيضا بين مصر وإسرائيل في لقاء الرئيس ورئيس الوزراء الإسرائيلي حول سد النهضة، باعتباره قضية حياة أو موت. فلا السودان أهمل القضية ولا سلّم بالأمر الواقع، ولا مصر فعلت ذلك، ولكنها ما زالت تبحث الحلول الدبلوماسية وتسعى للحلول أمميا وافريقيا.. والحق أن إثيوبيا لم تتجاهل الأمر ولا المساعي المصرية، ولا استقبال الإشارات الأممية بضرورة تهيئة مناخ جيد للتفاوض برعاية افريقية.. فهى مستعدة طوال الوقت للتفاوض.. ولكنه تفاوض بلا سقف وبلا نتائج. لاحظ أن إثيوبيا تنشر أخبارا على صفحة منسوبة لها تعلن الشماتة في مصر لأتفه الأسباب، ما يعني أنها في حالة حرب نفسية، وليس في حالة بناء ولا نهضة ولا تنمية.. فقد كانت أول دولة تنشر عن تخفيض المعونات العسكرية لمصر.. بسبب ملف حقوق الإنسان، وهو موقف يحمل من المكايدة للدولة المصرية والعدوانية الشيء الكثير.. ويؤكد أنها لا تسعى للبناء ولا التنمية، كما أكدت مصر كثيرا استراتيجتها للنهضة في جميع دول حوض النيل. مصر لا يمكن أن تسلّم بسياسة الأمر الواقع.. لا اليوم ولا غدا…لا هي ولا السودان بالطبع.. وليس في هذا دعوة للتحرك ضد إثيوبيا في أي محفل دولي.. سنبقى أشقاء في حوض النيل، وستذهب سياسة أبي أحمد وانتخاباته إلى الجحيم، وينصلح حال البلاد والعباد.
لنا أم علينا؟
هل البيان الرئاسي الصادر من مجلس الأمن مؤخرا بشأن قضية سد النهضة مفيد لنا أم لا؟ رأي عماد الدين حسين في “الشروق”: الإجابة ملتبسة وغامضة ويمكن لكل طرف أن يفسره لصالحه. البيان يمكن أن يكون مفيدا لنا، بالنظر إلى الظروف الراهنة والمتاحة، ولأنه لا يوجد بديل آخر مطروح للمفاوضات في اللحظة الراهنة. سؤال آخر: هل البيان كاف وملزم لإثيوبيا كي تتوقف عن تعنتها ومراوغتها وتحديها وبلطجتها؟ الإجابة هي: لا، للأسف الشديد، لأن صيغة البيان مطاطة وتعطي كل طرف أن يفسرها كما يشاء، خصوصا أنه بيان وليس قرارا. وبما أننا نخوض صراعا سياسيا مع إثيوبيا منذ عشر سنوات، فإن ما حدث في مجلس الأمن يعتبر «معقولا» إلى حد كبير، لكنه ليس ما كنا نطمح إليه. من وجهة نظر مصر فإن «البيان» يشجع على استئناف المفاوضات فورا، والوصول لاتفاق قانوني خلال فترة زمنية معقولة، ويمثل دفعة للجهود المبذولة لإنجاح المسار التفاوضى الافريقي وهو ما يفرض على إثيوبيا الانخراط بجدية وإرادة سياسية صادقة للتوصل إلى اتفاق قانوني ـ حسب تعليق وزارة الخارجية المصرية على البيان. لكن إثيوبيا قالت إنه غير ملزم قانونا، وإن المجلس اتخذ الموقف الصحيح بإعادة الملف إلى الاتحاد الافريقي، وإن مجلس الأمن ليس هو المكان المناسب، للنظر في النزاعات بشأن المياه. النقطة اللافتة للنظر في التعليق الإثيوبي على البيان هي أن إثيوبيا لن تعترف بأي مطالبات قد تثار على أساس البيان الرئاسي، بشأن قضية سد النهضة، وأظن أن هذا التعليق الإثيوبي يفسر لنا غضب وقلق أديس أبابا من البيان، رغم أنها تحاول طوال الوقت الإيحاء بأنها انتصرت في معركة مجلس الأمن. هي بالفعل حصلت على نقاط كثيرة لصالحها، لكن هناك نقاطا كثيرة ضدها، حتى لو كانت غير ملزمة، باعتبار أن هناك معركة سياسية مستمرة بينها وبين مصر منذ شروعها في بناء السد في إبريل/نيسان 2011.
نصر وهمي
اتسم عماد الدين حسين بالصراحة حينما قال: البيانات الرئاسية التي تصدر عن مجلس الأمن يتم حفظها كوثائق في الأرشيف، ويمكن العودة إليها، والبناء عليها لاحقا، في حين أن البيانات الإعلامية أقل قيمة ولا تحفظ في الأرشيف، لكن البيانات أيضا أقل بكثير من القرارات، وحتى الأخيرة مختلفة فهناك قرار يصدر عن الفصل السادس، أقل في أهميته من القرارات الصادرة بموجب الفصل السابع، والأخيرة تعطي المجلس وأعضاءه الحق في استخدام القوة لتنفيذ هذه القرارات، كما حدث مثلا حينما احتل العراق الكويت في 2 أغسطس/آب 1990. البيانات الرئاسية ليست ملزمة.. نعم، لكن لا يمكن التقليل من أثرها السياسي كما قال أستاذ القانون الدولي أيمن سلامة لـ”الشروق” مساء الأربعاء الماضي، وأن مجلس الأمن ومنذ سقوط الاتحاد السوفييتي عام 1991، توقف عن إصدار قرارات تقريبا، واستعاض عنها بالبيانات، لتجاوز الخلافات بين الأعضاء على بند أو مجموعة من البنود في أي قرار يخص قضية دولية. مرة أخرى المعارك والقضايا مثل سد النهضة طويلة الأمد، ولن تحل بقرار أو إجراء واحد في مدى زمني قصير، وتحتاج للنفس الطويل، وما حدث في مجلس الأمن خطوة يمكن أن نبني عليها للمستقبل ونعظمها، أو تتحول إلى حلقة في سلسلة من الفرص الضائعة التي تميز ملف سد النهضة منذ بدايته. للموضوعية فإن موقفنا الدولى تحسن إلى حد ما، مقارنة بما كان عليه الوضع في جلسة 8 يوليو/تموز الماضي، ما يعنى أن الدبلوماسية المصرية تمكنت من معالجة بعض الثغرات، لكن علينا أن نتذكر أن المعركة طويلة ومستمرة.
رهان على الحرية
منذ إطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، تنوعت ردود الأفعال من الأطراف المختلفة، كما قال أكرم القصاص في “اليوم السابع” فالإعلان من قبل الدولة والرئيس، يشير إلى أن هناك طرحا جادا يضع أرضية للحوار، ويربط بين الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والحقوق المدنية والرأي والتعبير، من خلال استراتيجية مصرية خالصة تنطلق من حاجات المجتمع وتبني على ما تحقق، مع إدراك لمتطلبات عملية التنمية، التي تكتمل من خلال الشفافية والمراقبة، وكلها تصب في صالح بناء الإنسان وتطوير العمل ضمن تنمية مستديمة ومستمرة. الاستراتيجية تم إعلانها بعد جهود استمرت لشهور، وشارك في المناقشات عدد من أبرز العاملين والمهتمين بحقوق الإنسان والمجتمع المدني، وظهرت آراؤهم في النسخة النهائية للاستراتيجية، وبعد صدورها أبدى عدد كبير من العاملين في المجالات الحقوقية موقفا إيجابيا، وأنه ربما خلال عامين تظهر نتائج التطبيق، ومن خلال ربط الخطوات التي تتخذها مؤسسات الدولة القانونية والقضائية، تشير إلى سياسة تدرجية لإنهاء بعض الحالات العالقة. هذا الطرح، في هذا التوقيت، كما يقول الكاتب، بدعم من الرئيس، يعني اتجاه الدولة لخطوات جديدة في ملف شديد الأهمية والتشابك، لأنه لا يتعلق بقضية واحدة، لكنه يتداخل مع الكثير من الخيوط، ويشهد تقاطعات وتداخلات تضاعف من تعقيد الأمر، وبشكل عام تمثل الاستراتيجية أرضية لحوار واسع يدعم إدارة التنوع، ويربط الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، بالحقوق السياسية وحرية الرأي والتعبير، وأيضا كانت هناك منظمات لا تهتم بحقوق الإنسان بقدر ما تنفذ أجندة الممولين، أو ترفع شعارات حقوقية، بينما تتبنى الدفاع عن التنظيمات الإرهابية، أو المحرضين على العنف، وانعكس هذا في تقارير صدرت كانت تتبنى الدفاع عن الإرهاب، وتحصل على تمويلات من ممولي الإرهاب ومنصات التحريض، وهي نقاط معروفة، وتحتاج إلى أن تكون واضحة خلال أي حوار حول مستقبل حقوق الإنسان. ثم إن النقاش الجاري يؤكد أن حريات الرأي والتعبير ترتبط أحيانا بأفكار اجتماعية، مثل الختان وزواج القاصرات وتنظيم الأسرة، لأنها لا تتعلق بالدولة بقدر ما تتعلق بالمجتمع، وتحتاج – من أجل إثارتها وتعويمها – أن تكون ضمن أجندات العمل الأهلي.
لا نريدها مسرحية
سؤال مهم بدأت به سكينة فؤاد تدبرها في “الأهرام” للقضية التي تشغل بال الكثيرين: كيف نريد أن نعيد للقاهرة وجهها الأخضر ونحن نواصل اغتيال الأشجار، إذا كان هذا جوهر استراتيجية حقوق الإنسان، فقد كان ومنذ سنوات جوهر ومحور ما كتبته من مقالات، دفاعا عن الحقوق العادلة في التعليم والصحة وحقوق المواطنة، وفرص العمل، واختيار القدرات، وكان محورا لأغلب ما كتبه كتاب محبون لبلدهم عارفون بأهمية دعم والدفاع عن استحقاقات الملايين، الذين يمثلون الظهير والأرصدة الشعبية لدولة 30/6، والذين لا تتوقف الإشادات بأدوارهم البطولية في صمود بلدهم وعبوره ما مرّ به من أزمات وتحديات، ولكن الإشادات يجب أن تتحول إلى مقومات حياة يستمتع بها الجميع، وتؤكد أنهم شركاء أصلاء في جني ثمار النجاحات، مثلما هم شركاء في تحمل ظروفها الصعبة، والانتباه إلى جراح عميقة وقديمة، أرى أنها تهدد الآمال المعقودة على رد الاعتبار باستراتيجية حقوق الإنسان، وتحتاج قرارات وسياسات بل قوانين لعلاجها ورفع آثارها على حياة المصريين. هل هناك شك في أن التعليم من أهم مقومات ترسيخ حقوق المواطنة والمساواة بين أبناء الوطن.. تؤرقني وتفزعني هذه الفروق الفلكية في نوعيات التعليم وفي نفقاته وفي مستوياته ومصادره، من يصدق أنه حتى في جامعاتنا الكبرى التي تخرج فيها، ودون تفرقة في أي ظروف أو إمكانات أفضل من أنجبت مصر ـ أذكر أنني في جامعة القاهرة ومن أوائل الثانوية العامة كنا نتقاضى مكافآت شهرية محترمة ـ أقول من يصدق أنه أصبح في جامعاتنا الكبرى تفرقة بين من يستطيع أن يدفع ومن لا يستطيع… أفهم ولا أصدق ما ينشر عن نفقات بعض الجامعات الخاصة، ولكنها تكشف ما تضخم من ثروات ورؤوس أموال خاصة، ولكن كيف يكون في رحاب جامعاتنا التي تمثل تاريخا وطنيا عظيما للتعليم الجامعي في بلدنا أقسام بمصروفات.. هل يتفق تطبيق استراتيجية حقوق الإنسان مع ما نشاهده من فروق في الدخول والرواتب، وفرص العمل ومستوياته دون مراعاة للكفاءة والإمكانات، كيف يظل يشكو أبناء مهنة إنسانية بالغة الخطورة والتأثير في المجتمع، كالمعلمين والمعلمات دخولا بالغة التواضع ومعاشات أكثر تواضعا.
الحكومة تراوغهم
خلال الأيام الماضية اشتعلت وسائل التواصل الاجتماعي حديثا عن زيادات أجور المعلمين، الذين قالوا إنهم تعرضوا لخدعة كبيرة، وإن وزارة التربية والتعليم لم تقم بتنفيذ قرار رئيس الجمهورية بزيادة رواتب المعلمين. وأخيرا كما أوضح الدكتور وجدي زين الدين في “الوفد”، خرج الوزير من صمته، وكشف حقيقة صرف رواتب المعلمين على أساس 2020، وقال الوزير إن ما تم ترديده من أنباء في هذا الشأن غير صحيح على الإطلاق، وحمّل وزارة المالية المسؤولية في ما يتعلق بعملية الصرف، وإن وزارة التعليم لا علاقة لها من قريب أو بعيد بعملية الصرف. وكان حكم قد صدر عن محكمة القضاء الإداري خاص بجميع الموظفين في الدولة وعلى رأسهم العاملون في التربية والتعليم، يفيد بصرف رواتب العاملين على أساس 2020 وإلغاء قرار الصرف على أساس 2014. والمعروف أن الرئيس عبدالفتاح السيسي كان قد أصدر قرارا في سبتمبر/أيلول العام الماضي بالتوجيه إلى زيادة بدل المعلمين، ويتم تطبيق القرار على مليون و400 ألف معلم في التربية والتعليم.. وهذا الإجراء يكلف الدولة مليارا و800 مليون جنيه. وتم صرف هذه الزيادة من فبراير/شباط الماضي. كما شمل القرار زيادة بدل حافز المعلم بنسبة 50% وتتراوح الزيادة بين 75 و125 جنيها. ويستفيد من هذه المبادرة العاملون في الأزهر الشريف. وتصل الزيادة كلها للعاملين ما بين 325 و475 جنيها طبقا لدرجات كل معلم. الحقيقة أن أجور المعلمين لا بد أن يعاد فيها النظر، لأنها مهما زادت فهي قليلة جدا، ولا بد من أن يكون المعلم مكتفيا ذاتيا من مرتبه، حتى لا يفكر في أعمال أخرى، فكثير من المعلمين، يضطر إلى الدروس الخصوصية والعمل في السناتر، وهذه العملية تزداد استفحالا يوما وراء الآخر، وهناك معلمون اضطرتهم الظروف إلى العمل سائقي تاكسيات ومنهم نقاشون ومبيضون محارة وخلافه.. هذا الأمر يحتاج إلى جدية كاملة في ضرورة زيادة رواتب المعلمين حتى نقضي على كثير من الظواهر السلبية لكثير من المعلمين.
حذارِ من غضبهم
من الناقمين على الحكومة عبد القادر شهيب في “فيتو”: سافرت في أوروبا من بلد إلى آخر ومن مدينة إلى أخرى عبر القطار، ولم أصادف أبدا أنه يفرض على المرافقين للمسافر دفع أي مبالغ لدخول محطات السكة الحديد.. بل إننى دخلت بعض محطات سكة حديد في مدن أوروبية، مثل جنيف وباريس وبروكسل وفينا وبوخارست وموسكو، للتسوق أحيانا أو لتناول الطعام في بعض الكافيهات الموجودة في هذه المحطات ولم يطالبنا أحد بدفع أي مبالغ ولو زهيدة.. لذلك لم أتفهم أسباب فرض دفع ثلاثة جنيهات على كل مُرافق للمسافر في محطات السكة الحديد لدينا. يقول المسؤولون عن السكة الحديد لدينا أن ذلك يأتي في إطار الإجراءات الاحترازية الخاصة بجائحة كورونا، لتخفيف الزحام في محطات السكة الحديد، ولتيسير وصول المسافرين إلى عربات قطاراتهم المسافرين عليها.. غير أن أي إجرءات احترازية بخصوص جائحة كورونا أو غيرها هي ذات طبيعة استثنائية، أي مؤقتة وموقوتة بانحسار موجات فيروس كورونا.. لكن المسؤولين عن السكة الحديد يقولون إن ذلك سيكون مستقبلا نهجا ثابتا ودائما بعد تركيب بوابات دخول محطات السكة الحديد على غرار ما هو معمول به في محطات المترو. صحيح أن المبلغ المقرر لدخول مرافق المسافر لمحطات السكة الحديد زهيد، لكنه مع ذلك يثير في نفوس الناس هواجس بأن الدولة تتعامل معهم بمنطق التاجر الذي يستهدف دوما الحصول على ربح، رغم إنها تمول هذه الخدمات من الضرائب التي تجمعها منهم، والتي تتطلع الحكومة لزيادتها دوما سنة بعد أخرى، ويعزز هذه الهواجس ما أثير حول استعدادنا لتصدير الكهرباء بسعر يقل عن سعر بيعه داخليا للمواطنين.. وليس من الصالح العام أن تثور مثل هذه الهواجس بين المواطنين.
نفط لمن يستحق
فى مشهد يثير الاستغراب والأسى معا، شاهد تفاصيله الدكتور أسامة الغزالي حرب على شاشة التلفزيون، كما أوضح في “الأهرام”، إذ خرج أنصار حزب الله في جنوب لبنان «نساء ورجالا وأطفالا» يصفقون ويزغردون ويلوحون بالزهور، لقوافل شاحنات المازوت «البترول» الإيراني، التي وصلت إليهم عبر الحدود السورية، بعد فترة طويلة من المعاناة والقحط البترولي في لبنان كله، كجزء من أزمته أو محنته الشاملة التي هو فيها اليوم. وهلل زعيم حزب الله حسن نصر الله مرحبا بالبترول المقبل من إيران، ووعد الشعب اللبناني ألا يبخل عليه بما أفاض به الكرم الإيراني عليه. ولكن لم يكن غريبا أيضا أن يعرب رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي عن رفضه لما تم، قائلا ـ ومعه بالطبع كل الحق – إن شاحنات الوقود الإيرانية التي أدخلها حزب الله إلى البلاد انتهاك لسيادة لبنان وبعد ساعات قليلة رست سفينة بترول عراقية في ميناء طرابلس شمال لبنان، بشكل شرعي هذه المرة، وكأن النفط قد انهمر على لبنان، حتى أن الزعيم اللبنانى المخضرم وليد جنبلاط علق ساخرا: قد يصبح لبنان دولة مصدرة للنفط من دون ترسيم، أو تنقيب، غير أنه بصرف النظر عن تلك المشاهد الفكاهية أو المأساوية، يظل لبنان الحبيب أسير المرض المزمن اللعين الذي استوطن جسده، مرض الطائفية المقيت، الذي كان دائما أهم أسباب التدخلات الخارجية في لبنان. في هذا السياق يهمني أن أذكر بكلمة الرئيس السيسي التي ألقاها باسم مصر في المؤتمر الدولي الثالث لدعم الشعب اللبناني الذي عقد بتقنية الفيديو كونفرانس في الشهر الماضي.. إن لبنان الذي كان دائما منارة للثقافة والفن والفكر، ورافدا مهما من روافد الإبداع العربي، لا يزال قادرا بعزيمة أبنائه على النهوض من الكبوة الحالية، والعودة مجددا ليكون مزدهرا وفريدا. لنكرر دائما النداء البليغ للرئيس الراحل أنور السادات: ارفعوا أيديكم عن لبنان.
نصفك الحلو
فقدت مي حمدي عزيزا عليها فاستدعت تفاصيله في “الوطن”: أن تفقد أعز أصدقائك، أن تشعر بأنك وحيد جدا، ولو كنت محاطا بكثيرين، ألا تجد من يعوضه أو يملأ خواء قلبك أو يشغل فراغا كبيرا تركه.. أن تحتاج له في مواقف بعينها وتفكر كثيرا كيف ستجتازها بدونه.. أن ترغب في الذهاب لأماكن والقيام بأشياء ولا تدري من يرافقك فيها.. أن تحدث أمور لا يدركها سواكما فلا تجد من تتبادل معه نظرة أو ضحكة خاطفة.. أن تحتاج للبوح بأشياء فلا تعرف لمن تبوح بها وهو صندوقك الأسود ومستودع أسرارك الذي كان يعرف كل شيء، فما كان عليك سوى النطق بكلمة واحدة فتصل الرسالة وينتهي الأمر، ومن يمتلك الطاقة للحكي من جديد، أن تحتاج للغضب والصراخ، فلا تجد من تصب عليه كل ذلك.. أن تشتاق لحديثكما الصامت وونسا ينسج بينكما دون كلام. ألا تجد من يتنزه معك نزهتك ذات المواصفات الخاصة، تلك النزهة المهدئة للأعصاب التي لا يتفهمها أحد، نزهة تصمتان فيها أحيانا أو تصمتان كثيرا، أو تصمتان أكثر مما تتحدثان، مستمتعين بالتواصل، دون الحاجة لبذل جهد الحديث، أو تحمل عبء الصخب، أو الاستماع للثرثرة أو الشكوى أو حتى الحكي، أو احتياج للرد أو ملء فراغ الصمت أو حمل ابتسامة مجاملة، وكأنه اتفاق ضمني بينكما أنكما تحتاجان إلى السكون أحيانا، وربما كثيرا. أن تطيل تأمل الصور، وتعيد الاستماع للرسائل الصوتية مرارا، فتبتسم في ألم على أيام جميلة قد ولّت للأبد، وتلوم نفسك على أوقات لم تستثمرها في قربه ووصاله. ألا تتوقف عن الاتصال بأهله وأن تمتلئ شغفا بأرحامه، لعلك تجد فيهم سلوى أو تتنسم فيهم رائحته، أو تلمح في عيونهم طيفا منه، أو تجد في ملامحهم قبسا من ملامحه التي اشتقت إليها كثيرا، أو لعلك تجد من يشاركك الألم، أو يبادلك الحديث عنه، بعد أن نويت ألف مرة أن تتوقف عن الحديث عنه للجميع فلم تفلح. أن يظل الطريق إلى بيته مؤلما حزينا، وأن يراودك عند الاقتراب شعوران متناقضان، أولهما سعادة وحماس للتواصل معه في أهله ومكانه، وأن تحتضنك جدران تشربت ذكرياتكما وحكاياكما وضحكاتكما فترتشف منها لعلها تروي ظمأك له.