«المسكنات الأمريكية» لغضب فرنسا لا تُبدِّد خلاف الاستراتيجيات لـ«منطقة المحيطَين»

رلى موفّق
حجم الخط
0

يتركز الصراع في الزمن الآتي على منطقة المحيطين الهندي والهادئ التي تحوّلت إلى مركز ثقل العالم من ناحية الجغرافيا الاقتصادية والسياسية. هاجس أمريكا يكمن في كيفية الحفاظ على تفوّقها الاستراتيجي في منطقة المحيطين في وجه الصين الصاعدة إلى قيادة العالم. شكَّل التحالف الدفاعي بين الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا الذي بات يُعرف بـ«أوكوس» والذي يُتيح لكانبيرا الحصول على تقنيات عسكرية متقدمة، رسالة مزدوجة إلى الخصوم والحلفاء في آسيا، بأن واشنطن ماضية في طريق المواجهة ضد الصين في منطقة المحيطين، وأن مواجهة تمدد النفوذ الصيني تُشكل أولوية في الاستراتيجية الأمريكية، التي تتجاوز طبيعة الساكن في البيت الأبيض وما إذا كان جمهورياً أو ديمقراطياً.
أطاحت المعاهدة بصفقة أبرمتها أستراليا عام 2016 مع باريس لشراء غواصات فرنسية الصنع ذات محركات تقليدية تعمل بالديزل والكهرباء لمصلحة صفقة أخرى أمريكية تعمل بالدفع النووي. غضبت فرنسا، فهي لم تخسر فقط عقداً تجارياً ضخماً، ربما الأكبر في تاريخها، بل تلقت ضربة سياسية، بنجاح واشنطن ولندن في جذب أستراليا إلى خيارهما الاستراتيجي، بعدما راهنت باريس على أن صفقة الغواصات الأسترالية تعكس انخراط كانبيرا في صف خيارها الاستراتيجي حيال منطقة المحيطين. خروج أستراليا سيُضعف موقع فرنسا والقارة العجوز في هذا الجزء من العالم، حيث اعتبر الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية جوزيب بوريل أن «مستقبل الاتحاد ومنطقة المحيطين متشابك».
إعلان التحالف الدفاعي الثلاثي قرأته فرنسا على أنه عملية تهميش وإضعاف لها في تلك البقعة التي تتنافس الصين والولايات المتحدة على سيادتها. وهي قراءة لا توارب الحقيقة في ظل اختلاف المقاربتين الأمريكية والفرنسية لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ. المقاربة الأمريكية لمواجهة صعود الصين و«مشروع الحزام والطريق» يقومان على مبادرة «المحيط الهندي الهادئ الحر والمفتوح» في زمن دونالد ترامب، وهدفها تشكيل أحلاف في وجه بكين، ويندرج في صلبها التحالف الدفاعي الثلاثي الجديد، فيما تستند الاستراتيجية الفرنسية – الأوروبية على مبدأ أن تكون المنطقة حرّة ومفتوحة للجميع، واعتماد سياسة المنافسة في احتواء الصين من دون الذهاب إلى تشكيل أحلاف في وجهها، يمكن أن يُعرّض تجارة أوروبا الأكبر مع دول تلك المنطقة للخطر.
حاولت أصوات أوروبية حليفة لواشنطن القول إن موقف أوروبا تجاه التهديد الصيني ما زال غير واضح، وهذا ما دفع استراليا إلى الحضن الأمريكي – البريطاني. ويذهب محللون استراتيجيون ى الاعتقاد بأن تفاقم المخاطر في المستقبل سينحو بدول أوروبية، ولا سيما تلك التي كانت سابقاً ضمن المعسكر الشرقي، إلى الالتحاق بالحلف الناشئ. فرغم أن باريس نجحت في جعل الاتحاد الأوروبي يصطف إلى جانبها في أزمة الغواصات على أنها قضية أوروبية لا فرنسية، من منطلق أن السياسة التي تعتمدها واشنطن حيال الحلفاء ما عاد ممكناً الوثوق بها لضمان حمايتهم الاستراتيجية ومصالحهم، إلا أنها لن تستطيع التأثير بشكل كبير على حلفاء واشنطن الخلص ضمن الاتحاد والذين انبروا في الدفاع عن خطوة الرئيس الأمريكي وعن قرار أستراليا، ودعوة باريس إلى الهدوء.
لا شك أن حلفاء أمريكا لم يفيقوا بعد من صدمة الانسحاب الأمريكي المفاجئ من أفغانستان، وغير المنسّق معهم، حتى حلَّ كالصاعقة نبأ تشكيل تحالف «أوكوس» الذي صيغ بسرية تامة وإلغاء صفقة الغواصات. هي أزمة وُصفت بأنها «أزمة ثقة». بايدن ضرب بعرض الحائط شعاره «عودة أمريكا» وتبنّى شعار ترامب «أمريكا أولاً» لكنه بعد الهجمة الفرنسية واصطفاف الاتحاد إلى جانب باريس، يعد بأن يعود مجدداً شريكاً موثوقاً به من حلفائه الذين أُسيئت معاملتهم خلال عهد سلفه. وجرى إعلان مشترك بعد مكالمة أجراها مع إيمانويل ماكرون عن «التزامات» لإعادة إرساء الثقة بعد الأزمة الدبلوماسية بين البلدين التي اعتُبرت الأخطر منذ العام 2003 يوم رفضت باريس الحرب الأمريكية-البريطانية على العراق.
وجاء في البيان المشترك أن الرئيسين سيلتقيان «في أوروبا نهاية شهر تشرين الأول/أكتوبر لإطلاق عملية تشاور معمّق تهدف إلى تأمين الظروف التي تضمن الثقة واقتراح تدابير ملموسة لتحقيق الأهداف المشتركة» وقد بدأت التحضيرات لها بين وزير خارجية البلدين جان إيف لودريان وأنتوني بلينكن الذي قال إن بلاده تدرك أن المصالحة مع فرنسا بعد أزمة الغواصات ستستغرق وقتاً وتتطلب عملاً دؤوباً من جانب واشنطن. وكشف بلينكن أن الولايات المتحدة تعد «استراتيجية معدّلة» لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ لتكون أكثر تناغماً مع التحالفات القديمة لبلاده عبر المحيط الأطلسي، وستكون على دراية باستراتيجية الاتحاد الأوروبي لمنطقة المحيطين التي لعبت فرنسا دوراً في تطويرها، متحدثاً عن أن هناك العديد من الطرق التي يمكن من خلالها القيام بتعميق التعاون هناك».
ليس ثمّة قلق على الأبواب من أن تدير فرنسا ومعها أوروبا الظهر إلى الولايات المتحدة كشريك حتمي، حتى ولو أثارت «أزمة الثقة» نقاشاً داخل فرنسا وفي أروقة بروكسل حول الحاجة إلى الإسراع نحو سيادة أوروبية أكبر في مجال الدفاع من أجل تحرير نفسها من المظلة الأمريكية، لكن «الغطرسة» في التعامل مع الحلفاء باتت تتطلّب قدراً من الحياء في الشكل وإن كان أحداً لا يقتنع بأن أمريكا ستغيّر حرفاً في كل ما من شأنه أن يؤمّن مصالحها أولاً.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية