‘ فراشة يوسف ‘ للشاعر التونسي حافظ محفوظ: شعرية الرمز النبوي عبدالرازق القلسيفي كل مرة يرد فيها اسم النبي يوسف في الشعر نتذكر راسا ديوان محمود درويش ‘ احد عشر كوكبا ‘ ففي هذا الديوان استوعب الشاعر الكبير شخصية هذا النبي، سواء في ابعادها النبوية، او في ابعادها الرمزية المتصلة بعذابات الانسان الفلسطيني و الفاجعة الفلسطينية و قد اشتغل على هذا الرمز النبوي مستوحيا منه طبقات من المعاني. سواء تلك المتصلة بالعلاقة مع الذات الالهية او تلك التي تشير الى علاقته بالاخوة و بالسلطة و بالملك و بالمراة و يبدو ان للمراة و للسلطة فتنة على الشعراء و لذلك كان فضاء الشعر مفتوحا على الاحتمالات التي تتولد على الممكنات السياسية و الانسانية العميقة من وراء حضور المراة و السلطة، و لكن هناك بعدا ظل عصيا عن الشعر و الشعراء، رغم انه الاكثر فتنة و الاقرب الى روح الشعر و الى فلسفته العامة في قراءة الانسان و الواقع.
انه بعد الرؤيا و الحلم و بعد المطابقة بين الحلم و الواقع و استباق الزمن و قراءة الاتي بقوة الوحي و سلطان النبوة، بالنسبة للنبي، و بقوة الالهام و القدرة على استكشاف مغالق اللاوعي بالنسبة للشاعر. حقا ان العقل الباطن و الاحلام تمثل الوجه الثاني الغامض و الساحر للوجود الانساني وتتنازع المعارف تملك هذا البعد فالاديان و المذاهب الباطنية و الطب النفسي و السحر و الشعوذه تسعى الى تفسير هذا العالم المستغلق بالادوات الممكنة و لكن يظل للشعر كلمته في هذا المجال و لاجل ذلك لم يعد ممكنا له ان يظل متوقفا على سرد قدرات النبي يوسف في فك شفرات الاحلام و الرؤى و في النفاذ الى طبقة اللاوعي و الكشف عن القوى غير المرئية المؤثرة و الحاسمة في مصير الفرد و الجماعات، بل امسى هاجسه في ان ينفذ هو الى تلك العوالم الغامضة و ان تكون اللغة الشعرية طريقا لمشاكلة بنية الحلم و اكتساب قدراته في قراءة الوجه الخفي غير المعلوم و غير المقروء للذات البشرية.
و لم يكف الرمز النبوي يوسف عن اثارة الشعر و مسائلة الشعراء، ففي ديوانه الاخير، عمد الشاعر التونسي حافظ محفوظ الى ان يضع عنوانا واضحا هو ‘ فراشة يوسف ‘ و يشتمل على حوالي اربعين قصيدة متفاوتة الشكل و الطول، ما بين رباعيات و قصيدة النثر و ما بين شعر حر.
و تعد قصيدة ‘ فراشة يوسف ‘ اكبر القصائد طولا و قد وضعها الشاعر في الصفحات الاولى من الديوان باعتبارها مدخلا لقراءة بقية القصائد و الخيط الناظم للوحدة الداخلية التي تمسك بالنصوص و تخلق لها شكلها و بنيتها و لكنه و بدءا من السطور الاولى نلاحظ وجود قوتين تتحكمان في ابداع الشاعر، الاولى قوة اعادة انتاج سيرة النبي يوسف و انشاء ضرب من السردية الشعرية التي تتمحور على شخصية النبي فيما القوة الثانية تستوحي من سيرة هذا الرمز ما يدعو الى النظر في المنزلة الانسانية للذات الشاعرة الباحثة عن ضرب من الامان في اتون التساؤلات عن قيم الحرية و الصدق و الحب باعتبارها قيما بشرية خالدة. الشاعر حافظ محفوظ يولد بميلاد قصائده و يبدو لنا انه مسكون بلحظة الخلق و التكوين و عاشق لمادة الطين باعتبارها المادة الشريفة التي خلق بها الانسان حسب المنطوق الديني لكل الاديان السماوية كما انه مسكون بالظلمة و الظلام و بالظلال و بما يشي بالغموض في اللحظة الراهنة و في الزمن الاتي، و لاجل ذلك يتساءل الشاعر عبر سميه يوسف ‘هل ضاءت قناديلي ‘ ، فالمؤكد ان كناية الخروج من الظلمة الى النور و من السواد الى البياض و من الجب الى او البئر الى ظاهر الارض، هي الكناية التي يعبر بها الشاعر الى متون الحق و الحقيقة و الى التحرر من قيد الوحدة الى فضاء الجماعة و الانتماء ف’يوسف ‘ في متخيل الشاعر ليس دالا اعزل المتخيل الديني و النبوي و الثقافي الاعم و انما هو مداليل لانهائية تنحت علاقة الانسان باخوته في الانسانية، و بالحيوان ‘الذئب ‘ و بالمكان و الجغرافيا و بالمراة الغاوية التي استولت الشهوة على تفكيرها و عقلها و من بين هذه البدائل يؤثر الشاعر اختيار حركة العبور و الارتحال في الحب و في باطن الذات البشرية اذ ‘ سافر من ارض الخرافة طامعا في الحب ‘ ص.27 فالديوان كله تقريبا لحظة عبور بالحب الى آفاق قصية في التجربة الانسانية اكتسبتها الذات الشاعرة من وحي العلاقة بالغواية و الشهوة ‘ اغويت من اغويت ‘ ص.27 فالشاعر يبحث عن الحب و ليس عن الفضيلة، و يبحث عن العشق و ليس عن لحظة نورانية عابرة او مقيمة، و من صميم هذا الرمزالنبوي الغني بعلاماته و ممكناته، ينزل الشاعر الى عمق المدنس الدنيوي منزوعا من كل الاقتدارات النبوية الاعجازية عدا واحدة و هي القدرة التي للشعر في النفاذ الى اللاوعي البشري و الى الحلم الانساني الذي يستوطن النفوس الحيرى الى الحقيقة و تلك النفوس الظامئة الى الجمال و الحرية و هكذا يمعن الشاعر في التحرر من ‘ الباب الموارب ‘ و ‘ من الجب ‘ و من ‘ البئر ‘ و ‘ من عناكب الماء ‘ و ‘ من صخور البئر ‘ و من كل ما يعطل صيرورة الكائن البشري الى الحرية مثلما تتحرر الاشواق الدفينة و الاحلام الكامنة من رقابة الاخر و من سلطة الانا الاعلى و يبدو ان الشاعر حافظ محفوظ قد كان معتدلا في تعاطيه مع النبي يوسف، فهو رمز لغوي و نبوي، و لكنه ايضا علامة لغوية استعارية اكتست طبقات من المعنى بفضل الاقتدارات البليغة في تفسير الحلم و الرؤيا و لذلك نرى في الديوان تداخل الازمنة ‘فسمعت ضحكتي اخوتي /و سمعت قلب ابي يناديني ‘ص. و نلاحظ تمازج الرؤية البصرية مع الرؤية القلبية ‘ رايت الذئب ينزل غابة الاسماء ‘ و يغدو الحلم هو الواقع المادي الحافل بالاشياء و الموجودات و الذوات بحيث يصبح الحلم مقاما من مقامات التاريخ البشري و ليس وجودا موازيا و لا عقلانيا بل و ليس عنصرا متطفلا او غريبا عنه و ان كان اثر الحلم في التاريخ البشري يظل دوما موضوعا للبحث و للخلاف بين المؤرخين و بين علماء النفس و لكن يبدو الحلم بالنسبة للشاعر حافظ محفوظ استلهاما من التجربة النبوية ليوسف فاعلا في التاريخ الفردي و الجماعي على حد سواء، و مؤثرا في حركة الزمن في اتجاه اكثر شراسة و عنفا ام في اتجاه اكثر امنا و سلاما، و بالنسبة للشاعر يبدو الاتجاه الثاني اكثر حضورا و افعل في المتحيل فلسان الانا يقول ‘ و لم انزع قميصي كي تلطخه الدماء’ فالبحث عن الامان و السكينة داخل الروح البشرية و في جغرافيا العالم هو ما يميز الرؤية الشعرية لصاحب ديوان ‘ فراشة يوسف ‘ الذي لا يكف عن الترحال و الترحل و العبور مستهديا ببوصلة النبي يوسف و لكنه متمرد عليها بمنطق القوى الفيزئائية الطاردة التي تباعد بين الشاعر و الرمز النبوي بحيث تنشئ سيرة موازية مع سيرة النبي و لكنها مختلفة عنها، بل انها سيرة ضدية تحتفي ‘ بريح الحب ‘ و ‘ بالعنب و الموسيقى ‘ و ‘ بخموري من كروم الضوء اعصرها ‘ و بكل المناخات التي تفتتن باللذائذ الحسية على انواعها، و هذه اللذائذ لا يبيحها الوعي و و لكن يدعو اليها الحلم و العقل الباطن بل هي نمط من العلاقة الاجتماعية مع المراة و شكلر من العلاقة الجسدية مع الانوثة ‘ رايت فاكهة تدلت من حدائقها و نامت في يدي ‘ فالعلاقة مع المراة ايروسية او لا تكون بحسب المنطوق الشعري الظاهري و ان كان اختزال العلاقة في هذا البعد قد يفقر الرمزمن رمزيته من دون اغنائه بممكنات اخرى و لاجل ذلك انتبه الشاعر حافظ محفوظ الى ‘النموذج الاعلى ‘ الدي يجسده الرمز النبوي يوسف في التاريخ كما في الشعر فالعالم لديه ليس عاشقا و معشوقا فحسب و انما سفر و ترحال ‘ سافرت وحدي يا ابي ‘ و حركة نحو المجهول و نحو التاريخ و لكن بدافعية الحلم و بضغط من لهفة الانسان الفطرية الى معرفة حجب الغيب. اذن تبدو اللحظة الايروسية غير غائبة في متخيل الشاعر فالمفردات الحسية تشيع في القصيذة انفعالات الشهوة التي تابى على السيطرة.
اننا لا نستطيع ان نجزم بحدود هذه الشهوة و بمآلاتها كما هو الامر لدى نزار قباني مثلا – ، و لكن يتولد لدينا احساس بان الشاعر يعشق او يتعشق جسد المراة و في ذات اللحظة يتفنن في أمثلتها جعلها مثالية و في الارتفاع بها الى مدارات الالهة القديمة ‘ فالنساء قطعن أغصان الغواية حينما ابصرنني ‘ و ‘ اصواتي تهش نهودهن ‘ بل لن هذا البعد الايروسي يغدو مصدرا للفرحة و لاشالعة جو راقص ‘فترقص الاهرام ‘ ص.34 ‘ و قميصي المقدود يرقص ‘ ص.34 و ‘ يرقص البلد المحنط ‘ ص.34 و ‘يرقص فرعون ‘ و قديما كان الرقص مقاربة للعالم و تماهيا مع كائناته الحيوانية و غيرها فيما هو ايضا عشق لحركة الجسد التي تابى القيد و تنشد الحرية، و في كل الاحوال فان الشاعر حافظ محفوظ لا تتماهى الذات الشاعرة لديه مع الرمز النبوي (مقارنة مع محمود درويش) و لا تنحل فيها و انما تهتدي بها و تختلف عنها في المقام الحسي و الجسدي الذي يراه الشاعر مؤسسا للكيان الانساني فيما هو عند الرمز النبوي خطيئة لا تغتفر.
في الشعر التونسي و الذي يعد حافظ محفوظ من ابرز اصواته هجر للرموز و للنماذج العليا فقلما نعثر عليها، حتى لدى الشاعرة الكبيرة فضيلة الشابي و هي من هي في الشعرية التونسية، لا بصمة للرموز كما اننا نلاحظ غيابها لدى الشاعر المتفرد منصف المزغني الذي يبحث عن المعنى عبر طرائق اخرى في الاداء الشعري كالسخرية و المفارقة و الباروديا و المسرحة.
نجد الرموز عند ‘عصبة القيروان ‘ و خاصة لدى منصف الوهايبي و محمد الغزي و ان بابعاد صوفية و روحانية لم تستطع الخروج عنها.
هناك في الشعرية التونسية نموذج لشاعر سعى الى تحطيم الرموز و عدم الاعتراف بها ونعني به الشاعر سليم دولة في ديوانه الغريب ‘ كتاب ديلانو /شقيق الورد ‘ و لكن الشاعر حافظ محفوظ في ديوانه ‘فراشة يوسف ‘ يشتغل بقوة على الرمز النبوي يوسف و على شخصية عيسى بن مريم و هو الرمز الذي استحضره السياب و البياتي و درويش في حقبة قديمة من حقب الشعر العربي المعاصر و استحضره محفوظ بالنظر الى رمزيته الفائقة و لانتاجيته للمعنى.
و قد الفي الشاعر في هذه الصورة النمطية ‘ الايقونة ‘ للرسول عيسى الباسط يديه على جموع المؤمنين، الفى فيها تعبيرا عن الرحمة و الايثار و غيرهما من المعاني الكلاسيكية الكبرى في المنطوق الديني المسيحي.
و لكن المهم لدى الشاعر هو انخراطه في الخطاب المباشر مع الرسول عيسى ‘ انت ضيفي ‘ص.38 و ‘ لا ترفع يديك / انا ادلك فامتثل لي طائعا ‘ ص.38 و هو ما يذكرنا بالنهج الدرويشي و بالاستعارة الدرويشية في الخطاب الشعري التي تحافظ على مقامات المتخاطبين و على التراتبية التي تحكم العلاقة بينهم و ليس الشعرمؤهلا على اية حال لكي يساوي بين الذوات المساواة الكاذبة ولكنه يدفع الى معرفة الانسان بذاته و بمنزلته في الحياة و قد اعتمد الشاعر هعلى تجربة المسيح للنظر الى العالم و لذلك نراه يبحث عن بؤرة ضوء في الظلام، و عن شمعة ينير بها الدروب المعتمة ‘ انا ضوؤها المرمي في صلب الملاك اليك فاحضني ‘ ص.43 و نلاحظ ايضا ان علاقة الشاعر بالانسان اوثق اتصالا من علاقته بالمادة و بالاشياء ‘ عندك آنية الخبز لكنني جائع لكلامي ‘ص.39 و بهذا المعنى منح الكلمة الى السيد المسيح و تغدو القصيدة بلسان الرسول و لكنها لا تتحول ابدا الى خطاب وعظي او عقائدي و انما الى فضاء لساني مفتوح على الآخر و على الحب و على الموجودات و على المراة بشكل خاص و التي نجد ارفع مثال لها في ‘مريم البتول ‘ التي لا يكف الشاعر عن استحضارها باعتبارها ‘ سيدة الشرفين ‘ ص.45 فهي رمز للخلاص من مدارات الرعب و من مكامن الماساة و هي لدى محفوظ ليست مساحة للايروس فحسب بل يرتقي بها الى مقام الالهة القديمة التي يتضرع اليها و تقدم لها القرابين و تقام امامها فروض الولاء و الطاعة. و يبدو الاشتغال في الخطاب الشعري على الرموز الدينية منتجا للمعنى و حافزا من حوافز القراءة و لكنه و لنقلها بوضوح اشتغال مرهق و مقيد لحرية الشاعر لان القصيدة لا تنمو في صميم المجهول و الاتي بل هي محكومة بالمعلوم من الرموز و بضآلة منزلة المرموز اليه قياسا بالمنزلة الانتروبولوجية و الروحية للرمز ذاته.
و لاجل ذلك لا يمكن ان يتمدد الرمز في الديوان كله و انما في القصائد التي يراها الشاعر مستوعبة للحظة التماثل او الاختلاف عن الشخصية الام و ضمن صيرورة زمنية فلسفية بامتياز بحيث يغدو زمن الرمز زمن الشاعر و تصبح لحظة الشاعر العابرة لحظة مقيمة او كما يقول في ديوانه المهم السابق و الذي لم يحظ بالاهمية اللازمة ‘ زمن في ابدية ‘ و من اجل ذلك تطورت لغة الشعر في الديوان بدءا من قصيدة ‘ ابجدية ثالثة ‘ ص.49 في اتجاه مختلف و في التوغل في التفاصيل و قصيدة الخبر المتصل بالاوتيوبيوغرافيا و بالشاعر ذاته على ايقاع الانا ‘اليوسفية ‘ التي فيما يبدو فتحت للشاعر مشروعية التواجد في القصيدة بالواقع المتحقق و بالحلم المرتجى فديوان الشاعر قد خرج من سلطة النسق الشعري العام الى الخطاب اليومي الدي يبحث فيه الشاعر عن شعرية ما مندسة خلف رتابة الوجود و معيارية الحياة المجدبة، غيراننا نشير في هذا الباب ان هذه النوعية من القصائد ليست مما عرف به الشاعر حافظ محفوظ على امتداد علاقته بالشعر و منذ ديوانه ‘ الخزاف ‘ ففي قصيدته ‘ ابجدية ثالثة ‘ ومضات عن زيارته لباريس و افتتانه بالاغنية الفرنسية و بالثقافة الفرنسية على وجه اعم فقد سار ‘ بلا وجهة، غير مكترثين بزحمة سان جرمان /مشينا طويلا.
ص.49 الا ان الشاعر يعود و بقوة الى المفردات الكبرى و المفاهيم الانسانية كما لو ان قصيدة التفاصيل لم تخلق له ففي قصيدة اين ‘ اين ارسطو ‘ يسائل الشاعر العقل لكي ‘يعرف طين الحكمة ‘ ص.53 و لكن تستبد به الرغبة الايروسية الاولى البكر فالعقل ينتج المعرفة فيما الرغبة تنتج التجربة التي يتنزل فيها الكائن البشري التنزيل المادي و التاريخي و لاجل ذلك يدعوها ‘ فاسكني في لغتي ‘ و ‘ لتحيي صلصالي ‘ ص.53 فهو لا ينكر فاعلية الرغبة في رؤية العالم و لكنه مع ذلك يخشى ان ‘ يغرق في الوهم ‘ ص. 52 و ‘ ان يلاطف اطيافا ‘ فالرغبة اذن ليست جامحة و مضللة كما هي مثلا لدى منصف الوهايبي في ديوانه ‘ الواح ‘ و انما رغبة متعقلة تتصف بالوسطية و الاعتدال و تنبذ المآلات الراديكالية فما بين ‘ طين الحكمة ‘ و ما بين ‘الرغبة التي تنحت اشكالي ‘ ص.53 تستوي الذات الشاعرة لدى حافظ محفوظ على وتر التفكير في المنزلة الانسانية الوسطية التي يمكن ان ينسكب فيها وجوده و التي هي تجمع على نحو متوتر بالتاكيد بين منزلة العقل لدى ارسطو و منزلة الرغبة لدى كل الحالمين و يبدو ان الشاعر لا يؤثر اللغة المنطقية او التجريدية او تلك المحكومة بالتناسب و انما اللغة الحالمة ‘ فلغتي تحلم ‘ ص.54 و ان تحلم اللغة يعني ان يتمدد وعي الشاعر باللغة و بالعالم على حد سواء و نلاحظ في هذا الصدد كيف ان لغة الشعر لدى حافظ محفوظ لغة غنية بالممكنات و البدائل و لا تحتفي كثيرا بالاغراب في الاستعارة او في الغموض و لكنها مع ذلك لم تخرج بعد من عملية التامل في الصلصال و الطين فهو منبهر بعمليات الخلق و بمواده و لكنه ظل اسيرا لهذه العملية المرهقة و التي تصل الى ذروة ارهاقها في تخيل الشاعر لذات اخرى يخلقها لكي تكون على الصورة التي يتخيلها عن الكائن البشري. امرأة غير قبانية لا شك ان عملية الخلق صعبة و مرهقة ‘ فانا لم اختر صلصالك بعد ‘ ص.63 و لكنها مغرية لانها تنشئ الشئ انشاء مثلما تنشئ القصيدة اللغة من الدرجة الصفر.
و اكثر الامخلوقات التي يعكف الشاعر على انشاءها المراة التي يستوحي بعض ملامحها من سورة يوسف و من سيرته ثم يعيد صياغة هذه الملامح في اتجاه اكثر تحررا من قبضة المرويات الدينية و اكثرها تجاوبا مع المخيال و مع اللاوعى و مع الحلم.
هذه المراة هي بالقطع غير قبانية و ليست ايضا على صورة المراة في الشعر النسوي التونسي، المراة القوية و التي تتابى عن السيطرة كما هو الامر لدى امال موسى في ديوانها ‘انثى الماء ‘ و انما هي فكرة يحلم بها الشاعر ‘ اقتفي خطواتها ‘ ص.63 و هي خيال يتعاطى مع الشاعر بشعرية اللغة و ليس بحسية الالهام و الاستلهام على الرغم من الاستحضار الواضح من المصدر الديني و تاثر الشاعر بالجماليات الكبرى للنص القراني بل و لا نبالغ في القول انه اطلع على سيرة النبي يوسف من متون اخرى كالتوراة مثلا و هو ما جعله يبني صورة للمراة الآثمة و للمراة الخطئية و في الان نفسه للتحرر من قبضة هذه الصورة على الوعي و على القراءة على حد سواء.
ف ‘ اهلي و اهلك يرفعون عصيهم/اهلي و اهلك يجلدون ظلالنا ‘ ص.83 ان صورة المراة في ديوان ‘فراشة يوسف ‘ متعددة ففي بعض القصائد تبدو المراة محورا للعالم ‘ كيف بدوت مقتولا امامك ‘ ص.87 و يخاطبها بقوله ‘هل مسحت الخنجر الوردي في ثوبي ‘ ص.87 و لكن المؤكد ان الشاعر يعشق اعادة الغلاقة بين الرجل و المراة الى المربع الاول الانتروبولوجي و الديني سواء بالعودة الى قصة آدم و حواء او بتالعودة الى قصة زليخة مع النبي يوسف، و في كلا القصتين او السرديتين ‘ التفاحة ترنو نحوي في عجل ‘ ص.90 فيما تتناظر التماعات الشهوة مع نداء العقل ‘فثمة انثى فوق سريري / ثمة كاس فارغة في كفي ‘ص.91 و الشاعر لا يتمنى ان تنبثق سرديته من عنف الشهوة و انما من التاريخ الذي يحف بها و من القصة التي تتنزل فيها و من المعقولية التي يمكن تفهمها فهاجس الشاعر اذن ليس الحدث المنعزل و انما السردية برمتها، لا لكي يصوغها من جديد و انما لكي يقف على الروح التي تحركها.
و في هذا الصدد كانت القصيدة ‘ لم يكن للفراشة من اثر ‘ و المهداة للشاعر خالد الذكر محمود درويش استعادة جمالية متجددة لسيرة النبي يوسف و فيها يحتفي الشاعر بالحب و بالعشق احتفاءه بالطين و الرماد كما لو ان النص الشعري لحافظ محفوظ لم يستنفذ اغراضة بعد من الرمز النبوي و كما لو ان قصائده المقبلة لن تكف عن الافتتان به[email protected]