تونس – “القدس العربي”:
أحدثت استقالة أكثر من مئة قيادي في حركة النهضة (أكبر حزب سياسي) رجة سياسية كبيرة في تونس، دفعت عددا من المراقبين للحديث عن احتمال تفكك هذا الحزب الإسلامي المتحكم بالمشهد السياسي التونسي منذ أكثر من عقد، فيما قلل آخرون من أهمية هذه الخطوة، التي قالوا إنها “مجرد مناورة سياسية” قد تقود إلى إعادة إنتاج الحزب تحت اسم جديد.
وكان 113 قياديا في النهضة، بينهم الوزيران السابقان عبد اللطيف المكي ومحمد بن سالم والنائبان سمير ديلو وجميلة الكسيكسي، أعلنوا استقالتهم في بيان على مواقع التواصل.
وبرر المستقيلون هذه الخطوة بـ”تعطل الإصلاحات الداخلية واستحواذ رئيسها راشد الغنوشي على القرارات إلى جانب فشله في إدارة البرلمان وإدارة تحالفات غير سليمة في البرلمان وتعثر تأسيس المؤسسات الدستورية طيلة السنوات الماضية”.
وكتب الوزير السابق عبد اللطيف المكي على صفحته في موقع فيسبوك “أشعر بالحزن العميق، أشعر بألم الانفصال، ألم شديد. لكن لم يبق لي خيار بعد طول المحاولة خاصة في الأشهر الأخيرة. أتحمل مسؤولية قراري الذي اتخذته من أجل بلدي. تجمعنا مواقع العطاء والنضال، فلا بد من مواجهة الانقلاب من أجل تونس”.
وأضافت النائب جميلة الكسيكسي “يؤلمني أن أعلم الرأي العام أن مشواري مع حركة النهضة توقف. قبلة على جبين مناضلي ومناضلات الحزب، أحس بالخجل منهم ولهم مني كل الاعتذار، ولكن سنوات من الدفع داخليا نحو قيادة أفضل للحركة والبلاد لم تثمر للأسف. مواجهة الانقلاب ضمن الحراك الوطني أوجب الواجبات الآن”.
وقال النائب سمير ديلو إن الاستقالة من الحركة جاءت عقب “التراكمات الكثيرة والإخفاقات في معركة الإصلاح، وحالة العزلة التي وصلت إليها الحركة التي لم تُبْقِ على صديق بسياساتها في البرلمان وفي البلاد”.
وأشار إلى أن “نزيف الاستقالات متواصل”، مضيفا “لا يوجد أي نية في الوقت الحالي لتأسيس حزب سياسي جديد، لكن الأمر يبقى واردا”.
وأثارت الاستقالة الجماعية من حركة النهضة ردود فعل متفاوتة لدى التونسيين، حيث كتب المحامي ياسين عزازة “الانتماء إلى حزب ديني هو انتماء إلى عقيدة وليس انخراطا. لذا لا تنساقوا وراء الاستقالات الوهمية ولا تصدقوها ولا ترتبوا عنها شيئا لأن “الجماعة لا تغير عقيدتها” والدليل أن عبد الحميد الجلاصي وغيره من المستقيلين منذ مدة من النهضة وهياكلها يتصدر هذه الأيام منصات الدفاع عن الحركة وخياراتها السابقة”.
وأضاف “الانتماء للأحزاب الدينية العقائدية ليس بالانخراط الهيكلي وإنما هو انتماء عقائدي وننتظر أن يفرخ حزب النهضة عديد الأحزاب أو حزبا مولودا من رحمه مثل ائتلاف الكرامة يكون أخطر منه بكثير بجمع الغاضبين من قواعد الحركة”.
وكتبت النائب مريم اللغماني “صقور النهضة يقفزون الواحد تلو الآخر من ذلك المركب المتهاوي، لا تصدقوهم، فهي مسرحية لإعادة إنتاج نهضة متحولة “نهضة 2.0″ بعد انتهاء مدة صلاحية الباتيندة (السجل التجاري) القديمة”.
واعتبر المحلل السياسي عبد اللطيف دربالة أن هذه الاستقالة “لم تكن مفاجئة، لكنّ توقيتها هو الذي قد يكون مفاجئا بالنظر إلى طبيعة الأحداث السياسية اليوم في تونس، فمن المعلوم أنّ خلافات عميقة برزت داخل حركة النهضة طيلة السنوات الأخيرة، وأنّ 100 عضو فيها سبق وأن أصدروا بيانات ومارسوا مساعي وضغوطا طالبوا فيها بتغيير على رأس قيادة الحركة وفي أسلوب اتخاذ القرار وفي سياستها العامّة. وقد سبق لعبد الحميد الجلاصي ولطفي زيتون وزبير الشهّودي وآخرين أن أعلنوا استقالتهم. ويعدّ عبد اللطيف المكّي وسمير ديلو أيضا بين أبرز معارضي زعيم الحركة راشد الغنوشي الطامحين لخلافته”.
وأضاف “وقد بدأ الحديث بين عدد من المستقيلين.. وقبل حتى إعلان استقالتهم اليوم عن الانخراط في مشاريع أحزاب أو حركات سياسية جديدة (وسطيّة) قد تجمعهم بشخصيّات وقوى أخرى من خارج حركة النهضة، وقد تسبّبت أزمة كورونا ثمّ أزمة الحكومة والأغلبية البرلمانية مع رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد في تأجيل تلك المشاريع السياسية الجديدة”.
وكتب المؤرخ والمحلل السياسي عبد اللطيف المكي “ظاهرة الاستمرار في القيادة (الرئاسة) عند الأحزاب السياسية المعارضة (موجودة منذ) زمن بورقيبة وبن علي وما بعد الثورة نذكر منهم كمثال باعتبار دوام حضورهما وحضور أحزابهما (الأكثر هيكلة تنظيمية) في الساحة: راشد الغنوشي الذي تداول على رئاسة الحزب منذ التأسيس 1972 إلى آخر مؤتمر لها (حوالي 42 سنة) 13 رئيسا، تولى الرئاسة الأستاذ راشد الغنوشي 4 مرات مجموعها 35 سنة، منها 23 سنة وهو خارج الوطن، في حين تولى البقية الرئاسة لدورة واحدة أقصاها لمدة 3 سنوات (الصادق شورو) وأدناها أسبوعين. وحمة الهمامي وهو أحد أبرز المؤسسين لحزب العمال (حزب العمال الشيوعي) والناطق الرسمي باسم الحزب (أمين عام) منذ تأسيس الحزب سنة 1985-1986 إلى الآن. وهو حال ينطبق على أغلب الأحزاب إن وجدت فعلا أحزاب بالمعنى الحديث والدقيق للحزب”.
وكانت “مجموعة المئة” والتي تضم أغلب المستقيلين حاليا توجهت خلال العامين الأخيرين برسائل عدة إلى رئيس الحركة راشد الغنوشي، دعته فيها إلى الالتزام بعدم الترشح مجددا لرئاسة حركة النهضة، فضلا عن القيام بعملية إصلاحية واسعة داخل مؤسسات الحركة.
وكان الوزير السابق والقيادي في حركة النهضة، محمد بن سالم، كشف في وقت سابق عن وجود مساعٍ لدى بعض قيادات الحركة لتأسيس حزب جديد، مشيراً إلى وجود خلافات داخل الحركة حول طريقة التعامل مع الوضع الجديد في ظل القرارات الاستثنائية للرئيس قيس سعيد.