التحية لسمر وأبنائها… ولا نامت أعين الآخرين

حجم الخط
2

(1)أتحفنا برنامج النشرة المسائية التفاعلية (آي بي إم، المعتمد على مساهمات المستمعين) في الثالث من كانون الثاني/يناير الجاري بواحدة من روائعه حين استجاب لرسالة من سيدة بريطانية استمعت لمقابلة أجريت مع جراح بريطاني قادم من سوريا المنكوبة بنظامها وعروبتها ومدعي الإسلام فيها. وكانت النتيجة إجراء حوار مباشر بين السيدة وأم سورية تقيم في حلب.

(2)
قالت السيدة، واسمها إيما سوليفان، إنها استمعت في صدمة وذهول للمقابلة وهي تعد العشاء لأسرتها، وظلت مسمرة أمام المذياع بعد أن أغلقت على نفسها باب المطبخ، وطلبت من زوجها وابنها ذا العشر سنوات عدم إزعاجها. وعندما فرغت من الاستماع لم تتمالك التساؤل: كيف يا ترى تعيش الأمهات مثلها في ذلك البلد المنكوب؟ وقد سمح لها البرنامج بتوجيه هذه الأسئلة مباشرة مع للأم السورية المقيمة في المناطق المحررة في حلب.

(3)
رحبت السيدة، واسمها سمر، بهذا الاتصال المفاجئ الذي ذكرها، بعد أن عم الشعور في سوريا بأن العالم نسيهم، بوجود من لا يزال يذكر أن في تلك المنطقة من العالم بشر. عرفت سمر نفسها بأنها أم لثلاثة أطفال، بنتان في الخامسة العشرة والعاشرة، وابن في الثالثة عشرة، تعيش وأطفالها في حلب تحت وقع براميل الأسد المتفجرة. وفي البداية لم ترسل الأطفال إلى المدرسة خوفاً عليهم، وكانت تهرع بهم للاختفاء في الغرفة الخلفية كلما اقتربت التفجيرات، وتجتهد في تهدئتهم.

(4)
بعد فترة، لم تعد اليومية تخيفهم، وأصبح الأطفال لا يأبهون للانفجارات. وبدلاً من أن تهدئهم الأم، أصبحوا هم من يطلب منها ألا تأبه للأمر. عاد الأطفال كذلك للدراسة، لأن المخاطر متساوية في المنزل وخارجه. وفي كل صباح، تودع الأم أبناءها ولا أحد منهم يعرف إن كان سيلتقي الآخر في نهاية اليوم. فقد تذهب الأم ضحية البراميل، أو قد يصاب الأطفال في المدرسة أو في الطريق.

(5)
التساؤل الذي يطرح نفسه هو لماذا تصر الأسرة على البقاء رغم كل هذه المخاطر؟ كان هذا قراراً اتخذته الأم بإصرار: قررت أن تبقى وتقاوم، وتساهم بكل ما تستطيع في مساعدة الضحايا، حيث تخصصت في معالجة الأيتام الذين يعانون الصدمات. وقد وطنت أبناءها أيضاً على البقاء، فيما عدا رحلات قصيرة إلى تركيا للعطلات لا تزيد على عشرة أيام لقليل من الترويح، يسارعون بعدها للعودة.

(6)
تقول سمر إنها لم تر أمها ولا أحداً من الأقرباء أو الأصدقاء منذ عدة سنوات، كما أن المعاناة بلا حدود، حيث تفتقد الضرورات، حتى المياه. وتروي حادثاً غاية في الطرافة، لولا مأساويته السوداوية. فقد افتقدوا الماء لأيام طويلة حتى يئسوا. ثم جاءت طائرة أسدية فألقت ببرميل متفجر (يا ترى ما هي العقوبات المناسبة لهؤلاء الطيارين السوريين حين يتم القبض المحتوم عليهم؟) فنتجت عن التفجير هوة ضخمة تفجرت من داخلها المياه، حتى أصبح الأطفال يلعبون ويسبحون فيها. ومع ذلك ترى سمر أن من واجب كل السوريين القادرين على المساعدة البقاء، وتطالب من غادر بالعودة، وترى أن هذا واجب مقدس لا حياد عنه، خاصة على أصحاب المؤهلات الجامعية من أمثالها.

(7)
لهذه القصة أيضاً جانب مأساوي مظلم آخر، مليء بدوره بالعبر. سألت إيما سوليفان سمر عن زوجها، خاصة وأنها لم تذكره خلال المحادثة، فأجابت بأنها وزوجها انفصلا قبل عامين بسبب خلاف سياسي. كان زوجها يعارض مشاركتها في الثورة، ويرى أن عليهما إيثار السلامة والاهتمام بأنفسهما وأطفالهما وعدم الالتفات إلى معاناة الآخرين. وبسبب هذه الخلافات والملاحقات الأمنية اضطرت لمغادرة مدينتها وانفصلت عن زوجها.

(8)
قبل فترة، اتصل الزوج طالباً الحضور لزيارة أطفاله. وأثناء الرحلة، تعرض الطريق لقصف وفقد الاتصال بالزوج منذ حينها. والراجح أنه قتل في ذلك القصف، مما اضطر سمر لنقل هذا الخبر المؤلم لأطفالها الذين فقدوا والدهم.

(9)
نحن بالقطع مدينون لإذاعة البي بي سي لنقل هذا الجانب المشرق لبطولة هادئة لامرأة سورية مناضلة، تضرب أروع الأمثال في الصمود والسمو الأخلاقي في ظلام هذه الأزمنة. نحن هنا أمام امرأة بألف رجل مما تعدون، بل بأمة، ما كنا لنعرف عنا شيئاً لو هذا العمل الصحافي الخلاق المبدع. وما كانت هي لتعبأ بسماعنا عنها من عدمه. إنها حقاً أسطورة من أساطير عصرنا، وآية من آيات الزمان.

(10)
نحن هنا أمام الواقع العربي الجديد الذي شكلته الثورات العربية، وأمام إنسان هذا العصر في أروع تجلياته. هذا هو الدليل الساطع على أن الأسد والسيسي ومبارك وبن علي قد هزموا أنكر هزيمة. ها هي سمر التي ضحت بسعادتها الزوجية ورفاه أسرتها من أجل وطنها وشعبها، وهي حية رغم براميل الأسد وبوتين ونصر الله وخامنئي وكل من راهنوا على إخضاع وإذلال الشعوب العربية، خسئوا وخابوا. أما زوجها الذي آثر السلامة (أو انحاز إلى الظلمة كما يبدو رغم أن سمر آثرت التخفيف والستر في توصيفها لحاله) فقد قتل ببراميل من آثر رضاهم. فلا نامت أعين الجبناء أبداً أبداً.

٭ كاتب وباحث سوداني مقيم في لندن

د. عبد الوهاب الأفندي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية