حجاب علي العقل يسمي الأفكار المسبقة !

حجم الخط
0

جواد البشيتي

كوارث ومصائب كثيرة تحل بالأفراد والدول نتيجة عجزهم عن الاستفادة من المعلومات التي بين أيديهم. وكم رأينا أشخاصا وجماعات وأحزاب ودول.. يشعرون بالمرارة؛ لأنهم رفضوا العمل والتصرف بمقتضي معلومات كان ممكنا أن يجتنبوا المصيبة أو الكارثة التي حلت بهم لو أنهم أخذوها مأخذ الجد، وعملوا وتصرفوا وفقها. نراهم وقد أظهروا، بعد التجربة الأليمة التي مروا بها، “حكمة ما بعد فوات الأوان”، بقولهم إنهم إذا ما عادت بهم عقارب الساعة إلي الوراء، أسبوعا أو شهرا أو سنة، سيفعلون ما قصروا عن فعله، أو سيحجمون عن فعل ما فعلوا. إن حكمة “لو” لا تفيد إلا في إظهار وتأكيد عجز صاحبها عن التكيف الفكري عبر تغلبه علي أخطر الأمراض الفكرية وهو مرض النظر إلي المعلومات الجديدة بعين الأفكار المسبقة، التي هي أجوبة جاهزة، تحملنا علي أن نري ما نرغب في رؤيته، وأن نسمع ما نرغب في سماعه!

المرء، في سعيه وعمله لتحقيق أهداف معينة تخدم مصالحه وتلبي احتياجاته، يضع خططا ويستمسك ببعض التوقعات، فإذا وقف علي معلومات جديدة لا تتفق مع خططه وتوقعاته نراه يميل إلي التقليل من شأنها، ونبذها في أثناء الممارسة، فتكون العاقبة الحتمية لموقفه هذا هي الفشل، أي تمخض عمله عن نتائج تذهب بتوقعاته وتتعارض مع أهدافه. ويمكن أن نعزو هذا السلوك، جزئيا، إلي أننا نعيش عصرا سريع التغيير، فنستصعب، عادة، التكييف السريع للخطط والتوقعات مع المعلومات الجديدة، أو مع الحقائق الجديدة، التي جاء بها التغيير.

لقد تضاءل كثيرا حجم الزمن الفاصل بين تغيير وتغيير، فتضاءلت معه قدرتنا علي تكييف عقولنا، أي خططنا وتوقعاتنا، مع الوقائع والمعلومات الجديدة، فنحن قد ننفق كثيرا من الجهد والوقت من أجل وضع خطة ما، ثم تباغتنا معلومات جديدة تُلْزمنا تغيير أو تعديل هذه الخطة، فنستصعب إنجاز هذه المهمة في وقت وجيز، ونذهب إلي العمل والتنفيذ وكأن هذه المعلومات لا وجود لها. قلنا إن هذا الاستصعاب يفسِّر جزئيا لا كليا موقفنا السلبي من المعلومات الجديدة؛ ذلك لأن هذا الموقف، الذي يعود علينا بالمصائب والكوارث، هو، في الأساس، ثمرة خضوعنا للأفكار المسبقة، التي تقف حاجزا منيعا بين عقولنا والواقع بحقائقه ومعلوماته الجديدة. والأفكار المسبقة، التي تحملنا علي الحكم علي الأشياء في طريقة ذاتية، أي بما يتفق مع ما نرغب فيه أو نرغب عنه، هي مرض فكري، منشؤه مصالح دخلت في نزاع متزايد الحدة مع الواقع. وهذه المصالح تُلْزم أصحابها الانحياز الأعمي إلي أفكار ومفاهيم ومعتقدات بالية، يتخذونها عيونا وآذانا يرون بها ويسمعون ما يودون رؤيته وسماعه.

إننا نعيش عصرا لا مثيل له من حيث تدفق وتنوع وغزارة المعلومات وسرعة انتشارها ووصولها إلي جميع الناس بثمن زهيد، ومجانا في وجه عام. وكل ما يحتاج إليه المرء من أجل وضع يده علي هذا الكم الهائل من المعلومات هو جهاز كمبيوتر متصل بالإنترنت، ولغة أجنبية كبري مثل الإنكليزية أو الفرنسية، وجهاز تلفزيون مجهَّز بما يمكِّنك من مشاهدة أكبر قدر ممكن من المحطات الفضائية. غير أن غياب الهدف والخطة عن عملية البحث أو الإبحار في هذا الخضم من المعلومات قد يؤدي إلي الجهل بدلا من المعرفة، فالعقل قد تتشوش عليه الأمور، ويتعذر عليه تمييز الصواب من الخطأ، والمفيد من الضار في هذا الكم الهائل من المعلومات المتدفقة فيه عبر العين والأذن. هذه السلبية يمكن التغلب عليها بقليل من الجهد التنظيمي، وبتحسين وتطوير القدرة علي الاختيار والانتقاء، فالبحث عن المعرفة ما عاد مجديا، في العصر الذي نعيش، إذا لم يتسلح بطريقة تختصر الوقت والجهد.

إن المعوقات التي تمنعنا من الاستفادة علي خير وجه من ثورة المعلومات عديدة، ولكن أهمها وأخطرها يبقي حاجز الأفكار المسبقة، الذي ينبغي لنا التخلص منه حتي نتمكن من التحلي بمنقبة ذهنية مهمة هي المرونة والسرعة في التكيف الفكري. ولا نجانب الحقيقة إذا قلنا إن في ذلك ليس منقبة ذهنية فحسب، وإنما شرط بقاء، فالذي يبقي خاضعا لسلطة الأفكار المسبقة لا يفعل سوي أن يحفر قبره بيديه. ومع تدمير هذا الحاجز يغدو ممكنا فهم الأشياء والأحداث والتطورات كما هي، وأن نراها في حجومها الواقعية بلا زيادة أو نقصان، وأن نسمعها كما تتحدث هي عن نفسها، فتنتفي لدينا الحاجة إلي التأويل علي صعيدي الفكر والواقع، وتشتد وتقوي لدينا، بالتالي، الحاجة إلي التفسير والتعليل. في عصر ثورة المعلومات صار ينبغي لنا الكف عن تكذيب ما لا يتفق مع خططنا وتوقعاتنا وأفكارنا ومعتقداتنا، فلا حياة لفكر لا يقطف ثماره، دائما، من شجرة الحياة الخضراء! ہ كاتب ومحلل سياسي فلسطيني ـ الاردن8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية