‘
، فإن ولاءه لسيده’.. مثل صيني يذكرني برواية صغيرة تدور في ذهني لكنني لا اذكر أين ذكرت أو من ذكرها، حتى إنني لا أذكر إن كانت أحداثها قد وقعت بالفعل، أم أنها ما زالت تحدث على أرض الواقع، فحسبما تمدني به ذاكرتي يحكى أنه كان هناك مملكة من أغنى الممالك على وجه الأرض، فيها كل ما يتمناه الفرد وما يضمن له حياة رغدة ومريحة، إلا أن هذه المملكة كان بها حاكم لا يعرف معنى كلمة الحق، يظن أن كل من يعيش على أرض هذه المملكة قد خلق مسخرا من أجل خدمته هو وزوجته وأبنائه والحاشية، وكان هذا الحاكم يحب تربية وإقتناء الكلاب من كل نوع، حتى أنه من ولعه بهذه الكلاب أصدر مرسوما ملكيا يفرض على الناس احترام وتبجيل هذه الكلاب، وجعل لها حصانة كمبعوثي الملك الدبلوماسيين، فأحبته هذه الكلاب حبا جما وأصبحت مخلصة له إلى أبعد الحدود.
وكان يعيش في هذا المملكة مجموعة من الشباب حديثي السن، لم تعجبهم ممارسات هذا الملك، ولم يروقهم خضوع قومهم، ولم يعجبهم أن يصبحوا عبيدا في أرض هم ملاكها الأصليون، فبدأوا في إثارة رعايا الملك ضده، ويخبرونهم أن لهم حقوقا لدى الملك لا بد لهم من تخليصها منه، حتى أنهم عرضوا أنفسهم للمخاطر مرات عديدة من أجل المطالبة لأنفسهم ولذويهم وجيرانهم بالعيش والحرية والعدالة الإجتماعية، إلا أن هذا الملك لم يكن يعرف معنى للرحمه، فأصدر أوامره بقتل هؤلاء الشباب، وترك كلابه تنهش في لحومهم حتى يصبحوا عبرة لمن يأتون بعدهم، فقُتل منهم من قتل ونجا منهم من نجا، ولكنها أول مرة يرى فيها هذا الملك الظالم ان رعاياه الذين أهملهم قد خرجوا ضده ويطالبون برحيله ومحاكمته على ما إقترف في حقهم، وجزاء لما سفك من دماء أخوانهم وابنائهم، وأول مرة يرى أن شعب مملكته لا يخشون الموت، فأيقن أن هذا الشعب لن يتراجع عن طلب رأسه مهما أقدم على أفعال أو تنازلات، فلجأ إلى حيلة ماكرة، وقرر أن يتخلى عن سلطته ونقلها إلى من يراه أخلص المخلصين له، ولأنه لا يثق في أحد بهذه السهولة، فقد عمد أن ينتقي أكثر قادته قربا للكلاب في إخلاصهم، وفي شراستهم حين يطلقهم على أعدائه، وقد كان ما أراده الملك، فالشعب الذي اعتاد على احترام الجند وقادتهم بسبب ما تركه لهم أسلافهم من إرث مشرف في الذود عن تراب الوطن ضد عدوهم اللدود، قد وقعوا في الفخ الذي نصبه لهم الملك وأتباعه.
فدب بينهم الشقاق والإنقسام، وأصبح كل منهم في اتجاه يبحث عن شيء يمرره له الحاكم الجديد، فإنفضوا عن أهداف الثورة، عدا مجموعة الشباب الذين آمنوا منذ البداية بضرورة توفير حياة كريمة لكل شعب المملكة، وهنا سنحت الفرصة للحاكم الجديد فأطلق المنادين يجوبون المدن، يحدثون الناس عن عمالة الشباب الذين قادوا الثورة التي أطاحت بسيده وتهدده بالإطاحة به هو نفسه، فصدقهم البسطاء من ابناء الشعب وأخذوا في مهاجمتهم بالقول والفعل، حتى أنه أطلق كلاب سيده المدربة على شباب الثورة، فأخذت تطاردهم بكل الوسائل، وتوقع بهم اصابات قاتلة، وتصيبهم بالتشوهات والعاهات، حتى انفض الناس من حولهم خشية من كلاب الملك التي تفتك بكل من يقف ضد الخروج الآمن للملك المطاح به وتابعه.
لكن شباب المملكة من الثائرين نجحوا مرة أخرى في كشف ممارسات الحاكم الجديد، وأظهروا ما يقوم به من جرائم قتل وهتك للأعراض وتلفيق للتهم التي تذج بهم إلى السجون، وأقنعوا العديد من الناس بالعودة مرة أخرى بالثورة إلى المسار الصحيح، ونادوا بضرورة قتل كلاب الملك المخلوع والتخلص من تابعه حتى يتسنى لهم انجاح ثورتهم، وحتي يتمكنوا من تحقيق حلم طال وهو تحقيق الحد الادنى من العدالة والحرية لكل أفراد الشعب.. فهل تحقق لهؤلاء الشباب ما حلموا به أم أن نفوذ الملك المطاح به وحيلة وخداع تابعه قد تمكنوا منهم وقضوا عليهم، فإلي هنا توقفت ذاكرتي عن ذكر تفاصيل هذه الرواية والتي مازلت غير موقن إذا كانت قد وقعت بالفعل أم أن ذاكرتي قد إختلط عليها الأمر وباتت تصور لي أوهاما لا وجود لها!! هاني الفرماوي[email protected]