ليس هناك ما يسمي بالأدب العبري: كتاب إسرائيلي يتحدث عن آداب عدة لمجموعات قومية مختلفة في إسرائيل
ليس هناك ما يسمي بالأدب العبري: كتاب إسرائيلي يتحدث عن آداب عدة لمجموعات قومية مختلفة في إسرائيلالقاهرة ـ القدس العربي ـ من نائل الطوخي: عندما تتحدث أقسام الأدب العبري في الجامعات المصرية، باطمئنان واسترخاء وثير، عما يسمي بـ الأدب العبري ، فهي تقسمه وفق أجيال متعاقبة، تنمو بتسلسل منساب، بدون انقطاعات، وبدون تنافسات داخلية، والأهم، بدون مجموعات عرقية مختلفة، وانما فقط أجيال زمنية تنمو في اعقابها تيارات أدبية. لا يتعلق الأمر بسوء طوية، وانما ببلادة أكاديمية دفعت تلك الأقسام الي احتذاء خطي نظرائها في الجامعات الإسرائيلية، في القدس وتل أبيب، أقسام أرادت التكريس لفكرة صهيونية تقليدية، رأت في اليهود شعبا واحدا من متحدثي العبرية، وبالتالي فهم ينتجون أدبا واحدا، تتماسك عناصره ويتميز عن الآداب التي نشأ اليهود بينها في بلدانهم. يتصل أمر كهذا بالتفكير غير النقدي، الذي تربت عليه الجامعات المصرية، وأساتذتها الذين يحبون اظهار أنفسهم كمناضلين ضد الصهيونية في نفس الوقت مع عدم مساءلة أية مقولة صهيونية كبري، وأولها مقولة الأدب العبري . هذه المقولة التي شُرع في تفكيكها مؤخرا علي يد أستاذ للأدب الإسرائيلي بالجامعة العبرية بالقدس.في كتابه الأخير، الارتخاء بغرض اللمس ، يتحدث دان ميرون عن مفهوم الأدب العبري، كيف نما وانطلاقا من أية دوافع تمت صياغة تلك الكتلة المصمتة المسماة بالأدب القومي. يتحدث عن رغبة صائغي الهوية الأدبية اليهودية في أن يحوزوا لأدبهم وحدة يرونها في الآداب غير اليهودية، الآداب القومية الطبيعية التي، لا تتسم أصلا، بوحدة ولا بصلابة كتلك. يقول: هكذا تبدو لنا هذه الصلابة غير الموجودة كدليل علي طبيعية أو علامة صحة ثقافية، علينا أن نسرع بحيازتها .يفحص هذا الكتاب مفهوم الأدب الإسرائيلي، يحاول نقض ما شاع داخل إسرائيل من اعتباره أدبا واحدا، وبلمسة الساحر، يرده الي ما هو عليه، آدابا عدة لمجموعات عرقية مختلفة، تنتمي كل جماعة الي بلد أصلي. يتحدث ميرون عن الأدب القومي، أي الأدب الذي يتم تصوره في إسرائيل، والذي سعت لتصويره الصهيونية، علي أنه ينتمي لنا ، أي اليهود والإسرائيليين، فيتحدث عن النظرية القديمة للأدب الإسرائيلي والتي أملاها حلم الصهيونية ـ وبالمناسبة هو لا يذكر كلمة الصهيونية ـ بأن يكون اليهود شعبا طبيعيا من الناحية الثقافية، أي شعبا ككل الشعوب، وهو الحلم المرتبط تنفيذه بلم شتات الشعب سواء بالمفهوم الجغرافي الديمغرافي أو بالمفهوم الثقافي. هكذا يصل الي نتيجة مفادها أن الحديث عن أدب يهودي موحد ومستمر في العصر الحديث هو حديث خال من المضمون، فليس في العصر الحديث الا آداب يهودية مختلفة وابداعات ذات عناصر يهودية تنتمي في نفس الوقت لآداب أصل غير يهودية، وفي نفس الوقت لقائمة واهية من الكتابة اليهودية. ولذا فعلينا تبني نظرة تري في التاريخ الثقافي لليهود وحدات مختلفة، منفصلة، هجينة، ولا تخضع بأي حال من الأحوال للتصنيف وفق أطر ذات معني واحد . هذه الهجنة هي ما تتحاشاه أقسام الأدب العبري في الجامعات المصرية، محتذية في ذلك بالجامعات الإسرائيلية وأساتذتها المجندين للدفاع عن الهوية الإسرائيلية، مثل باروخ كورتزفايل وجرشون شاكيد، تتحاشي تصوير الاضطراب والانشقاقات الداخلية لمجتمع من المهاجرين يحاولون صوغ أنفسهم في شعب انصياعا لمقولة أيديولوجية كبري، نشأت علي مرأي من القوميات الأوروبية الكبري، قوميات النار والحديد. يقول ميرون في هذه النقطة: لم يمكّنا الوضع التاريخي من خلق بني قوة اجتماعية وسياسية يهودية شاملة أو حتي يهودية محلية مستقرة، ولذا فلم يتواجد في الواقع اليهودي الحديث مفهوم له معني واحد للأدب القومي وانما تواجدت به آداب قومية تنافس بعضها البعض .لا يقدم دان ميرون فقط نقدا للتصور الصهيوني عن الأدب العبري وانما للتصور الصهيوني عن يهود ما قبل الصهيونية الذين لم يكتبوا بالعبرية وانما بلغة بلدانهم، وهم بالتأكيد لم يكتبوا أدبا عبريا، ففي سعي الصهيونية لخلق أدبها الخاص، المكتوب بـ اللغة القومية التي تصورت أنها لغة اليهود، وفي احتقارها لكل دعوات الذوبان بين الشعوب التي نادي بها بعض يهود القرن التاسع عشر فيما عرف بحركة التنوير اليهودية، قامت بالغاء ما قبلها تماما، أو بالأصح، قامت باحتكاره لصالحها، وهذا يعني أنها ألزمت اليهود بأثر ارتجاعي أن يكونوا صهيونيين، خالقة في هذا نموذجا جديدا للاقتداء، هو نموذج الصبار، اليهودي المولود في إسرائيل، اليهودي الجديد، المؤمن بالصهيونية، الذي يكتب بالعبرية، العنيف والجسور. هذا جيد من دان ميرون، وهو ناقد تخصص في الأدب الإسرائيلي والأدب المكتوب بالييدش لغة يهود شرق أوروبا ووسطها في القرن التاسع عشر ، وبالتأكيد فقد درس كثيرا عن الانقطاع ما بين الأدبين أدب الييدش والأدب الإسرائيلي ، حيث الأول أدب منفوي منبوذ، لا يتسم بالروح اليهودية القومية، بينما الثاني، وقد كتب بعد ارتباط الشعب المتأخر بأرضه القومية، علي العكس تماما، هذا جيد منه أن يؤكد أنه حتي في الأدب الإسرائيلي لم تكن هناك أبدا روح يهودية قومية وهو ما نشأ أكاديميا علي انكاره العنيف، هذا جيد أن يبين لنا ليس فقط كيف عملت مؤثرات كثيرة في أدب اليهود بل أيضا كيف لم تتوقف يوما عن العمل، وهي مؤثرات لم تكن أبدا مؤثرات قومية، علي غير ما أرادت الصهيونية ومعها أقسام الأدب الإسرائيلي في المؤسسة الأكاديمية الإسرائيلية الآن أن يبينوا لنا. يختار ميرون تفكيك الصهيونية من زاوية الأدب الإسرائيلي، لا يتطرق الي كافة المقولات التي بنت عليها الصهيونية رؤاها، وهو ما يجعل من بحثه عملا رقيقا، يتوج في نهايته بتبرؤ ميرون من تيار ما بعد الصهيونية ، ذلك التيار الذي يفكك المقولات الصهيونية التقليدية ويراها وفق ما توافر حديثا من حقائق في أرشيفات المؤسسة العسكرية الإسرائيلية. يبدو أن تبرؤا كهذا هو ضريبة يدفعها المرء في إسرائيل لأجل الحفاظ علي وضعه الاجتماعي، لكي لا يكون مستفزا الا بقدر، ألا يتخطي الحد المسموح به، فلهذا رجاله الذين لا يتمتعون بمنصب أكاديمي، ففيما يشبه سباق التتابع، تناول منه الراية الشاعر الإسرائيلي المعادي للصهيونية يتسحاك لاؤور، استطاع عبر عرض قام به للكتاب في هاآرتس أن يدفع بنظرية ميرون الي حدودها القصوي، الأكثر تطرفا كما يدعوها بعض الإسرائيليين ممن يخدشهم أي نقد لتصورهم عن ذاتهم وعما يريدون ان يكونوا. يتحدث لاؤور عن تصور الأكاديمية الإسرائيلية، والتي يسيطر عليها، بحسب لاؤور منظومة، يقف علي رأسها بعض الأساتذة، ليسوا أكثر من اثني عشر، عالمهم ضيق، ومعرفتهم محدودة، تربوا علي ما قد قيل بالفعل، وما كتب بالفعل ، يفحص لاؤور تصور هذه المنظومة لمفهوم الأدب الإسرائيلي، الأدب الإسرائيلي التي تراه، وقد بدأ مجندا مع جيل الأدباء الذين حاربوا في 48 ثم انتهي عدمياً في أدب الشباب اليوم، أما لاؤور فيراه مجندا كله لخدمة المقولة الصهيونية الكبري. يقول ان سؤالا عن ماهية الأدب العبرية يتلقي دوما اجابة: هو ما يريد أن يكونه الأدب العبري: خلاص الشعب الإسرائيلي في أرضه. وفي الحقيقة فانه لدي قراءة نصوص تاريخية من الأدب العبري يبدو كل شيء وكأنه مباركة لله علي أننا نحيا ونكون . هذا يتجلي أكثر فأكثر في الاهتمام النقدي الحاشد بالأدب المكتوب عن الهولوكست، وعلي رأسه كتابات أهارون أفيلفيلد، فليس هناك شيء مهم في هذا الأدب الا أننا ما زلنا أحياء، حتي بعد الهولوكست. ليس هذا هو العَرَض الوحيد لتحجر أقسام الأدب في المؤسسة الأكاديمية الإسرائيلية. يقول لاؤور إنه غير مطلوب من دارس شعر العصر الذهبي لليهود في الأندلس أن يعرف العربية، وهي اللغة التي كتب بها الشعراء اليهود حينها أشعارهم. هذا أمر يتصل بجوهر الصهيونية، ليس فقط محاولة تصوير الأدب الذي كتبه يهود وكأنه أدب عبري بالضرورة وانما كذلك محو ذلك الجزء الشائن من تاريخ اليهود، والذي يشوش علي الصورة التي تحاول رسمها لهم باعتبار ان العرب هم الأعداء البديهيون، لليهود وليس للصهيونية، وبالتالي تعميق الفارق الثقافي بينهما لصالح أهداف استراتيجية آنية، تتصل بالصراع الحالي، الذي لم يعشه بالتأكيد العرب واليهود في الأندلس. تتوقف دراسة ميرون عند الأدب كما أسلف، ولا تحاول نقد ما يترتب علي هذا، مثل الهوية القومية لليهود، الا في جمل عرضية، فيتحدث عن الهويات القومية الأوروبية التي أرادت الصهيونية الاقتداء بها وجعل اليهود شعبا ككل الشعوب . يقول عن الصلابة التي تخيلتها الصهيونية في تلك الهويات، ومن ثم الآداب: هذه الصلابة المثيرة للحسد، وعلي الرغم من أنها معيارية، أي أنه تم املاؤها علي يد نماذج أيديولوجية، فهي ليست طبيعية أبدا، وفي الواقع فهي غير موجودة كذلك أبدا في أي مكان أو زمان . في أي زمان ومكان، هكذا يخفف ميرون من آثار كتابه عن طريق عزو هجنة كتلك الي كل آداب العالم وهوياته، وبدون تمييز بين مجتمعات نمت عبر قرون، وعبر حروب واقتتالات داخلية وهجرات متفرقة، وبين مجتمع مهاجرين صرف تم تشكيله تشكيلا بقرار سياسي. هكذا لا يكون من فرق بين المجتمع الإسرائيلي وسائر المجتمعات، حيث كلها تسعي الي الصلابة والتماسك المستحيلين. هنا بالتحديد يمكن للناقد الإسرائيلي اليميني آساف عنبري أن يسدد سهما صائبا للكتاب، في مقال بعنوان العالم الروحاني لدان ميرون في دورية القوس الجديد ، بقوله: اذا كان الوضع الثقافي المتشقق، المنقطع، الهجين، ما بعد القومي، أصبح هو الوضع الطبيعي لثقافة الغرب كلها، اذن فما هو غير الطبيعي في الكيان اليهودي في منتجه الثقافي؟ هذا صحيح، فطالما يتورع ميرون عن الاعتراف بأن القومية، ومعها الأدب، اليهوديين، هما أكثر هجنة وانقطاعا من سائر القوميات، أوروبية أو غير أوروبية، طالما لا يلاحظ أنه ليس هناك هوية تنشأ بقرار سياسي بانشائها، كالذي قدمته الصهيونية، يبقي عمله محافظا جدا، وغير ثوري كما أراد نقاده من اليسار أن يروا. يصبح كل شيء طبيعياً وتمام كما يتمني أن يكون نقاده من اليمين، ويصبح الكتاب امتدادا لسلسلة نقد متواصل للـ أدب العبري ، أي: مباركة علي أننا نحيا ونكون، أننا شعب كسائر الشعوب، ولكن بشكل معكوس وحاذق هذه المرة. ليس هذا هو كل شيء، ففيما سبق كان دان ميرون يدافع عن وجود هوية قومية لليهود، أما الآن فقد حدث تحويل للاتجاه: هو ينقد الهويات القومية التي أراد اليهود الاقتداء بها حتي يكونوا شعوبا طبيعية ، غير أنه لا يتحدث عن الهوية اليهودية بتفصيل كاف، ودعنا لا ننسي أنه يتبرأ في نهاية كتابه من كونه بعد صهيونيا. هنا بالتحديد يمكن للناقد الإسرائيلي اليساري حانان حافير أن يدفع بأمنيته عن الكتاب الي ذروتها الراديكالية الأمثل، حيث النظرية الأساسية في الكتاب لا تذهب الي النهاية، ففي نهاية الأمر هي تمتنع عن ابداء استنتاجات قاطعة، حيث هناك أمر واحد تركته غير محلول، وهو الهوية اليهودية نفسها . وهو الجهد الذي يبدو أن الكتاب لم يطمح اليه أبدا، أو أنه رغب ولم يجرؤ، مثل الكثيرين دائما.0