فيلمان محفوران في ذاكرة جيل الخمسينات (2 من 2): «أيامنا الحلوة» مأخوذ عن رواية للفرنسي هنري ميرجيه

حجم الخط
3

أما الفيلم الآخر الذي انجذب إليه جيلنا وشاهده مرارا وتكرارا من خلال الشاشة الفضية، بل واندمج مع أحداثه إلى حد النواح والتأثر فهو فيلم «أيامنا الحلوة» المأخوذ (الأصح المسروق لأن منتجي الفيلم لم يشيروا إطلاقا إلى مصدره) عن رواية «البوهيمية» للكاتب الفرنسي هنري ميرجيه، الذي أخرجه حلمي حليم من إنتاج «شركة الفيلم العربي»، وتم عرضه للمرة الأولى في القاهرة بسينما ديانا في السابع من مارس/آذار 1955 .
والحقيقة أن العنوان الذي اختير للفيلم بعد تمصير أحداثه على يد المبدع علي الزرقاني كان موفقا ومنسجما مع صلب موضوع الفيلم، وهو تعاون وتكاتف ثلاثة شبان فقراء على السراء والضراء في محاولتهم إاتمام تعليمهم وتحقيق طموحاتهم وسط ظروف اجتماعية صعبة، لكن داخل بيئة حميمة. فهذا كان واقع حال الكثيرين من شباب تلك الحقبة الزمنية من ذوي الإمكانيات المحدودة والطموحات الكبيرة.
وبطبيعة الحال، ما كان للفيلم أن ينجح لولا إسباغ شيء من الميلودراما العاطفية عليه، من خلال تنافس الأصدقاء الثلاثة (عبدالحليم حافظ وأحمد رمزي وعمر الشريف) على قلب فاتن حمامة، الفتاة اليتيمة التي دفعتها ظروفها المعيشية القاسية إلى استئجار غرفة متواضعة بجوارهم، إلى أن يظفر الأخير بقلبها ويتزوجها، لكن من دون أن يتسبب ذلك في حدوث شرخ في علاقات الزملاء الثلاثة بعضهم ببعض، بل من دون أن يؤدي ذلك إلى تخلي حليم ورمزي عن صديقهم الثالث حينما تصاب زوجته بمرض عضال يستلزم علاجه نفقات باهظة. وفي هذا أيضا تجسيد رائع للعلاقات الإنسانية والتكافل والمشاعر الدافئة التي كانت سائدة بين الأصدقاء والجيران في ذلك العصر المتميز ببساطته وحميميته.
أحسب أن هذين الفيلمين، وما شابههما من أفلام ظهرت في ما بعد، لم يجدا طريقهما إلى أفئدتنا وعقولنا إلا لتناولهما للحب البريء الطاهر البعيد عن الأغراض الدنيئة، خصوصا أن جيل تلك الحقبة كان بطبيعته محبا وعاشقا لكل شيء.. للجمال.. للأناقة.. للموسيقى.. للحياة.. للعلم.. للمجد. فمثلا كل واحد منا تقريبا كان متعلقا ببنت من بنات الجيران، أو كان يتوهم أنها تبادله مشاعر الحب بمجرد أن تمنحه ابتسامة طائرة من خلال النوافذ المتقابلة، أو تتبادل معه نظرات خجولة أثناء الذهاب إلى المدرسة والعودة منها، أو تهمس له من خلف الجدران الفاصلة ما بين سطوح المنازل المتلاصقة. فكان ذلك أسعد ما نمر به من لحظات، ويظل لصيقا بوجداننا طوال الأيام والأسابيع التالية، نتخيلها ونرويها عشقا وهياما ونبني الآمال العريضة عليها.
أما أكثر الأوقات التي كانت تراودنا فيها تلك الأحلام والتخيلات الوردية فهو وقت افتراشنا لسطوح منازلنا العربية البسيطة في ليالي الصيف الرطبة، وتلحفنا بسموات صافية مزينة بالأقمار والنجوم المضيئة. هل بإمكان أحد أن يخبرنا أين اختفت تلك النجوم التي كنا نحاول عدها إلى أن نغفو؟ ولماذا لا نرى اليوم سوى سموات داكنة تغطيها الأدخنة والعوادم السوداء؟
بقي أن نؤكد أن كل واحد من أبناء جيلنا أو أغلبهم لم يكن في عشقه وغرامه وهيامه منحرفا أو فاجرا أو متجاوزا للأعراف والتقاليد الاجتماعية السائدة بوقاحة. فغرامياته كانت سرية يحتفظ بها لنفسه ولا يفصح عنها إلا للثقاة من أقرب المقربين إليه، وتصرفاته كانت خجولة وفي حدود الأدب. وبكلام آخر لم يكن بواحا متفاخرا، أو خادعا يغري الفتيات بمعسول الكلام والوعود والمظاهر الكاذبة، مثلما يفعل أبناء الجيل الحالي – أو بعضهم كي نكون منصفين – ثم ينفض عنهن بمجرد أن تقع عيناه على أخرى أجمل أو أغنى.
وأخيرا فإن الرسالة (أو الخط كما كان يسمى قديما) كانت وسيلة الاتصال والاقتراب من المحبوبة لإشعارها بما يدور في الأعماق من ولـَه وعشق، كما أن طريقة إرسال الخط المزين في العادة بالورود والفراشات، والمعطرة بالرياحين كانت حذرة وتتم بتأن خوفا من وقوعها في أيد قد تصفع وجهك بـ «كف» «راشدي» ثلاثي الأبعاد لا تنساه مدى الحياة، وقد يغير خريطة وجهك. اليوم انقلبت هذه الصور رأسا على عقب، وصارت الرسائل وأصول كتابتها وثقافة التلهف عليها شيئا من الماضي، وحلت مكانها المسجات الطيارة، خصوصا أنّ الوسائط متوفرة بأعلى المستويات في أيدي المـُرســِل والمـُرسـَـل إليها، وتقوم بالنيابة عنهما في عمل كل ما يلزم… لكنه عمل ينقصه الدفء وصدق المشاعر.

كاتب وأكاديمي من البحرين

عبدالله المدني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية