الانتخابات الألمانية: لا تغير في السياسة وظل المستشارة ميركل مستمر

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

كان من المفترض أن تكون الانتخابات الألمانية التي جرت الأحد الماضي بداية لعهد جديد يطوي الصفحة عن عهد ميركل الذي خيم على ألمانيا مدة 16 عاما، لكن النتيجة هي أن حلفاء ومنافسي حزب ميركل وهو الاتحاد الديمقراطي المسيحي تسابقوا لتقديم رؤية تشبه ما قدمته المستشارة الألمانية، صورة السياسي النزيه المجتهد العامل لمصلحة بلاده ونظرا إليها كقائد لأوروبا وسط تغير التحالفات العالمية وتراجع القطبية الواحدة، وستذكر ميركل بقرارها عام 2015 عندما فتحت حدود بلادها لمليون لاجئ معظمهم من السوريين في محاولة منها لدفع الحياة الاجتماعية والاقتصادية، مع أن القرار ترك في مداه القصير تداعيات على موقف حزبها وأدى لدخول اليمين المتطرف للبرلمان الألماني ولأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية.
ولم يكن لأحد من المتنافسين في الانتخابات تجاهل ظل المستشارة وحاول كل بطريقته موضعة نفسه بأنه الوريث الحقيقي لها. فقد لاحظ البرفسور أولاف ناتشوي، استاذ علم الاجتماع بجامعة بازل ومؤلف كتاب «أزمة ألمانيا المخفية: التدهور الاجتماعي في قلب أوروبا» بمقال نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» (27/9/2021) أن نتائج الانتخابات كانت ملتبسة للغاية، فلم يحصل أي حزب على أكثر من 26 في المئة من الأصوات. وكانت الفجوة بين الأحزاب الكبيرة ضيقة ولم يحقق أي منها تقدما كبيرا. وعليه فتشكيل الحكومة بعيد عنا بأسابيع وربما أشهر من التفاوض على ائتلاف. وقال إن نتائج مثيرة للدهشة، بطرق متعددة لأن حزب الخضر والاتحاد الديمقراطي المسيحي ظلا في مقدمة استطلاعات الرأي. ولكنهما فشلا وعانت الحملات الانتخابية لهما حيث لم يستطع مرشحيهما اقناع الناخبين بأنهما خليفان حقيقيان لميركل. وبدا زعيم الحزب الاشتراكي أولاف شولتز مرشحا قويا للخلافة لكنه تراجع ولهذا لم يكن هناك فائز حقيقي وحاسم. ويرى ناتشوي إن الانتخابات الأخيرة كان يؤمل منها أن تكون بداية جديدة في ضوء التحديات الملحة مثل زيادة التفاوت الاجتماعي والاقتصادي وتآكل البنية التحتية والتغيرات المناخية. وكانت فرصة لرسم طريق أكثر مساواة للقرن الحادي والعشرين. وبدلا من ذلك ظلت ألمانيا عالقة في الوضع السياسي الراهن. وستغادر ميركل المشهد السياسي ولكن ألمانيا التي رعتها بحذر وهدوء وخوف من التغيرات الكبرى ستواصل طريقها كما في الماضي.

لا اختلاف

ومنحت الحملات الانتخابية مفاتيح أولية. فعادة ما يحاول المرشحون للمناصب العليا إبعاد أنفسهم قدر الإمكان عن الرئيس أو المسؤول في الحكم وإظهار تفوق رؤيتهم للبلد على الموجود. وفي ألمانيا تنافس المرشحون على تقليد سياسات ميركل وأسلوبها في سياسة الوسط. وهي السياسة التي منحتها أربعة انتصارات متتالية. وهو ما حاولته زعيمة الخضر أنالينا بيربوك التي انتهت بحصة 14في المئة من الأصوات. وحاول خليفة ميركل أرمين لاشيت، وزعيم الاتحاد الديمقراطي المسيحي تقديم صورة عن القدرة والفعالية، ولكن جهده تقوض بسبب حملته غير المنظمة والأخطاء المتعددة، مثل تصويره ضاحكا في أثناء زيارة للمناطق المنكوبة بعد فيضانات الصيف. وبحصوله على نسبة 24 في المئة من الأصوات فإنه يقود حزبا بأسوأ النتائج في تاريخه، ولكنه سيحاول تجميع ائتلاف. وهناك شولتز، المرشح عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي والذي لم يأل جهدا بربط نفسه مع المستشارة التي ستغادر المشهدـ وقدم نفسه على أنه رمز الاستمرارية وليس لاشيت. وكانت المناورة سهلة له لأنه عمل نائبا للمستشارة ووزيرا للمالية. وتبنى شعار اليد لميركل المعروف «مثلث القوة». ونجحت هذه الإستراتيجية لحد ما، إلا أن نسبة 26 في المئة تقريبا التي حصل عليها حزبه لن تكون كافية لتأمين منصب المستشار له. ويعتقد ناتشوي أن ألمانيا بعد 16 عاما ليست جاهزة للانتقال من مرحلة إلى أخرى، سواء كان اقتصاديا أو اجتماعيا أو بيئيا. والشيء الوحيد الذي سيتغير هو أن الحكومة ستشكل ولأول مرة في منذ 1957 من تحالف ثلاثة أحزاب. ولهذا سيكون العهد الجديد بعد ميركل هو عبارة عن سياسات توافقية وفاترة وبدون تغيير.

تغير جيلي

والشيء الوحيد الذي قد يؤشر لتغير هو التحول «الجيلي» حسب أنيك هاسيل، استاذة السياسة العامة في مدرسة بيرتي ببرلين. وفي مقال بصحيفة «الغارديان» قالت فيه إن المستشار الألماني المقبل سيكون من واحد من الأحزاب التقليدية لكن السياسات ستشكل بناء على رؤية الجيل الشاب. وقالت إن الانتخابات الأخيرة غير مسبوقة في تاريخ ألمانيا بعد الحرب، فحزب ميركل لم يهزم ولكنه جاء بالمرتبة الثالثة في ولايات ألمانيا الشرقية وخسر ولايات بما فيها ولاية ميركل ومتأخرا على الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب البديل المتطرف. وهي نتيجة معروفة لأن الاتحاد الديمقراطي المسيحي توقف عن كونه الحزب السائد في السياسة الألمانية منذ عام 2015 أو حزب الشعب وأصبح مشتتا ويعاني من صراع داخلي على السلطة واتهم بعض قادته بالتكسب من الوباء عبر صفقات الكمامات المثيرة للجدل. وهو ما فتح الباب أمام الحزب الاشتراكي الديمقراطي الذي لم تكن حظوظه كبيرة قبل ستة أشهر وحصل على أعلى الأصوات الشعبية وتقدم في الولايات الشرقية. وقدم شولتز نفسه على أنه الخليفة الحقيقي لميركل، حيث جمع بين التفكير المنطقي والتواضع الشخصي. ويحتاج كل منهما إلى حزبين آخرين لتشكيل الحكومة، حزب الخضر والليبراليين الديمقراطيين الأحرار، وهذا الحزبان ليسا حليفين حقيقيين لان كل منهما يقدم رؤية مختلفة، فالأول يدعم تحرير السوق والتقشف المالي، أما الخضر فهم يطالبون بسياسة قوية للدولة لمواجهة التغيرات المناخية. ويتفق هذان الحزبان في نقاط أخرى مثل الدفع باتجاه الرقمنة والإبداع وحقوق الإنسان والهجرة. ورغم موقفه من السياسة المالية إلا أن الليبراليين الديمقراطيين الأحرار يدعو لسياسات قريبة من الاتحاد الأوروبي ويفضل اتخاذ خطوات لوحدة أقرب. ويدعم في مجال التغيرات المناخية أدوات نابعة من السوق وليس الدولة لمواجهة المشكلة. ويرى مع حزب الخضر أن الطريقة الوحيدة لحل مشكلة التغيرات المناخية هو تحول ألمانيا إلى رائدة في التكنولوجيا الصديقة للبيئة. وزارت بيربوك، زعيمة الخضر أثناء الحملات الانتخابية الكثير من رجال الأعمال والشركات وأبدت تفهما لمشاكلهم وإمكانية التعاون في مجال تكنولوجيا البيئة. وتشير هاسل إلى أن القوة الليبرالية/ الخضر تمثل تحولا جيليا في السياسة الألمانية. وحصل الليبراليون الديمقراطيون الأحرار على المرتبة الأولى بين الشباب الذين صوتوا لأول مرة، 23 في المئة وحل الخضر في المرتبة الثانية، 22 في المئة. وحاول الحزبان الكبيران، الديمقراطي المسيحي والاشتراكي الديمقراطي جذب الكبار في العمر عبر سياسات تقاعد ووعدوهم بالحفاظ على الوضع الراهن. ولو أصبح الخضر/ الليبراليون في مقعد الدفع للسياسة فهذا يعني تحديا للقيادة المتقدمة في العمر التي كانت علامة الحكومات السابقة. وهناك تحد آخر وهو أن حكومة بتحالف ثلاثي ستجد صعوبة في التوافق على القضايا الرئيسية، المالية والحلول المتعلقة بالسوق، بالإضافة للمخاوف من زيادة السخط الشعبي لو تأثرت المداخيل من سياسات المناخ. وستجد الحكومة نفسها مضطرة لتعويض أصحاب الدخل المتدني بسبب الكلفة العالية الناجمة من سياسات المناخ. وعلى مستوى أوروبا، فيجب أن يكون للحكومة موقف في السياسة المالية وصندوق التعافي من كوفيد، وهنا يجب أن يكون لحزبي الخضر/ الليبراليين موقف لتقوية القرار الأوروبي.

الميركلية

وتظل النتائج غير الحاسمة للانتخابات علامة أن التغير الذي يريده الشباب ويخافه الكبار لن يحدث، فما بنته ميركل على مدى السنوات الماضية لن يذهب في ليلة وضحاها، فالحزبان الكبيران يمثلان تيار الوسط. وأيا كان المستشار المقبل أرمين أو شولتز، مع أن الأخير المرشح الأقوى، فالحكومة المقبلة ستكون من ثلاثة أحزاب يتم تشكيلها من خلال تسويات ولن تنحرف بشكل كبير عن السياسات الوسطية التي مشت عليها ميركل. وهي نفس السياسة التي حكمت ألمانيا مدة 12 عاما عبر التحالف بين الاتحاد الديمقراطي المسيحي والحزب الاشتراكي الديمقراطي، كما يقول هانز كونداني، الباحث في تشاتام هاوس بلندن في مقال نشرته مجلة «فورين أفيرز» (28/9/2021). وبالمحصلة سيتواصل «إجماع ميركل» مما يخيب آمال الذين عولوا على بداية جديدة لمحور أوروبا والدول الشمولية مثل الصين.
وفي عام 2013 في حملة إعادة انتخابها كان شعار ميركل «أنتم تعرفوني» وبعد 16 عاما، وهي مدة أطول من هيلموت كول في المستشارية، لا يزال الكثير من الألمان لا يعرفونها، ذلك أن طريقة حكمها قورنت بملك يقدم قراراته بدون بديل. ويبدو أن طريقة حكمها نابعة من طفولتها ونشأتها في بلدة صغيرة تبعد 50 ميلا عن برلين في ألمانيا الشرقية. وكان والدها يعمل قسيسا في البلدة. وتعلمت ميركل في الصغر أن تكون حذرة فيما يجب أن تقوله خارج العائلة أو حسب وصف ستيفان كورنيليوس في سيرته عنها «محمية رعوية» وقال: «اللغز هو أن جذور ميركل تعود إلى تلك الجمهورية المنكوبة». وعلى ما يبدو فقد أعادت ميركل تشكيل هذه «المحمية الرعوية» في برلين حيث أنشأت دائرة من المستشارين الموالين لها. فالتقارير القائمة على تصريحات من المستشارين تعكس تفكيرها فيما يقولونه، وخارج هذه الدائرة يظل مجرد تكهنات. ومعظم ما ينشر عن ميركل قائم على ما تقوله وليس ما تفعله، وهذا واضح من أزمة المهاجرين عندما فتحت حدود بلادها لهم ثم اتخذت لاحقا إجراءات لمنعهم بصفقة مع الرئيس التركي رجب طيب اردوغان. ومن هنا فأهم مهارة سياسية لدى ميركل هي الإجماع في السياسة الألمانية خلال العقدين الماضيين. ومن خلال تحالفها مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي الذي مال تحت رئاسة غيرهارد شرودر نحو اليمين وأحدث فيه تغييرات بنيوية، قامت بتحديث الاتحاد الديمقراطي المسيحي وجلبه نحو اليسار في القضايا الاجتماعية والثقافية بدرجة لم تعجب المحافظين الألمان. وكمستشارة تابعت عن كثب استطلاعات الرأي التي كانت مرشدة لها في كل فترة حكمها. وتجنبت خلال الحملات الانتخابية مناقشة القضايا الخلافية خشية نفرة الناخبين ومنح أصواتهم لمنافسيها. وهو ما سمح لها البقاء في السلطة مدة 16عاما. ويرى كونداني أن استراتيجية ميركل لم تكن جيدة للديمقراطية الألمانية، فبدلا من إحداثها الاستقطاب في السياسة الألمانية أدت للتداخل الأيديولوجي بين حزبها والاشتراكي الديمقراطي مما فتح الباب أمام «فجوة تمثيل» بشكل بات الكثير من الألمان يشعرون أن أراءهم ليست ممثلة. وكانت النتيجة لهذا هو ظهور حزب البديل الذي يقترح اسمه أنه رد على سياسة ميركل «لا بديل» وبالتحديد ردها على أزمة اليورو في 2010 وأزمة اللاجئين عام 2015. وفي انتخابات 2017 دخل حزب البديل إلى البوندستاغ لأول مرة منذ إنشاء الحكومة الفدرالية عام 1949. وكان صعود حزب البديل سببا وراء تشكيل ميركل تحالفا كبيرا مع الاشتراكيين الديمقراطيين بشكل جعل حزب البديل الحزب المعارض. وسيخسر الحزب هذا دوره كمعارض بعد تراجع حصته من 13 في المئة عام 2017 إلى 10 في المئة في 2021 حالة شكل الاشتراكيين الحكومة أو حزب ميركل. ورغم صعود حزب البديل إلا أن إجماع ميركل سيظل كما هو وسيستمر في الحكومة المقبلة. ولأن الجمود في السياسة الألمانية بنيوي وعلى خلاف بريطانيا أو الولايات المتحدة، يعني الإجماع لا العداء، فستظل السياسة في ألمانيا كما هي بتحالف كبير أو بدونه، وهذا راجع للنظام الفدرالي والمؤسسات المستقلة بما فيها المحكمة الدستورية التي عطلت عمليات الإصلاح في محور اليورو، وهذه ترفض عادة التحول في السياسات، ولكن ميركل فاقمتها خلال فترة حكمها، مما يعني ان ظل ميركل سيظل حتى لو غادرت المنصة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية