أحسب أن اسم شكسبير لا يغيب عن أذهان المهتمين بالآداب الأجنبية. ولكن اسم كريستوفر مارلو قد لا يكون معروفاً لغالبية المتأدِّبين. فقد وُلِد الأديبان في السنة نفسها، 1564 وكانا من الأسماء اللامعة في نهايات القرن السادس عشر، عصر الملكة اليزابيث الأولى. وإذ تَمتَّع شكسبير بحياةٍ سعيدةٍ نسبياً وناجحةٍ بغزارة الإنتاج المسرحي والشعري، حتى قرَّر الارتياح من العمل والعودة إلى مدينته ستراتفورد-أون-أيفون، واشترى لتقاعُدهِ أكبر بيت في المدينة بمبلغ كان يُعَد كبيراً جداً في زمانه وهو 60 جنيهاً، أي ما يدفعه امرؤ هذه الأيام لقاء عشاء لاثنين في مطعم شهير!
بعد أن تقاعد شكسبير عام 1613 توفِّي بعد ذلك بثلاث سنوات، أي عام 1616. لكن كريستوفر مارلو قُتل في وسط المدينة في مشاجرةٍ عام 1593 ولم يكمل عامه التاسع والعشرين.
كتب شكسبير 38 مسرحية، ربما كانت اثنتان منها بالاشتراك مع كاتب آخر. وقد تُرجم أغلب هذه المسرحيات إلى عدد ِمن اللغات العالمية ومنها العربية. أما مسرحيات كريستوفر مارلو فقد كانت أربع مسرحيات معروفة للمتخصّصين في الأدب الانكَليزي. ولا أعرف إن كان بعضها قد تُرجِم إلى العربية، ولكن في عام2013 طلبت مني وزارة الإعلام في الكويت ترجمة مسرحية «مأساة الدكتور فاوستس» وقد صدرت ترجمتي بالعدد 368 تشرين الثاني/نوفمبر 2013.
كتب كريستوفر مارلو مسرحيةً بعنوان «يهودي مالطه» ونشرت عام 1589 ولكنها لم تظهر على المسرح إلاّ بعد وفاة مارلو بإحدى عشرةَ سنة. تدور المسرحية حول تاجر يهودي في جزيرة مالطه الواقعة تحت سيطرة الأتراك، أي العثمانيين المسلمين، ويحكمها مسيحي من أهل الجزيرة. لكن التاجر اليهودي باراباس يكره ذلك الحاكم لمحض أنه مسيحي. وتدور أحداث المسرحية حول انعكاس الكراهية إلى التاجر اليهودي الجشع بسبب رفضه التبرع بأمواله مثل اليهود الآخرين في الجزيرة الذين اضطروا للتبرع للمساعدة في دفع الجزية المفروضة على الجزيرة من جانب المُسيطر العثماني. وفي هذا غمز لقناة المسلمين. طلب حاكم الجزيرة من جميع التجار اليهود تقديم نصف ممتلكاتهم للمساعدة في دفع الجزية وإلاّ عليهم أن يتحوّلوا إلى المسيحية. لكن باراباس رفض فحُكم عليه بمصادرة جميع أمواله ومصادرة بيته وتحويله إلى دير للرهبان. فأوعز اليهودي الجشع إلى ابنته الوحيدة آبيكيل أن تدّعي أنها انقلبت إلى المسيحية وقرّرت دخول الدير لتكون راهبة. وكان باراباس قد خبّأ أمواله تحت أسُس داره الكبيرة في موضِع لا يعرفه سوى ابنته. وعندما دخلت الإبنة المُتَرَهبنة إلى بيتهم/ الدير بدأت بقذف أكياس المال من النافذة إلى أبيها الواقف في الليل تحت النافذة ليتسلم أكياس المال ويذهب ليُخبِّئها في مكان آخر. وتستمر المسرحية في أحداث من العنف المتبادل بين الشخصيات. وفي هذه الأثناء أرسل باراباس طعاماً إلى الدير بمناسبة ذكرى دينية، لكن الطعام كان مسموما ًمما أدّى إلى موت جميع سُكّان الدير المسيحيين. ولم يتوقف هذا البطل الجشع عن حياكة الأعمال الانتقامية للمسيحيين في الجزيرة ولوَفد المسؤولين الأتراك المسلمين الذين دعاهم إلى مأدبة كبيرة وضع تحتها قدوراً كبيرة من الزيت المغلي، وما لبث أن خسف بالضيوف الأرضيةَ الزائفة فسقطوا جميعا في الزيت المغلي وماتوا شرَّ ميتة، لكن باراباس لقي نفس الميتة في ختام المسرحية.
وفي عام 1596 أي بعد سبع سنوات من نشر «يهودي مالطه» نشر شكسبير مسرحية بعنوان «تاجر البندقية». ولا أدري لماذا اختار المترجم العربي كلمة «البندقية» وهي تحريف التسمية الألمانيه «بِنيدِك» للاسم الإيطالي الأصلي «فينيسيا». ومثل مسرحية مارلو تعبِّر مسرحية شكسبير عن كراهية اليهود في بريطانيا في القرن السادس عشر، وهو عصر الملكة اليزابيث الأولى. ولكن الفرق بين المسرحيتين كبير من حيث معالجة كراهية اليهود. فإذ تحفل مسرحية مارلو بالعُنف والحِيَل والرغبة الشرسة بالإيذاء، مع غياب موضوع الحب، وهو الموضوع الأثير في المسرحيات، نجد مسرحية شكسبير تدور في إطار الحب والصداقة والرغبة في مساعدة من به حاجة للمساعدة. بطل مسرحية شكسبير هو أنتونيو التاجر الثري صاحب السفن التي تحمل البضائع من الشرق، والذي يساعد من يستدين منه مالاً ولا يطلب ما يطلبه المرابي اليهودي الجشع شايلوك مثال القسوة وكراهية المسيحيين من حوله. وفي مسرحية شكسبير حُبٌّ وحِيَل المُحبّين التي تؤدي إلى سعادة الجميع. ومثل باراباس «يهودي مالطه» نجد شايلوك يهودي البندقية له إبنة وحيدة يستدعي تصرفها إعجابنا، ونفرح لنجاحها ومكافأتها بزوج يُحبّها، وأموال تستخلصها الدولة من أموال أبيها لتسعد البنت بها في حياتها الزوجية.
لم تكن كراهية اليهود في بريطانيا القرن السادس عشر وليدة ذلك القرن نفسه، بل كان لها تاريخ طويل يمتد في عدد من البلاد الأوروبية وبأشكال مختلفة. لكن تلك الكراهية كانت ذات طابع ديني في الأساس، يفيد بأن اليهود هم الذين قتلوا المسيح، لذلك يجب الاقتصاص منهم بأي طريقةٍ ممكنة. ثم تطورت تلك الكراهية لتتخذ طابعاً سياسياً، أو أن السياسة استَغلّت مسألة الكراهية الدينية لبلوغ مآرب أخرى. والثابت تاريخياً أن الحروب الصليبية اتخذت من كراهية اليهود قَتلة المسيح وسيلةً للتوسع والسيطرة على بلد المسيحية وما جاورها من البلاد الإسلامية. ويبدأ هذا في القرن الحادي عشر، ونجد أصداء واسعة له في الحملة الصليبية التي قادها البابا إنوسنت الثالث البريء، من باريس عام 1209 نزولاً إلى الجنوب الفرنسي للقضاء على حضارة بروفونس الوثنية، والسبب الحقيقي هو الطمع بثروات الجنوب الفرنسي. وكان من نتيجة تلك الحملة هروب شعراء التروبادور إلى صقليا والجنوب الإيطالي حيث ازدهر شعر الحب الدنيوي وامتدّ أثره إلى أوروبا جميعا وصولاً إلى شكسبير ومن تبعه في كتابة شعر الحب.
وبالعودة إلى التاريخ القديم نجد أول مظهر لكراهية اليهود يتمثل في ما يدعى السبي البابلي، عندما قام ملوك آشور وبابل عام 721 قبل الميلاد و 597 و 586ق.م. بغزو بلاد الشام ومنها فلسطين التاريخية. وفي كل مرة كان اليهود يؤخذون أسرى إلى خارج فلسطين لتخليص أهل البلاد منهم. ونعرف أن فلسطين كان فيها أقوام من الفينيقيين والمصريين والعرب والأحباش، واليهود، فلماذا اختار القائد الآشوري-البابلي أن يأخذ أسراه من اليهود دون غيرهم من الأقوام؟ فقد كان الرومان أول من أباد اليهود في فلسطين عام 135 للميلاد. ويخبرنا التاريخ عن اضطهاد اليهود في عدد من البلاد الأوروبية في القرون الأولى للمسيحية. وأشهر الأمثلة على ذلك مذبحة اليهود في راينلاند بألمانيا عام 1090م، ثم طرد جميع اليهود من بريطانيا عام 1290. وفي عام 1348 تم في ستراسبورغ جمع 900 يهودي وحرقهم جميعاً. وقبل ذلك في بريطانيا عام 1190 تم جمع اليهود في منطقة يورك وحوصروا في قلعة كبيرة حيث تم حرقهم جميعاً وهم أحياء. وفي عصر الإصلاح الديني بقيادة لوثر وصفوا بأنهم «الجنس المرفوض الملعون». والأمثلة على ذلك كثيرة حتى نصل إلى مفهوم «يودِنهاس» الألماني الذي يفيد «كراهية اليهود» الذي تطوّر لاحقاً على يد هتلر إلى شعار «الحَلّ النهائي» أي القضاء على اليهود جميعا في العالم لتخليص البشر منهم.
في مقابل هذا الاضطهاد لليهود في العالم المسيحي الأوروبي، المتحضِّر، نجدد اليهود يعيشون في سلام في البلاد الإسلامية، بدءاً من الجزيرة العربية قبل الإسلام وامتداداً إلى العصر العباسي والحكم الأندلسي. فالفيلسوف اليهودي الأندلسي ابن ميمون ميمونِديس قد درس عند الفيلسوف المسلم الأندلسي الكبير إبن رُشد. وعند سقوط الحكم الأندلسي عام 1492 أمر الملِكان المسيحيان الأوروبيان المتحضِّران جميع اليهود بالأندلس أن يتحوّلوا إلى المسيحية وإلاّ فالقتل نصيبهم. ومن استطاع منهم الهرب التجأ إلى بلاد المغرب العربي الإسلامي أو إلى الإمبراطورية العثمانية الإسلامية.
وعند النظر في تاريخ اليهود منذ أيام نبوخذ نصر إلى أيام ادولف هتلر ما زال المرء يتساءل: لماذا كانت معاملة اليهود على امتداد التاريخ واضطهادهم لا تشبهها أية معاملة لأية جماعةٍ دينيةٍ أو عِرقية؟ لماذا؟ وثم لماذا؟