الخطايا والأمكنة الفارغة
محمد السمهوريالخطايا والأمكنة الفارغةالرب وحده يأخذنا في نهاية الامر:صحيح أن الانسان يمكن أن يعيش مديناً، وتابعاً في الحياة، وذلك طيلة تنفسه وسيره علي الارض، الا أن الرب هو المخلص الوحيد له.. يطلبه كما تطلب الزهرة الندي، كما تتزوج السنابل النسمات.هكذا الاشياء يا بني، تعطي وتعطي.. وفي نهاية الامر لا يكون القرار بيدك انت واشار الي نصف وجهه .ثم نظر له وهو ينزل رأسه من أعلي بحركة التفافية نصف دائرية واستمر بصوت خافت وحزين، وكأن الكلام توقف في عنقه.وعاد يقول وهو يحاول اسكات الشاب ليكمل كلامه:سيأخذني الرب ذات يوم، أعلم ذلك، لقد مرنت نفسي علي هذا الفعل الدائم، مرات عديدة. وفي كثير من الاحيان أتخيل اني لن اصحو من نومي نظر للشاب وواصل حديثه : تعرف ماذا اكون افعل في هذه الاثناء؟ امارس ذات العادات في مكان أوسع لا يوجد فيه جدران أو أبواب أو نوافذ أو إشارات ضوئية.الكل يعرف مبتغاه، الحيوانات والنباتات والبشر. الكل يمارس دوره بشكل متقن، وكأن الجميع اصبحوا علماء ولا يوجد مقابل مالي أو معنوي.لقد عشت حياتي ولا أزال لم اخلف تعاليم الرب، كنت (مت .. سامحا)، محبا، اتوزع بين المقاعد الخشبية المهترئة (اصلي) حين لا (يصلي) احد.انظف الارضية واتابع خلافات الازواج واحاول حلها . كنت استمع الي قصص غريبة عجيبة لا تخطر ببال الشيطان نفسه لا أريد أن اقول والملائكة ايضا، لانهم كما هو معروف لا يفكرون او يبذلون أي جهد غير متفق عليه.اعترف لي الجميع بخطاياهم، بممارسات خارجة عن نطاق رغبتهم كما قالوا.قالت لي امرأة: إنها خانت زوجها مع رجل عابر سبيل ووصفت لي الحادثة بالتفصيل حتي أنها كانت تتأوه وتتنهد وهي تسرد لي خطيتها وكأن الرجل يجامعها خلف مسامعي .وقال لي رجل إنه خان زوجته، وآخر أكل مال أيتام، وآخر سرق إرث إخوته.سمعت ايضاً اعتراف رجل يمارس الشذوذ مع صبي، وامرأة ترفض تزويج ابنتها بسبب وجود علاقة غرامية وجنسية معها. ماذا اقول لك أيضا: جاءني رجل مرابٍ ـ هو قال ذلك عن نفسه ـ يريد تبرير ما يفعله لكنه يرفض ارجاع الاموال الحقيقية لاصحابها . وآخر صادر قطع اراضي الفلاحين بداعي انها تدخل في ترتيب مدينة تجارية ستنشئها البلدية. وآخر خان وطنه لانه يريد الوصول الي اهداف شخصية.سمعت اعتراف رجل فقير قدم زوجته لرب عمله لأنه كان مهدداً بالطرد. وفتاة لم تجد من يعاشرها او يحبها اضطرت لفض بكارتها بيدها، وشاب تآمر علي صديقه واخذ وظيفته.جلس علي ركبتيه امام الشاب ورأسه الي الاسفل: هل تعتقد بأن الأمر سيختلف لو لم أصح بعدما أتخيل نفسي في عالم آخر.. قد يكون هذا العالم (الآخر) غريبا بعض الشيء لكن لن يختلف عما أنا فيه الآن.ثم نهض وهو يمسك بيد الشاب، لا تستعجل، سأقول لك لماذا:لأني تخيلت في حال عدم صحوي (هنا)، ما سأكون عليه (هناك)، لا أعرف إذا كنت سأقوي علي مسح البلاط والصلاة بين المقاعد الفارغة أو مطاردة الحشرات ذات المواسم المختلفة، أو متابعة شؤون البقرة والكلب وبعض الدجاجات.وبصوت خافت واصل حديثه: حتي كلبي العزيز صار كئيباً وضجراً ولا يستجيب لي حين اناديه، وهو الآخر اعترف أنه لم يعد يطيق هذه الحالة أو يأبه بأي شيء ولا يريد سماع كلامي حين نجلس قرب المدفأة، في الليل يشيح بوجهه عني طيلة جلوسنا . لم يعد ينبح، يجلس كما تري.. انه كسول لدرجة الاشفاق عليه.سأقول لك شيئاً آخر سعل وكأن حنجرته مجروحة ، وعاد يكمل وهو يتنحنح ، ماذا يريد الناس.. واجاب: هم لا يعرفون، علي الاغلب أن كل الذين جاؤوني لم يرحموا أنفسهم أو حتي بعضهم البعض، خرجوا من هنا واستمروا في ممارسة كل ما فعلوه سابقا، هناك من كرر خطأه أكثر من مرة ونسي انه جاءني ووقف خلف تلك النافذة الصغيرة، او علي الاغلب تناسي، فهم يبكون فقط، يعتصر قلبي حزناً عليهم، ويمضون لأعود لمسح البلاط من جديد، حين تمطر السماء اركض الي غرفة الاعتراف اتخيل انها هي الاخري تريد التكفير عن خطاياها.في بعض الاحيان لا اجد ما آكله .. أتوجه وأنا غاضب الي غرفة الاعتراف وحين اصل اعود من جديد اتذكر اني الذي يسمع الناس.وأتساءل من سيسمعني؟!كل يوم اذهب بعد تعب مضن للنوم وأتخيل حياتي في حال عدم صحوي في هذا المكان من جديد، قد تستغرب لو قلت لك إن هذا ـ البيانو ـ لم يعزف عليه أحد منذ تبرع به أحد الميسورين، بعد وفاة ابنته التي قتلت بطعنة من الخلف وهي تعزف عليه اثناء محاولة لصوص سرقة البيت.. لا أعرف العزف واخاف من الغدر.أرتل وحيدا، أصلي وأنا أواجه المقاعد الخشبية المهترئة رغم ان هذا يخالف تعاليم.. لم اعد اثق بالفراغ.هل تريد الاعتراف، لماذا اتيت الي (هنا)، اكيد ارتكبت خطيئة، استغرب انك تحملت وعثاء الوصول الي هنا لتقول ما قاله الآخرون انك عاشرت امرأة بشكل غير مشروع او انك سرقت او قتلت او.. او..ساد صمت للحظات مما دفع الشاب للاجابة عن سبب حضوره فقال: انا يا أبتِ فقدت سمعي مذ كنت طفلاً بسبب جرعة دواء خاطئة ذهبت الي كل الاطباء ولكن لم اجد نتيجة نصحوني ان آتي اليك..كاتب من الاردن0