لا أعرف من أين جاءت أمي بمعرفتها بالسينما، هي التي كان شغل البيت يستغرق يومها كله. حتى قبل أن ننتقل إلى البيت الذي بجوار إحدى سينمات الأحياء، كانت تعرف ليس أسماء الممثلين فقط، بل أخبارهم أيضا، زيجاتهم أو طلاقاتهم على الأخصّ، وإن خالطت في ذلك بين حياتهم الشخصية والأدوار التي يؤدّونها في الأفلام. كما لا أتخيلها جالسة بين المشاهدين، على واحد من تلك المقاعد، شاخصة إلى ما يجري على الشاشة أمامها.
لكنها كانت تعرف الكثير عن الممثلين. تسألني مثلا إن كان عمر الشريف وفاتن حمامة قد انفصلا، أقصد بعد أن انضم عمر الشريف إلى ممثلين آخرين يتكلمون لغة لا تعرفها، وإن كان عماد حمدي قد تزوّج حقّا من ناديا الجندي. لم يرقها ما شاهدته في الفيلم الذي تشارك الأخيران في تمثيله، وهي طابقت دورهما في الفيلم مع افتراضها أن الزواج بينهما هو هكذا، كما هو في الفيلم. السينما في ظنّها هي تلك التي بالأسود والأبيض. لم يعجبها كيف صارت السينما بالألوان. ربما لأنها حضرت بعضا منها، ولم يرُق لها أن الممثلين الذين تحبهم صاروا كبارا فيها. كبروا كلهم، مثلما كبر عماد حمدي في فيلمه ذاك مع ناديا الجندي. رشدي أباظة وأحمد مظهر كبرا، وكذلك يحيى شاهين، الذي كانت تقول إنه، بين الثلاثة، هو الأكثر رجولة.
هي لا تعرف أن تقول إنها كانت تحبّ مرحلة من مراحل السينما، وإن كل ما أتى بعدها لم ينجح إلا في تزكية الحنين إليها. في أحيان أفكّر بأنني أنا أيضا، متعلّق مثلها بتلك المرحلة، أقرّ بأن أمّي تتفوّق عليّ في ما تعرفه منها. فهي تذكر أسماء مثل بدر لاما لا أعرف إن كنت قد شاهدت أيا من أفلامه. ولأضف إلى ذلك أن ما أعرفه عن يوسف وهبي مثلا هو ما كنت أسمعه منها، أو من آخرين في مثل عمرها، أي أنني أتيته متأخرا، حين صار، حتى وهو يمثّل في الأفلام، نجماً من الماضي.
ما زلت، كلما انقضت سنوات على سينما الأبيض والأسود، أرى كيف ينضم آخرون إلى الإعلان، أو الاعتراف، بالحنين إلى تلك السينما. في مشواري القاهريّ الأول مع الصديق الذي غاب هاني درويش، رحت أنظر، من حيث كنا نقف تحت البنايات، إلى البيت الذي يشير إليه هاني بإصبعه. ذاك بيت فاتن حمامة، قال، وتلك التي تحت طريق السيارات، فيلا أحمد مظهر. كانت حماسته في ما يرشدني إليه لا تقلّ عن حماستي تجاه ما أراه.
في كل الزيارات التي تلت كنت أحضر معي من القاهرة حِرَفيات نقشت عليها أسماء الممثلين وبوسترات منسوخة عن إعلانات الأفلام، ملّونة كلها وإن كانت الأفلام نفسها بالأسود والأبيض، وكنت أتزود بكتب حول سير الممثّلين، بينهم تحية كاريوكا وأسمهان وغيرهما، حديثة الظهور. لا أعرف إن كان هناك في الماضي العربي شيء يحتفل به الآن، كما يُحتفل بتلك السينما. كأنها زهرة اقتطفت من التاريخ المتأخر، الفنّي وغير الفنّي. زهرة وحيدة، كأن التذكّر حيّد كل ما هو عام ومشترك ليبقي عليها وحدها. على فيسبوك أجدني أمام مشاهدة صور الممثلين كل يوم. الآن، في ما أكتب هذه الكلمات، أفتح فيسبوك لأرى، من هم أبطال هذا اليوم العائدون، بعد أن صار معظمهم في عداد الراحلين. كأن الزمن يدفعهم إلى الوراء في ما أيدي الفسابكة (حسب اشتقاق أحمد بيضون) تشدّهم معيدة إياهم إلى أيامنا.
بين حين آخر أعود إلى تلك المحطة التلفزيونية المتخصّصة ما تزال بإعادة عرض تلك الأفلام القديمة. مستعيرا وعي أمي التي، لو كانت ما تزال على قيد الحياة، لا بد كانت ستتساءل عن نعمة أن يستعاد ذلك الماضي كما كان بالتمام.
مواقع كثيرة تعمل على إعادة ذلك الماضي وإبقاء الاحتفال به قائما. أعدّد من هذه المواقع: «حكايات مصرية» «الزمن الجميل» «غراموفون» «الضيف أحمد» «الفنان إسماعيل ياسين» «صور وحكايات» التي أثبتت صورتين واحدة لفاتن حمامة وأخرى لمريم فخر الدين علّق تحتها كلام بينهما حول من هي الأجمل، ثم موقع «ذكريات زمان» ناشرا (في هذا النهار) صورتين لنادية لطفي إحداها من الطفولة والأخرى من زمن الشباب، ومتسائلا أيهما أجمل من الأخرى.
بين حين آخر أعود إلى تلك المحطة التلفزيونية المتخصّصة ما تزال بإعادة عرض تلك الأفلام القديمة. مستعيرا وعي أمي التي، لو كانت ما تزال على قيد الحياة، لا بد كانت ستتساءل عن نعمة أن يستعاد ذلك الماضي كما كان بالتمام. بأثاثات بيوته ذاتها وقصّات شعر نسائه وكلمات غرامه وخطاباته (رسائله) وشادية في عمر الشباب، وكذلك عمر الشريف كما هو «في بيتنا رجل» وناديا لطفي كما كانت في «الخطايا». ذلك الماضي كأنه هجرَنا، تركنا نتخبط في فوضى الأزمنة التي تتالت من بعده. أزمنة بالألوان الزائدة، وبالصخب الذي يلازم هذه الألوان.
تلك العودة التي نشاهدها في فيسبوك وفي الكتب المنشورة تباعا تشير إلى افتتان الأجيال الجديدة، وقد ورثت حبّ تلك السينما، هي عودة جماعية إلى الماضي. إلى ما أطلقت عليه مواقع كثيرة عنوان الزمن الجميل. ذاك هو زمن السينما الذي، بعد أن غادرناه، أو غادرَنا، رأينا أننا وُضِعنا في مواجهة العالم الحقيقي. ذاك العالم الذي قال إيتالو كالفينو مرة، إنه عاجز عن فهمه، فهو مشوش وغير مفهوم وبلا منطق ولا سياق، بخلاف ما هي عليه السينما.
كاتب لبناني