إسطنبول -“القدس العربي”: “قبل سنوات، كنت أعمل براتب 2000 ليرة تركية وكنت أستطيع توفير 200 دولار لأساعد بها عائلتي في غزة التي تعيش ظروفاً اقتصادية صعبة، ولكن اليوم اعمل براتب 3000 ليرة ولكن لا أستطيع توفير 50 دولارا في أحسن الأحوال وبصعوبة بالغة، انخفضت قيمة العملة وارتفع التضخم والأسعار ولم يعد الراتب يكفي لمصاريف الحياة الأساسية هنا”.
بهذه الكلمات وصف الشاب (شرف .أ) 28 عاماً من قطاع غزة التغيرات الكبيرة التي طرأت على الأوضاع الاقتصادية في تركيا والتي يعيش فيها منذ قرابة 5 سنوات بهدف العمل لتكوين مستقبله ومساعدة عائلته التي تقطن القطاع وتعاني ظروفاً اقتصادية صعبة نتيجة الحصار والإغلاق وانعدام فرص العمل للشباب.
يقول شرف لـ”القدس العربي” إن الحياة في تركيا لم تعد كما كانت عندما وصلها قبل 5 سنوات، موضحاً أن قيمة الليرة التركية انخفضت إلى أقل من النصف خلال فترة تواجده فقط، وطالما أنه يحصل على راتبة بالليرة التركية فإنه بات بحاجة إلى تجميع ضعف المبلغ من أجل شراء 100 دولار أمريكي حتى يتمكن من إرسالها إلى عائلته في غزة.
يضيف شرف: “أعمل هنا ضمن ما يسمى الحد الأدنى للأجور أي بقيمة 3000 ليرة تركية وهو ما يعادل اليوم فقط أقل من 350 دولار.. باختصار لو فكرت في إرسال 100 دولار كأحد أدنى لمساعدة عائلتي، هذا يعني أنه يتوجب علي التخلي عن ثلث راتبي، معادلة صعبة وغير مجدية”.
وخلال السنوات الأخيرة لجأ آلاف الشبان من قطاع غزة إلى تركيا بهدف التعليم والعمل وذلك بسبب الظروف السياسية والاقتصادية الخانقة والحصار المشدد على قطاع غزة منذ أكثر من 15 عاماً، حيث يعمل آلاف الشبان في قطاعات مختلفة ويحصلون على رواتب متدنية ومتوسطة في الأغلب وبمتوسط لا يتجاوز 500 دولار أمريكي.
وخلال السنوات الأخيرة التي شهدت ذروة انتقال آلاف الشبان من غزة للعمل في تركيا شهد الاقتصاد التركي انتكاسات متلاحقة وانعكس ذلك بشكل كبير جداً على هذه الشريحة لا سيما ارتفاع معدلات التضخم وبالتالي الارتفاع الكبير في الأسعار مقابل الانخفاض الكبير في قيمة العملة التركية التي فقدت أكثر من نصف قيمتها أمام الدولار خلال هذه السنوات.
لكن شرف غير المتزوج يعيش في شقة مشتركة مع أصدقائه وبالتالي يستطيع بصعوبة أن يغطي مصاريفه الشهرية مقابل الراتب الذي يحصل عليه، أما (محمد.ح) 35 عاماً متزوج ولديه طفلين وعلى الرغم من أنه يحصل على قرابة 6000 آلاف ليرة تركية أي ضعف راتب شرف، إلا أنه يعاني من صعوبات أكبر بكثير وبات لا يستطيع على الإطلاق إرسال أي مبلغ إلى عائلته في قطاع غزة.
يقول محمد لـ”القدس العربي”: “التضخم ارتفع بشكل كبير وانعكس في الأشهر الأخيرة بدرجة أساسية على أسعار السلع الأساسية والعقارات، ارتفع علي أيجار المنزل وارتفعت قيمة فواتير الغاز والكهرباء والماء، أدفع نصف راتبي لإيجار المنزل والفواتير والنصف الثاني يكاد لا يكفي لتغطية مصاريف مدارس أبنائي والمستلزمات الأساسية، الراتب يكفيني بصعوبة، لم أعد قادراً على مساعدة والدي الذي لا يعمل ولا أي أحد من عائلتي في غزة والتي تمر بظروف اقتصادية صعبة، أتمنى مساعدتهم كما السابق ولكن لم يعد ذلك ممكناً”.
وفي السنوات العشر الأخيرة فقدت الليرة التركية 4 أضعاف قيمتها تباعاً، فبعد أن كانت عام 2010 بحدود 1.6 ليرة للدولار وصل سعر الصرف بحلول 2021 إلى أكثر من 8 ليرات للدولار الواحد، وفي الأيام الماضية واصلت الليرة خسائرها لتصل بحلول الأربعاء إلى 8.63 ليرة للدولار.
المستشار المالي والاقتصادي المتخصص بالشأن التركي محمد أبو ريا يؤكد أن آلاف الشباب الفلسطينين بتركيا وتحديدا من استقروا فيها قبل عام 2018 يواجهون تحديات معيشية نتيجة انخفاض سعر صرف الليرة والتضخم، ويقول: “هم محاصرون من غلاء المعيشة الذي أصاب كل مستلزمات الحياة الأساسية وعلى رأسها الإيجار الذي تضاعف خلال السنوات القليلة الماضية وبين التزاماتهم تجاه عائلاتهم في فلسطين وتحديدا الغزيين منهم التي تعتمد على حوالتهم التي باتوا لا يستطيعون إرسالها”.
ويضيف أبو ريا لـ”القدس العربي”: “تضاعف سعر الدولار عليهم وبقيت أغلب مصادر دخلهم لا تتجاوز 5000 ليرة في المتوسط والتي بالكاد يفيض منها شيء”.
وعن مستقبل الاقتصاد التركي وبالتالي هؤلاء الشباب، بقول أبو ريا: “الاقتصاد التركي مستقبله ضبابي. تحديدا مع تعاظم المديونية العامة وتراجع احتياطات البنك المركزي ما يحد من قدراته في استخدام أدوات السياسة النقدية للدفاع عن العملة أمام الهزات المتكررة”، مستدركاً: “لكن لا أشك على قدرة الاقتصاد التركي على التعافي على المدى البعيد. فهو اقتصاد متنوع وبإمكانات ممتازة سواء كان ذلك على صعيد الطاقات البشرية أو على صعيد الموارد الأخرى. ولكن تبقى للسياسة والقرارات التي تفرضها المصالح الانتخابية قصيرة الأمد أثرها السلبي الذي يعيق إعادة البلاد إلى مسار النمو المستدام المبني على منتجات وخدمات بقيمة مضافة عالية وتكنولوجيا متقدمة”.
ومن المقرر أن تعقد لجنة السياسات المالية اجتماعاً نهاية الأسبوع الجاري وسط تكهنات بإمكانية البدء بخفض أسعار الفائدة لتخفيف الأعباء الاقتصادية عن الدائنين وأصحاب الشركات الصغيرة والمتوسطة بدرجة أساسية وسط تحذيرات من أن تؤدي هذه الخطوة إلى تبعات اقتصادية سلبية في جوانب أخرى أبرزها مزيد من الانخفاض من قيمة الليرة أمام الدولار الأمريكي.