على الرغم من أن عمر السيرة الذاتية الاوتوبوغرافية في تشكلها البنائي والوظيفي قد قارب الثلاثة قرون، فإن التنظير النقدي حولها كمفاهيم وسياقات ما زال بلا مذهب خاص متفق عليه بشكل نهائي. والسبب سيولة هذا النوع من الكتابة السيرية من الناحيتين الداخلية والإطارية مما يجعل اللااستقرار السمة الغالبة عليها من نواح عدة، منها ناحية الضمائر السردية ومنها ناحية التطابق بين المؤلف والسارد والشخصية.
وقد فرَّق فيليب لوجون بين (رواية السيرة الذاتية) و(السيرة الذاتية) من جانبين، الاول أننا إذا اقتصرنا على النص من دون العنوان فهو برأيه( رواية) والثاني أننا إذا ضممنا النص إلى العنوان بالإضافة إلى اسم المؤلف توفرنا على معيار نصي عام يتطابق فيه الاسم مؤلفاً وسارداً وشخصيةً مما سماه (ميثاق السيرة الذاتية) (كتابه: السيرة الذاتية الميثاق والتاريخ الأدبي، ترجمة عمر حلي، ص38).
واشترط لكتابة السيرة الذاتية التي تندرج في خانة الأدب الشخصي، التطابق بين المؤلف بوصفه اسما مدرجا في الغلاف، وبين السارد والشخصية التي يتحدث عنها ويسترجع قصة حياتها.. مؤكدا وجود إشكال دائم حول المؤلف من ناحية اختلاط صوته بصوت (الشخصية وهو اختلاط تتأسس عليه كل ممارسة وإشكالية منذ نهاية القرن الثامن عشر) وأساس الاختلاط هو ضمير المتكلم الذي فيه من الخداع والتمويه ما يجعل كثيرا من التلاعبات أو الانفلاتات تحصل داخل السيرة الذاتية وتجعلها غامضة أو ناقصة.
بيد أن هذا الإشكال لم يمنع لوجون من أن يحدد للتطابق بين المؤلف والسارد والشخصية بطريقتين: الأولى ضمنية تقوم على استعمال العناوين أو مقطع أولي للنص يتحمل فيه السارد التزامات في أن يتصرف كأنه هو المؤلف نفسه وبطريقة تجعل القارئ واثقا من أن ضمير المتكلم يعود على صاحب الاسم الموجود على الغلاف، والطريقة الأخرى جلية على مستوى الاسم الذي يأخذه السارد والشخصية في الحكي والذي هو نفسه اسم المؤلف المعروض على الغلاف.
وبالاستناد إلى التعريف الذي وضعه لوجون للسيرة الذاتية بأنها (حكي استعادي يقوم به شخص واقعي عن وجوده الخاص وذلك عندما يركز على حياته الفردية وعلى تاريخ شخصية بصفة خاصة) (كتابه، ص23) فإن التساؤل يظل قائما حول التطابق في ضمير المتكلم حين تكون الشخصية بلا وجود واقعي كأن تكون متوفاة مثلا فهل يعد اسمها هو اسم المؤلف ممتلكة المرجعية أو الميثاق المرجعي بتعبير لوجون ؟
وما دامت الشخصية تطالب بالوجود مع أن لا نص مرجعيا لها، فان المؤلف سيقبل أن يتنازل عن غروره ويغيب مختفيا وراء ما لتلك الشخصية من شهرة ليكون بمثابة كاتب نائب أو عمومي.
وهل يُعقل أن يحيل ضمير المتكلم على محكي هو ميت عليه أن يكون صادقا وهو يقول( اقسم بان أقول الحقيقة أو أنا الموقع أدناه) مما هو متعارف عليه في كتابة السيرة الذاتية منذ البواكير، فهذا جان جاك روسو يكتب في اعترافاته قائلا:( أريد أن اكشف لبني جنسي إنسانا كما هو على حقيقته وهذا الإنسان هو أنا) ومثله كتب مونتاني( إنني ارسم ذاتي فأنا الكاتب وموضوع الكتاب) وإذ لم يشر لوجون بشكل مباشر إلى احتمال عدم واقعية الشخص صاحب السيرة الذاتية، فإنه لم ينف مثل هذه الاحتمالات، بدليل أنه عدّل تعريفه السابق للسيرة الذاتية إلى القول إنها( صيغة قراءة بمقدار ما هي نمط كتابة) ص64 ـ ليس ذلك حسب بل إن الاحتمالات الكثيرة التي يشتمل عليها هذا النوع السردي جعل لوجون يتحول من الحديث عن التطابق بين المؤلف والسارد الى الحديث عن أمر آخر يتعلق بتصنيف الادب الشخصي، متبنيا مشروعا بحثيا غايته تحديد النوع الذي عليه السيرة الذاتية محاولا إعادة توزيع الجغرافيا الأدبية بناء على تصميم استعادي مع دراسة بنية افق الانتظار. وحجته أن الأدب نظام أولا ولان السيرة الذاتية نوع تاريخي له وظيفة معيارية وبنية محايثة ثانيا، ولأنها ثالثا تقوم على وهم الخلود ووهم ولادة جنس جديد، منتهياً بشكل قاطع إلى أن السيرة الذاتية تضم مجموعة من التحولات غير المحسوسة وباندفاع إبداعي واسع الخيال.
بمعنى أن لوجون لم يجنِّس السيرة الذاتية ـ كما توهم بعض الدراسين ــ حسب، بل إنه استبعد فكرة ولادة جنس جديد قائلا: ( لست اقصد من خلال جمع متن مختلط مثل هذا إلى دعم أو اختلاق نوع معين بل اقصد على العكس إلى مباشرة دراسة تحليلية لعوامل التصنيفات مع تفكيكها بانتظام من اجل معرفة كيف تتركب فيما بينها وتتراتب.. إن ميثاق السيرة الذاتية الذي استخدمه قرينة من اجل اختيار النصوص لا يجب أن ينظر إليه هو نفسه بصفته كتلة) ص101.
وليس فيليب لوجون وحده الذي انصبت محاولاته على تصنيف السيرة الذاتية، بل إن هناك نقاداً آخرين اهتموا بذات الأمر وهم يجدون في السيرة مائعية لا تسمح لهم بتحديدها تحديدا تاريخيا لا تبدل فيه. وبهذه السعة التي انتهى إليها لوجون وانتهى إليها غيره تغدو كتابة السيرة الذاتية غير قابلة للتأطير، وهو ما يجعلنا نعد السيرة الذاتية نوعاً سردياً معبوراً عليه من قبل( الرواية) بوصفها هي الجنس الأرسخ الذي لا تضعضع في ناجزية قالبه.
وعلى الرغم من أن كتابة السيرة الذاتية صارت في الآونة الأخيرة شائعة فلا تقتصر كتابتها على المشاهير، وإنما صار يكتبها حتى من لا تجارب له ولا محطات مهمة وعامة في حياته، فإن المشكل النقدي ما زال قائما لا من ناحية متى يكتب المرء سيرته، ولا في حدود النوع والتصنيف، ولا في مقاصد الكتابة أو موقع المؤلف من السارد والشخصية، بل أيضا في ضمير المتكلم حين يستعمله سارد ميت كي يدوّن سيرته الشخصية بنفسه بوصفه هو المؤلف، إذ كيف نفهم هذا الاستعمال إذا علمنا أن التخييل شيء والسيرة شيء آخر على أساس أنها مكتوبة على وفق ميثاق تتعاهد فيه بقول الصدق ولا شيء غير الصدق ؟ وبأي طريقة نفسر التضاد بين هذا المتعارف عليه في الكتابة السيرية وبين أفق انتظار القارئ وما سيشعر به من خيبة حين يجد أن الشخصية لا تكتب سيرتها في حياتها ولا في أواخر حياتها بل هي تكتبها بعد مماتها ؟
لا مجال أمامنا سوى عد هذا النوع الكتابة السيرية الذاتية سرداً غير واقعي، فيه المؤلف ليس هو السارد. وليس انتفاء فرضية التطابق بين الثلاثة( المؤلف/ السارد/ الشخصية) أمرا غريبا ولا جديدا، فلقد عرف السرد غير الواقعي محاولات مماثلة في كتابة السيرة الذاتية التي فيها يتقمص المؤلف الحي شخصية غامضة أو مشهورة أو ميتة. وما دامت الشخصية تطالب بالوجود مع أن لا نص مرجعيا لها، فان المؤلف سيقبل أن يتنازل عن غروره ويغيب مختفيا وراء ما لتلك الشخصية من شهرة ليكون بمثابة كاتب نائب أو عمومي.
كاتبة وأكاديمية عراقية