تحولات مهمة في المشهد السياسي، أفرزتها نتائج الانتخابات البرلمانية. حيث عززت نتائج الانتخابات توجها عرفته الاستحقاقات السابقة، يتعلق باستمرار تراجع الأحزاب التقليدية وصعود الأحزاب الصغيرة. هذه الأحزاب سيكون لها دور رئيسي في تشكيل أول ائتلاف حكومي في عهد ما بعد ميركل. لكن ما الذي أثر على قرار الناخبين؟ وأي فئة عمرية واجتماعية صوتت لأي حزب؟ ومن هم الرابحون والخاسرون في المشهد السياسي الألماني؟
سيطرة الحزب الاشتراكي والاتحاد المسيحي قد أصبحت جزءا من الماضي، وهو ما يشير إلى أن الناخب الألماني يريد التغيير. زعامة الاتحاد المسيحي أصبحت ظاهرة للعيّان، حتى وإن جاءت نسبة الأصوات التي فقدها أقل بقليل مما تنبأت به استطلاعات الرأي لنوايا الناخبين، ولا يمكن التخفيف من حدة التراجع الكبير لعدد الأصوات مقارنة بالانتخابات التشريعية السابقة. فالمرشح آرمين لاشيت لم ينجح في إقناع الناخبين رغم أنه كرئيس وزراء ولاية شمال الراين ويستفاليا يقوم هناك بعمل جيد.
الرابحون والخاسرون
الحكومة المقبلة ستكون، بالمنطق الرياضي، مكونة بالضرورة من ثلاثة أحزاب لتشكيل أغلبية مستقرة، في ظل استبعاد المراقبين لائتلاف كبير بين الاشتراكيين والمحافظين وبالتالي فإن حزب الخضر والحزب الليبرالي سيلعبان دور «صناع الملوك» وفي حال توافقهما، قد يحددان اسم المستشار المقبل. وفي حال قرر طرفا الائتلاف الحاكم الحالي، كما هو مرجح، عدم مواصلة ائتلافهما، سيتعين على كل منهما إقناع الحزبين اللذين لهما أجندات سياسية مختلفة تماما، بالانضمام إليهما لتشكيل ائتلاف حاكم ثلاثي.
البديل تقلص نفوذه
فقد حزب البديل من أجل ألمانيا، شعبيته في جميع أنحاء ألمانيا وخاصة في الغرب. لكن هناك تيارا شعبويا يمينيا في جنوب شرق ألمانيا، حيث يسيطر حزب البديل على جميع أنحاء ولاية ساكسونيا تقريباً، بالإضافة إلى الجزء الجنوبي من ولاية تورينغن وجنوبي ولاية ساكسونيا-أنهالت.
في ولاية سكسونيا التي يحكمها حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي، فاز حزب البديل، حيث صوت له ربع الناخبين تقريباً، بينما تراجع الاتحاد المسيحي الديمقراطي إلى المركز الثالث خلف الحزب الاشتراكي الديمقراطي. حزب البديل فاز في ولاية تورينغن أيضا.
من ضمن الخاسرون أيضا كان حزب اليسار الألماني «دي لينكه» حيث حصل الحزب على 4.9 في المئة من الأصوات مقابل 9.2 في المئة كان قد حصل عليها في انتخابات 2017 وكان من الممكن ألا يتم تمثيل الحزب في البرلمان الجديد لفشله في الحصول على نسبة الـ5 في المئة المؤهلة لولا فوز ثلاثة مرشحين عن الحزب، بينهم جيزي نفسه، بمقعدهم المباشر عن دوائرهم الانتخابية.
وفي مقال في مجلة «سوبر إيلو» كتب المتحدث باسم كتلة اليسار لشؤون السياسة الخارجية أن الحزب عليه أن يعود إلى هويته الشرقية، مشيرا إلى أن الحزب الذي يتألف غالبية أعضائه من أشخاص ينحدرون من الولايات القديمة (يعني ولايات ألمانيا الشرقية السابقة) ارتكب خطأ بتقييد هويته الشرقية، وأضاف أن حزب البديل من أجل ألمانيا صار يضطلع بمثل هذا الدور على نحو أقوى في الوقت الراهن. وطالب الرئيس السابق لكتلة حزب اليسار بأن يتم تقديم طلب في البرلمان مرة كل شهر لبحث الوضع في شرق ألمانيا.
الوضع يبدو مريراً بالنسبة لحزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي، لأنه فقد العديد من المقاعد لصالح حزب البديل من أجل ألمانيا في ولايتي ساكسونيا وتورينغن وجزئياً في ولاية ساكسونيا -أنهالت. ومني التحالف المسيحي بهزيمة فادحة في الانتخابات، حيث تراجعت نتيجته من 32.9 في المئة في الانتخابات العامة التي أجريت عام 2017 إلى 24.1 في المئة في انتخابات 2021. الحزب الاشتراكي الديمقراطي كان من بين الرابحين الكبار، حيث استطاع قلب المعادلة فقد حصل على 25.7 في المئة من الأصوات، وهي أفضل نتيجة يحققها منذ سنوات. وشدد المرشح الاشتراكي-الديمقراطي أولاف شولتس الذي يطمح لأن يصبح المستشار المقبل على أن ألمانيا «مستقرة» سياسيا رغم الشكوك المرتبطة بالمفاوضات الحساسة لتشكيل ائتلاف.
الخضر تراجع عن السابق
اعترفت مرشحة حزب الخضر للمنافسة على المستشارية في ألمانيا، أنالينا بيربوك، بأن حزبها لم يحقق الأهداف التي حددها لنفسه في الانتخابات العامة.
وقالت بيربوك قبل اجتماع للهيئة التنفيذية لحزبها في برلين: «بقينا دون توقعاتنا» موضحة أن الأمر يدور الآن حول «تحقيق نهضة حقيقية لهذا البلد». ولم تدل بيربوك بأي تصريحات عن تفضيلات المشاركة في ائتلاف حاكم مستقبلي أو مسار المحادثات الاستطلاعية.
ويحضر الليبراليون الألمان لعودة من الطراز الأول، ويؤكدون أنهم أساسيون في تشكيل ائتلاف ما بعد ميركل. لكن ما هي التسوية التي يستعد هذا الحزب لان يقدم عليها للحكم مع الخضر «خصومه المفضلين»؟
مع 11.5 في المئة من الأصوات في الانتخابات التشريعية الأحد، يدرك الحزب الديمقراطي الحر الليبرالي أنه فاز بأكثر من المرتبة الرابعة. وبات مع حزب الخضر (14.8 في المئة) «صانع الملوك» في المفاوضات الطويلة المقبلة لتحقيق غالبية.
يمكن للخضر والليبراليين أن يقرروا التحالف مع الاشتراكيين الديمقراطيين الذين تقدموا بشكل طفيف أو مع المحافظين الذين يطمحون أيضًا في أن يحكموا. ويتحكم الحزبان الصغيران بمصير الأحزاب الكبرى، شرط أن يتمكنا من التغلب على خلافاتهما.
ويبدو انه من الصعب التوفيق بين نهج الحزب الديمقراطي الحر الثابت في موقفه من الموازنة والرافض للزيادات الضريبية وتنظيم الدولة، وخط الخضر الذي يريد رفع الحد الأدنى للأجور وفرض ضرائب على الأغنى واستثمار المليارات من المال العام في التحول البيئي.
التركيز على البيئة
بشكل عام لعبت قضايا العدالة الاجتماعية وحماية البيئة والمناخ، فضلاً عن الاقتصاد والعمل، دوراً مهما في قرار الناخبين، حسب أولوية كل حزب على حده. فعلى سبيل المثال، شكل الاقتصاد الأولوية بالنسبة لناخبي الاتحاد المسيحي، بينما مسألة البيئة والمناخ فكانت أقل أهمية بالنسبة إليهم، كما أظهرت نتيجة الانتخابات بعض الاختلافات وفق الفئات العمرية. حيث جذبت الأحزاب الأكبر فئات أقل من الشباب، وظهر تأثير الشباب بصورة أكبر لدى الخضر واليسار.
ويجمع النظام الانتخابي الألماني بين نظامي القائمة النسبية والمقاعد الفردية، ولكل ناخب صوتين؛ الأول لاختيار قائمة حزبية عن الولاية، والثاني لانتخاب مرشح فردي مباشر في الدائرة التي يصوت فيها.
ولكي يضمن أي حزب سياسي دخول البرلمان، لابد أن يتجاوز عتبة تصويتية من الأصوات الأولى «أصوات القائمة النسبية» تقدر بـ5 في المئة من إجمالي الأصوات على المستوى الفيدرالي.
وفي حال لم يتمكن الحزب من تجاوز هذ الحاجز، توزع أصواته على الأحزاب الأخرى التي تتصدر السباق.