فايننشال تايمز: الخلاف الجزائري- المغربي يهدد بشتاء قارص في أوروبا

إبراهيم درويش
حجم الخط
14

لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” مقال رأي لجون بيزارد حلل فيه أثر الخلاف الجزائري- المغربي بشأن الصحراء الغربية على أسواق الغاز الطبيعي في أوروبا، محذرا أنها ستعاني مزيدا من الضغوط.

وقال الكاتب: “يمكن للمرء أن يجلس في بيت أوروبي دافئ ويحتشي الشاي الطبيعي ويراقب السياسة الأمريكية البائسة على التلفاز”، ولكن “المثير للحزن أكثر، لو توقفت الأضواء وسكت التلفاز وظل إبريق الشاي باردا، ولا يعد هذا خطرا بعيدا عن التفكير، ويرجع الفضل في جزء من هذا لجيوسياسة الطاقة الأوروبية. والآن، فقد عرف الجميع عن الضغوط على إمدادات الغاز الطبيعي الأوروبية التي تنفع المجموعة الروسية غازبروم والتأثير الروسي، ولم يتم التطرف بشكل كبير للطريقة التي سيؤثر فيها النزاع في شمال أفريقيا على إمدادات إسبانيا من الغاز في الشتاء، ومن المحتمل أن يزيد من الضغوط على أسعار الغاز في بقية أوروبا”.

وأشار الكاتب إلى خطط الجزائر إغلاق أنابيب نقل الغاز إلى إسبانيا والبرتغال عبر المغرب بحلول 30 تشرين الأول/ أكتوبر، وهذا هو جزء من عداء طويل يدور بين الجزائر والمغرب، بدأ على ما يبدو باستقلال الأولى عام 1962. فالمغرب غاضب من دعم الجزائر لجبهة البوليساريو التي تطالب باستقلال الصحراء الغربية التي تصر الرباط أن سيادتها الوطنية تشملها.

 وتدهورت العلاقات بين البلدين هذا الصيف، عندما اتهمت الجزائر المغرب بلعب دور في حرائق الغابات الخطيرة التي اندلعت في أراضيها. ووصل التوتر مداه عندما منحت محكمة العدل الأوروبية انتصارا قانونيا لجبهة البوليساريو، يقضي بعدم شمول صلاحية الاتفاقية التجارية بين الاتحاد الأوروبي والمغرب الصحراء الغربية. وتعتبر إسبانيا البلد الأوروبي الأكثر تضررا من قرار محكمة العدل الأوروبية؛ لأن الصحراء الغربية كانت مستعمرة إسبانية سابقة، ويحمل بعض عناصر البوليساريو جوازات سفر إسبانية، وبات أسطول الصيد الإسباني في العقود الأخيرة يعتمد على مياه الصحراء الغربية والرخص المغربية للحصول على ثلث صيده.

وتمتد العلاقات الأوروبية مع المغرب إلى أبعد من الصيد، فهي تشمل تدفق المهاجرين واستثمارات لتصنيع السيارات بالإضافة إلى تعاون أمني وإن كان مضطربا، وسياحة وإمدادات الخضار المغربي إلى موائد الأوروبيين. ويقيم المغرب علاقات قانونية خاصة مع فرنسا تمتد أبعد من المعاهدات الأوروبية.

ولدى الجزائر أيضا علاقات مع أوروبا لكنها أبعد بشيء قليل، فالكفاح من أجل التخلص من الاستعمار الفرنسي كان جزءا من الهوية الوطنية. وتشتري القوات الجزائرية المسلحة الكثير من المعدات العسكرية من الصين وروسيا. وتبيع الجزائر الكثير من الغاز الطبيعي لإيطاليا وإسبانيا والبرتغال. ويذهب الغاز إلى إيطاليا عبر أنابيب تمر تحت مياه البحر. أما الغاز إلى إسبانيا والبرتغال، فيتدفق عبر أنبوبين تحت مياه البحر، بني الأول ما بين عام 1996 و1997 ويمر عبر المغرب الذي يستخدم جزءا منه في مولداته. أما الثاني الذي أنشئ في 2011 فيذهب مباشرة من الجزائر إلى إسبانيا. وهنا تتحول العلاقات الخارجية الأوربية وإسبانيا إلى إشكالية، خاصة في سوق الغاز العالمي الضيق وعدم وجود مخزون كاف من الطاقة الأوروبية استعدادا للشتاء.

 وفي 29 أيلول/ سبتمبر، وهو اليوم الذي أصدرت فيه محكمة العدل الأوروبية قرارها، أصدر جوزيف بوريل، مسؤول العلاقات الخارجية في الاتحاد الأوروبي بيانا مع نظيره المغربي أكدا فيه على الشراكة الإستراتيجية. وتعهدا بـ”اتخاذ الإجراءات اللازمة للتأكد من الإطار القانوني” في العلاقات التجارية. وهو ما قد يغضب الجزائر ويؤدي إلى تشددها في حل الخلاف مع المغرب.

وكما هو متوقع، فقد وصل في اليوم التالي وزير الخارجية ووزير الطاقة الإسبانيين إلى الجزائر واجتمعا مع نظيريهما، وناقشا من بين عدة موضوعات، توسيع قدرات أنبوب الغاز الجزائري- الإسباني قريبا بنسبة 25%. وستعاني إسبانيا لزيادة كميات الغاز المستورد في هذا الشتاء عبر موانئ الغاز الطبيعي المسال. وعبّر المستهلك الإسباني عن غضبه من زيادة أسعار الطاقة، وهو ما دفع مدريد لاستهداف شركات الطاقة التي عملت 3 مليارات يورو من الطاقة الإسبانية، كشركة الطاقة المتجددة إيبردرولا.

 وسيجد المغرب نفسه أمام معضلة البحث عن مصادر للطاقة بدون الاعتماد على الخط من الجزائر الذي سيغلق، مع أن قطاع الطاقة في المغرب يعد خططا طارئة لهذا السيناريو، فلدى المغرب مولدات تعمل على الفحم الحجري يمكنها استخدامها ويمكن أن تحول مولداتها لمصادر النفط الأخرى. وسيكون الأوروبيون مخطئين لو حاولوا تأطير كل هذا حول الخلاف الجزائري- المغربي والعوامل الفنية. فهي مشاعر عميقة تتعلق بالسيادة والميزان العسكري والثقافة. وليس من السهل على الاتحاد الأوروبي الإبحار في هذا المناخ لتأمين الإمدادات.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية