التقرير الذي صدر في “نيويورك تايمز” عن عملية اغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زاده في نهاية السنة الماضية، يُقرأ كسيناريو فيلم رعب هوليوودي، “الرجل الآلي الإجرامي 1”. روي هناك عن عملية مركبة مع عملاء إيرانيين للموساد أعدوا كميناً للسيارة “الهدف”، مع رشاش تم تفعيله “من خارج حدود إيران” فقتلت رصاصاته فخري زاده دون أن تصيب زوجته التي كانت تجلس إلى جانبه.
كان رئيس الموساد السابق يوسي كوهن، قد نال حظوة على تخطيطه للعملية، والذي سيلعب دوره بالتأكيد توم كروز. أما رئيس الوزراء في حينه بنيامين نتنياهو، فقد استهدف فخري زاده علناً كمسؤول عن البرنامج النووي الإيراني، فقرر اغتياله في الفترة الانتقالية للبيت الأبيض، بعد أن هزم دونالد ترامب في الانتخابات وقبل أن يحل جو بايدن محله. أمل نتنياهو بأن يحبط قتل العالم محاولة الإدارة الجديدة للعودة إلى الاتفاق النووي مع إيران.
يدل نجاح هذا الاغتيال على قدرة التنفيذ لدى الموساد في دولة عدو، وعلى قدرة نتنياهو وكوهن على إقناع إدارة ترامب. ولكنها أيضاً تكشف انعدام المعنى لمثل هذه العمليات الاستعراضية. صحيح أن إيران لم تنفذ حالياً تهديدها للانتقام لموت العالم الكبير، ولكنها لم تضطر إلى عملية رد لأنها حتى بدون فخري زاده تتقدم بسرعة إلى مكانة “دولة حافة” ذات مادة مشعة لترتيب سريع لقنبلة نووية.
إن قتل العالم مثال على استثمار مقدرات تكنولوجية ودبلوماسية ومالية كبيرة في عملية تكتيكية عديمة القيمة الاستراتيجية. والأسوأ من هذا: كانت إسرائيل، بقيادة نتنياهو ورجله التنفيذي كوهن، ركزت على عمليات استعراضية، لم تقوض السعي الإيراني إلى النووي. الإنجاز الذي تباهى به نتنياهو كثيراً، بإقناع ترامب على إخراج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، يتبين الآن كتسجيل لهدف ذاتي، حرر اللجام الذي فرض على النشاط الإيراني. لم تنجح إسرائيل في ردع الإيرانيين، وفي تجنيد الأسرة الدولية لعملية ضد إيران بالقوة، أو لردع إدارة بايدن عن محاولاتها العودة إلى الاتفاق المهجور.
نتيجة فشل نتنياهو الثلاثي واضحة في تهديدات شبه واضحة لخليفته نفتالي بينيت بأن إسرائيل ستهاجم إيران بنفسها، في محاولة يائسة لإحباط خطتها النووية في اللحظة ما قبل الأخيرة.
لقد أعد بينيت الحجة احتياطاً، لأنه لا يتجرأ -مثل سلفه- على الهجوم؛ بدعوى أن نتنياهو أهمل الإعداد للهجوم. وثمة شك بأن إسرائيل تمتلك إسناداً لعملية كهذه، وإذا ما خاطرت بثمن الضربة الهدامة في الجبهة الداخلية. في هذه الأثناء، من المهم أن نتذكر الدرس بأن الرجل الآلي الإجرامي يحتاج إلى مفعلين أذكياء وأن الجسارة العملياتية ليست بديلاً عن السياسة المنطقية.
بقلم: أسرة التحرير
هآرتس 20/9/2021