السياسة … من منظور مختلف

حجم الخط
0

في الأصل كل مكونات الطبيعة لها مظاهرها الجمالية المتعددة من الأشجار والزهور والرمال والجبال (لا أتحدث عن فوائدها واستخداماتها) والأنهار والبحار اضافة جمال السماء بلونها والنجوم المتناثره في فضائها فهل استوعب الانسان هذا الامر وما دلائل وعيه بكل تلك المظاهر الجمالية وكيف يعكسها في حياته ان اكان استوعبها وادرك ماهيتها .
والاجابة تكون بالنفي أن أغلب الناس لا يدركون تلك المظاهر الجمالية ومع الرأسمالية وتطورها التقني وتسليع الانسان وتشيئه ومع ظهور جماعات ونخب واحزاب ومراكز قوى تمارس العبث السياسي والتدميري لا يرتبط هذا الامر بتعميم الفوضى الامنية وبؤر النزاع والفتن المذهبية والطائفية بل وحتى تعميم القبح بكل انواعه ومظاهره من العمارات الاسمنتية بأشكالها واحجامها الديناصورية إلى تعميم موسيقى تافهة ذات صخب ملائم لحركة الشارع وليس لأحاسيس الانسان مرورا بالسينما والتلفزة والأذواق في الأكل وهنا تكون الرأسمالية قادرة على تعميم نماذجها الجيدة والقبيحة في أن واحد وفق منطق السوق ومنطق الدعاية وإغراءاتها في خلق انماط استهلاكية تافهة.
وهنا يتم اختيار الاشخاص ذي الحالات المرضية ليكونوا ممثلين للرأسمالية في تعميم القبح فنيا وموسيقيا وانتاجا للسلع وصولا الى السياسة حيث يتم اختيار الاغبياء والاقل ذكاء ذي الأفق المحدود والنزوع للتبعية والتدجين وهم بذلك يمررون كل مظاهر القبح السياسي من خلال قرارات وتوجهات وممارسات مدمرة للمجتمعات وللثقافة ولمعرفة ذلك تكفي نظرة واحدة لمن يشغل مراكز صنع السياسية في الدول العربية في الصف الاول والثاني ومعرفة مستوياتهم الثقافية والمعرفية ومدى استيعابهم للفلسفة السياسية، ناهيك عن غياب خبراتهم في الإبداع والتفكير النقدي وصولا إلى ممارساتهم اللاعقلانية في السياسة والادارة.
وهنا تكتمل دائرة القبح في حياتنا العربية بدءا من شوارع مكتظة بالسيارات وممتلئة بالقمامة وضوضاء لامحدودة لها مصادر متعددة مرورا بإعلام سطحي ومنهج دراسي جامد لا يتوافق مع متغيرات المجتمع ولا يتوافق مع النظريات التعليمية الحديثة وصولا الى ادارة سياسية بلهاء وبائسة تفتقد الى ادنى محددات المعرفة السياسية وعليه فالسؤال الذي يثير السخرية هو عن الاستغراب لماذا لا نتطور ولا تتطور مجتمعاتنا .. والسخرية تكون بمعرفة كيف سيأتي التطور في سياق لامجال فيه لمحددات التطور ومرتكزاته حيث يتم تغييب واهمال الممكنات الموضوعية اللازمة للبناء الحداثي والتغييري ..
فمجتمع كاليمن يتصف بعدد محدود ممن يقرأون الكتاب ومحدودية معارض الكتب والكتاب ليس أولوية مقابل لقمة العيش والحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني لا يدركون قيمة الكتاب ولا يدعمون الشباب في انتاج كتبهم وابداعهم إلا في حالات قليلة جدا جدا ومعنى ذلك أن السياسة ودوائرها المختلفة لا تبحث عن المثقف وعن المعرفة بل عن الجاهل والمتعصب. ومن هنا لا نستغرب عن عاطلين من خريجي الجامعات والمعاهد في مجتمع الأمية تفوق نصف سكان المجتمع بين الجنسين .فمدينة صنعاء يمر فيها عام واعوام متتالية دون حفلة موسيقية ودون عرض مسرحي واذا اقيم معرض تشكيلي يتم زيارته من شباب الجامعات بأعداد محدودة وربما اصدقاء الرسام واقاربه ..ولما كان مجتمعنا ليس رأسماليا وليس ديمقراطيا ولا حداثيا فإننا قد استوردنا قبح الرأسمالية مع قبح الصحراء والقبيلة ببداوتها وعفنها التاريخي ليكملا بعضهما في منظومة اصبحت حاكمة للسياسة والاقتصاد وللمجتمع بشكل عام..؟

د. فؤاد الصلاحي – استاذ علم الاجتماع السياسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية