واشنطن-»القدس العربي»: تعهد الرئيس الأمريكي جو بايدن عندما كان مرشحاً في الانتخابات الرئاسية باستعادة التحالفات الخارجية الحيوية، التي أضر بها الرئيس السابق دونالد ترامب، ولكن على النقيض من ذلك، نجح بايدن، في إثارة شكوك واسعة النطاق في الداخل والخارج حول كفاءة أمريكا وموثوقية ضماناتها الأمنية، وفي أحدث مثال، لم تسحب فرنسا من قبل سفيرها في واشنطن للتشاور إلا في عهد بايدن.
واتفق العديد من المحللين الأمريكيين على أن اتفاق الغواصات بين الولايات المتحدة وأستراليا وبريطانيا كان في الواقع طعنة في ظهر فرنسا، على الرغم من اعتبار البيت الأبيض للاتفاق مكسباً لتعزيز موقف الدفاع الجماعي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وكان الغضب الفرنسي يتعلق بعملية البيع نفسها بقدر ما كان حول السرية، التي أجرت واشنطن مفاوضاتها من خلالها، حيث اتخذ فريق إدارة بايدن خطوات غير عادية لإخفاء مفاوضاته عن باريس، وكان العقد الفرنسي مع أستراليا من بين أكبر عقود الدفاع في تاريخها، كما جاءت الأحداث قبل سبعة أشهر من انتخابات سيواجهها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
وأشار الخبراء إلى فرنسا تورطت عن طيب خاطر في أمن المحيطين الهندي والهادئ بطريقة تكمل الجهود الأمريكية وتخدم مصالح واشنطن، وقالوا إن تنفير فرنسا لا طائل منه وسيؤدي إلى نتائج عكسية، من بينها أن الاتفاق سيخدم مصالح الصين «المستهدفة من الاتفاق في الأصل» أكثر بكثير مما يخدم مصالح أمريكا.
وأوضح مايكل شوركين، مؤسس ومدير مؤسسة «نورث ستراتيجيز» أن الاتفاق يشمل تزويد أستراليا بغواصات نووية ومشاركة للتقنيات الحساسة للغاية، وكان ذلك يعني أيضاً، كسر صفقة ضخمة وقعتها أستراليا لشراء غواصات من فرنسا، واستبعاد فرنسا عن شراكة مشاركة التكنولوجيا، وهي خطوات تعتبر امتداداً لاستبعاد فرنسا من ترتيب مشاركة المعلومات الاستخبارية «العيون الخمس» والدائرة الداخلية الأمريكية التي تمثلها.
وبالنسبة للفرنسيين، ما حدث كان ضربة للصناعة البحرية، وهي أولوية إستراتيجية، والأهم من ذلك، الاتفاقية كانت مزعجة للغاية، لأنه لم يتم إبلاغ فرنسا بصفقة الغواصات حتى ظهرت في الأخبار، ولذلك تفاعلت باريس بشكل سيئ مع المعاملة الرديئة.
لماذا يجب أن يهتم الأمريكيون بالفرنسيين فيما يتعلق بأمن المحيطين الهندي والهادئ؟ أجاب شوركين أن فرنسا تعتبر نفسها قوة في المحيطين مع الإشارة إلى أن هناك أكثر من مليون ونصف فرنسي يعيشون في المنطقة بفضل مستعمراتها المتناثرة، كما تحتفظ فرنسا بقوة دائمة قوامها 7 آلاف رجل وامرأة في المنطقة، وفي العامين الماضيين، كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بقوم بدفعة دبلوماسية كبيرة في المنطقة خاصة مع أستراليا والهند بهدف مواجهة الصين.
وليس هناك ما تخسره الولايات المتحدة في تشجيع النشاط الفرنسي في المنطقة، وهناك الكثير مما قد تكسبه، وفي الوقت نفسه، فإن تنفير باريس يدق إسفيناً بين واشنطن ودولة حريصة على تحمل العبء.
وأشار المحللون الأمريكيون إلى أن فرنسا هي القوة العسكرية الأولى الأكثر قدرة في أوروبا الغربية في حين تحتل بريطانيا المرتبة الثانية، ولكن التعامل معها على أنها أفضل صديق افتراضي لأمريكا في منطقة المحيطين الهندي والهادئ مع تجاهل باريس سيبدو أمراً غير واقعي.
والمصالح الفرنسية في المنطقة هي نفسها التي كانت قبل الصفقة، مما يشير إلى أنه في النهاية لن يتغير أي شيء ولكن عدم اكتراث إدارة الرئيس جو بايدن الواضح بقيمة بناء علاقات قوية متعددة الأطراف تضم حليفاً قوياً يبدو وكأنه أمر غريب، ومن المستحيل أيضاً عقد صفقة مع أستراليا حول الغواصات مع تجنب عداء فرنسا.
وقد روجت إدارة بايدن للاتفاقية باعتبارها مواجهة لتخويف البحرية الصينية المتزايد لأستراليا ودول أخرى في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ولكن من المرجح أن الآثار المفيدة على الصين ستقابلها آثار سلبية على نظام منع انتشار الأسلحة النووية، ومن المرجح أن يتم تحفيز الدول الأخرى غير المسلحة نووياً، مثل كوريا الجنوبية وإيران، للحصول على غواصات هجومية تعمل بالطاقة النووية من الولايات المتحدة بريطانيا أو ربما من الصين أو روسيا.
وقال الباحثان جورج مور وفرانك هيبيل إن الاتفاقية ستؤدي إلى الافتراض، أيضاً، بأنه سيتم تزويد الغواصات الأسترالية باليورانيوم عالي التخصيب المستمد من فائض الحرب الباردة.
وأكد الباحثان أنه من الحماقة للولايات المتحدة، التي عملت لعقود على سياسة منع الانتشار النووي، أن تقوم الآن بتصدير اليورانيوم المستخدم في صنع الأسلحة إلى دول غير مسلحة نووياً، خاصة بعد أن أنفقت أكثر من مليار دولار منذ 11 ايلول/سبتمبر لتحويل مفاعلات الأبحاث من فئة الأسلحة إلى وقود اليورانيوم المنخفض التخصيب.
ونظراً لأن أستراليا ليس لديها برنامج طاقة نووية تجاري (لديها مفاعل أبحاث) ولا توجد مرافق دعم عسكري للسفن التي تعمل بالطاقة النووية في هذه المرحلة، فربما يتعين عليها الاعتماد في البداية على الولايات المتحدة أو بريطانيا لتدريب الأفراد ودعمهم.
وأشار مور وهيبيبل إلى أن الإنشاء النهائي لقوة غواصة نووية في أستراليا قد يستغرق عقوداً ولذلك قد تتبع أستراليا نهج الهند وتبدأ في استئجار غواصة نووية من الولايات المتحدة أو بريطانيا، وقد استأجرت الهند غواصتين: الأولى من الاتحاد السوفييتي والثانية من روسيا قبل بناء غواصتها النووية الخاصة، والتي يبدو أن تصميمها يعتمد بدرجة كبيرة على غواصتها الثانية المستأجرة.
وفرنسا، ليست الدولة الوحيدة التي تشك بشكل متزايد في إخلاص أمريكا لحلفائها أو الضمانات الأمنية، حيث انتشرت مخاوف بشأن مصداقية واشنطن على نطاق واسع في مؤتمر عُقد في كييف، عاصمة أوكرانيا، التي احتلت روسيا أراضيها جزئياً وضمتها منذ عام 2014 عندما غزت قواتها شبه جزيرة القرم.
وعلى الرغم من أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أصبح ثاني زعيم أوروبي يقوم بزيارة رسمية إلى واشنطن في أوائل ايلول/سبتمبر، إلا أنه شعر وغيره من كبار المسؤولين بخيبة أمل من النتيجة.
وقد وافقت واشنطن على زيادة 60 مليون دولار في المساعدات العسكرية لأوكرانيا، ولكن العديد من المحللين قالوا إن الرئيس الأوكراني لم يحصل في الواقع على الكثير مما كان يبحث عنه.
ووصل غضب حلفاء الولايات المتحدة من تصرفات إدارة بايدن إلى حد قول كارل بيلت، رئيس الوزراء السويدي السابق، إن أوروبا لم تكن راضية عن المشاورات مع ترامب ولكن الوضع الآن أسوأ بكثير حيث لا توجد مشاورات، كما وصف بيليت تعامل بايدن مع قضية الغواصات بأنه «غير كفء بشكل مذهل».
وعلى الرغم من أن القلائل من الأوروبيين يريدون عودة ترامب إلى البيت الأبيض إلا أن مجرد مقارنة بايدن معه تشير إلى كثرة الأخطاء التي يرتكبها الرئيس الحالي.