الفنان التشكيلي الراحل أمين الدمناتي: الافتتان بجمالية التراث المغربي..
ابراهيم الحيسنالفنان التشكيلي الراحل أمين الدمناتي: الافتتان بجمالية التراث المغربي..عتبات الابداع.. ازداد الفنان التشكيلي الراحل أمين الدمناتي يوم 15 كانون الثاني (يناير) 1942 بمراكش التي تلقي بها تكوينه الأولي، قبل أن يتجه الي الدار البيضاء لولوج مدرسة الفنون التطبيقية وبعدها الي باريس، وتحديدا مدرسة المهن الفنية فضلا عن مدرسة اللوفر/ تخصص ديكور..أقام العديد من المعارض التشكيلية الفردية وشارك في أخري جماعية، أبرزها وطنيا بمراكش والبيضاء والرباط وفاس، ودوليا بفرنسا والسويد..بعد هذه الرحلة التكوينية الأكاديمية والجولات الفنية الغنية التي قام بها، عاد الفنان أمين الدمناتي الي بلاده المغرب، حيث تفرغ لاحتراف الفن وظل طوال تجربته الصباغية وفيا لمدينة دمنات التي يحمل اسمها يرسم منازلها الطينية الحمراء ودروبها ونساءها ورجالها ومختلف الحرف والعادات والتقاليد والرقصات الشعبية التي تميز ذاكرة أهلها الفولكلورية.. ومن ذلك الدقة الدمناتية التي يرجع أصلها الي منطقة تارودانت كان نقلها عمال خزف تغمرين، وذلك خلال القرن التاسع عشر. ويعود الفضل في انتشـار هذا اللون الغنائي الشعبي الدمناتي الي صناع الجلود الذين كانوا يمارسونه بشكل طقوسي احياء لليلة عاشوراء..هكذا بدت دمنات في التفكير الجمالي للفنان أمين الدمناتي.. وهكذا ظلت مدينة حالمة تسكن قلبه وتستقر داخل وجدانه. فهي مدينة عريقة توجد بالسفح الشمالي الغربي بالأطلس الكبير علي بعد 120 كلم شرق مدينة مراكش. كما تقع وسط منخفض معروف بغابته الكثيفة التي تميزها أشجار الزيتون علي طول واد امهاصر أحد الروافد الأساسية لواد تاساوت.. سؤال التراث..اهتم الفنان أمين الدمناتي بالموروث الفني المغربي من فولكلور شعبي ورشم وزراب مزركشة ومختلف المشغولات والقطع التراثية التي أبدعتها يد الصانع التقليدي. كما تخصص في رسم الخيول والفرسان التي كان ينقلها علي مسطح اللوحة بأسلوب اختزالي تقل فيه التفاصيل والجزئيات محتفظا في ذلك بحركات الخيول وجمالية أجسامها..من عمق قماشاته الصباغية، ينبعث نفس صوفي يعكس البعد الجدي في مجموعة من لوحاته والتزامه بمختلف القضايا العربية والقومية، فضلا عن اهتمامه المتزايد بعادات وأعراف بلاده التي كان يجسدها بألوان زاهية تمثل في تنوعها وتعددها نوعا من الانتشاء والاحتفال بالذات..انه بهذا الاشتغال ظل يثير سؤال التراث والهوية والانتماء، خصوصا في فترة ابداعية شديدة الحساسية شهدت ميلاد الكثير من التيارات الأوروبية الجارفة التي أتت علي كل الابداعات الشعبية المخصوصة بالمحلية.. ومن ثم، كان انتباه الفنان الدمناتي مبكرا بأهمية التراث الوطني حيث عاد بابداعه الي الجذور والبدايات التي ترسم الشخصية المغربية بمختلف تمظهراتها وملامحها البادية في اللباس التقليدي والعوائد الشعبية والاحتفاليات الاجتماعية ومظاهر الفولكلور الشعبي.. وحركية الأسواق والحواري الشعبية وغيرها..واضافة الي ذلك، ركز الفنان الدمناتي في لوحاته علي المشاهد اليومية وحياة الناس، وكان ينقلها بأسلوب صباغي تسجيلي سعيا منه الي تأكيد الذات وتمييز الشخصية الوطنية ومحتفظا في الآن نفسه للعمل التشكيلي بكل مقوماته الفنية والجمالية.. بهذا أكد امتلاكه لناصية التعبير الصباغي من خلال قدرة تحكمه في استيعاب ما يراه وتبسيطه واختصاره وفقا لمهارة يدوية نادرة..هو هكذا ظل رساما مبدعا.. ومبدعا رساما مجد للحياة كثيرا ولم يكن يكترث في تصاويره بالشكل التشخيصي في منحاه الأكاديمي الصرف، بقدر ما كان يهتم فيها بأقل القسمات الممكنة.. لذا اعتبر مصورا اقلاليا ـ Minimaliste، بصيغة أخري، تكمن قوته التعبيرية في بساطته وابداعه المختزل المبني علي ليونة الأشكال وشاعرية الخطوط وبلاغة التصوير..ألوانه كثيرة ومتعددة تعكس شساعة خياله وشحذ فكره المرئي، الا أن أبرزها يظل من دون منازع الأحمر القاني والبني ومختلف الألوان الترابية المعادلة له، فضلا عن البرتقالي الطيار والأصفر الساجي.. وغيرها كثير..فهذه الاختيارات الطيفية ساعدت الفنان الدمناتي كثيرا علي تملك أسلوبه الصباغي وفهم أسراره وتحولاته القزحية التي تذوب بابداع وخفة فوق السند: ورق، قماش، خشب.. الأمر الذي يعني أن صيغة أعماله التصويرية التي تؤرخ لتجربته التشكيلية، تكشف عن قدرته المتقدمة علي الرسم والتلوين واعطاء الأشياء المصبوغة حضورا جماليا تشخيصيا يستمد دعائمه التعبيرية من التراث البصري المغربي بأهم عناصره ومكوناته..ناقد تشكيلي من المغرب أعددنا هذا النص بمناسبة مشاركتنا في تكريم الفنان أمين الدمناتي خلال النسخة الأولي للصالون الوطني للفنون التشكيلية المقام بمدينة الدار البيضاء خلال الفترة الممتدة بين 19 ايار (مايو) و12 حزيران (يونيو) 2005.0