الاستشراق الآن وبعد… عن مؤتمر الترجمة.. ومقالة لندن ريفيو أوف بوكس .. والهجوم المستمر علي إدوارد سعيد
د. محمد شاهينالاستشراق الآن وبعد… عن مؤتمر الترجمة.. ومقالة لندن ريفيو أوف بوكس .. والهجوم المستمر علي إدوارد سعيدلا احد ينكر ان ادوارد سعيد صاحب الفضل في تقديم الاستشراق الي العالم وتقديم العالم الي الاستشراق منذ ظهور كتابه في اواخر السبعينيات من القرن الماضي، ذلك الكتاب الذي كان فعلا ثورة كوبرنيكية. ولّد الاستشراق اجناسا ادبية كثيرة مثل دراسات ما بعد الكولونيالية والدراسات النسائية ودراسة احوال المقموعين وما الي ذلك من النشاطات الفكرية والثقافية المختلفة التي تظل مدينة الي الاستشراق بطريقة او بأخري واهمها الترجمة. فالعلاقة الشائكة جدا بين الشرق والغرب والتي هي محور الاستشراق جعلت من الترجمة علي سبيل المثل فرعا مكملا للاستشراق ولهذا نلحظ الاهتمام الواضح بالترجمة في السنوات الماضية، اذ ان الترجمة كما لا يخفي علي احد تشكل عاملا هاما في تقليص الهوة بين العالمين ان كانت الفرصة ما زالت متوفرة لعمل ما يلزم في هذا الميدان. واريد من هذا التقديم ان اتحدث عن مؤتمر الترجمة بين العربية والانكليزية الذي قام بتنظيمه المجلس الثقافي البريطاني في لندن ما بين السابع والعاشر من شهر آذار (مارس) من هذا العام. لسبب او لآخر لم احضر المؤتمر كله واكتفيت بحضور اليوم الاخير فيه تلبية لحق الضيافة او الاستضافة. وقد صادف ان كنت في طريقي لحضور ندوة في جامعة كيمبردج تبدأ في اليوم الذي يلي انتهاء مؤتمر الترجمة (وسآتي لاحقا علي الحديث عن هذه الندوة).اولا لن اقدم تقييما لمؤتمر المجلس فالذي حضر أيامه الأربعة احق مني في ذلك، اضافة الي ان ما جري في المؤتمر كان حديث المؤتمرين علي الأقل في المدة التي شهدت فيها حوادث المؤتمر. كذلك لا يمكن ان اشكك في نية المجلس الثقافي الحسنة لكن المجلس الذي ينظم المؤتمر لا يستطيع بأي حال من الاحوال ان يضمن فعاليات المؤتمر التي تقع علي كاهل المؤتمرين من عرب وانكليز شاركوا في المؤتمر.ومع كل هذا لا يفوتني ان اذكر في هذا السياق امورا ثلاثة ربما كانت لافتة للنظر. في احدي الجلسات تحدث نفر من الكتاب العراقيين في المنفي عن تجاربهم المؤلمة عبر عقود من الظلم والاستبداد ورغم كل ما اكن للمتحدثين شخصيا من ود وتقدير الا انني دهشت من عدم وجود علاقة لموضوع حديثهم بالترجمة الا اذا اعتقد المتحدثون ان هنالك علاقة بين الماضي البغيض الذي اضحي مترجما علي يد الحلفاء المنفذين الي حاضر غير ذلك. اما الأمر الآخر فهو اقتراح تقدم به المؤتمرون بشأن تخصيص جائزة بوكر للرواية المترجمة تكون موازية لبوكر البريطانية. وعتبت علي المشاركين او بعضهم علي الأقل لانهم لم يذكروا ان لدينا بوكرنا الخاص التي يمنحها المجلس الأعلي للثقافة كل عامين. وآخر من حاز عليها كان الطيب صالح الذي ترجمت روايته الي الانكليزية ونشرتها دار نشر بنجوين مؤخرا وفي مداخلة عابرة اشرت الي التداخل الذي يمكن ان ينشأ عن هذه الفكرة.وأهم ما يلفت النظر في المؤتمر هو ما ورد في حديث روبرت ارون الذي ربما يكون ابرز المتحدثين في المؤتمر سمعة! وهو من كتاب الملحق الأدبي لصحيفة التايمز . بدأ حديثه بالقول انه لا يعرف سبب وجوده في المؤتمر اذ لا داعي لوجوده في مثل هذا المؤتمر كما اكد هو بنفسه علي ذلك، ثم استطرد قائلا انه لا قيمة لما ترجم من ادب عربي حديث. وتساءل باستهجان شديد هل يمكن لنا ان نقول ان هنالك مترجما له قامة مثل أولئك المستشرقين أمثال آربري الذي ترجم القرآن؟ هل يمكن لنا ان نتخيل وجود من يترجم الطبري الذي بدأت ترجمته منذ عقود وما زالت مستمرة (ويقصد طبعا مشروع روزنتال استاذ الدراسات العربية في جامعة ييل والذي ما زال مستمرا بعد وفاته). ولا اعتقد انه كان سيقابل باي نقد من المستمعين لو ذكر علي سبيل المثال بيرنارد لويس ورفاقه ولكن تحسبه جعله يتجنب بعض التفاصيل الاخري التي عبر عنها كتابه.وقد اصبح اروين معروفا هذه الايام بكتابه الذي صدر حديثا وهو المستشرقون واعداؤهم الذي يدعي فيه بطلان اطروحة ادوارد سعيد جملة وتفصيلا. ولا يخفي علي احد ان الكتاب يعيد الي الأذهان تلك المعارك التي خاضها ادوارد سعيد مع ذلك النفر ابتداء من بيرنارد لويس مرورا بارنست غلنر والتي جميعها باءت بالفشل. ومع ان ما قالته الدكتورة رضوي عاشور في نفس الجلسة كان في الصميم الا ان احدا من المستمعين لم يقم بالربط بين حديثها وحديث اروين، وكم كان بودي ان تقوم هي نفسها بذلك في هذه الحالة بدلا من ان تظل مداخلتها مقولة عابرة في كلام عابر طغت عليها المقولة الآخري الماكرة. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو اذا كان المؤتمر يهدف الي تشييد جسر من الاتصال والتفاهم بين الثقافتين الغربية والعربية كيف يقع الاختيار علي من يحمل معولا لهدم الاساس الذي يمكن ان يقوم عليه هذا الجسر؟ لقد كان اروين امينا مع نفسه ويستحق الثناء والتقدير عندما بدأ حديثه بالقول انه مندهش بوجوده في المؤتمر. ربما كان يظن حسنا بالحضور او ببعضهم معتقدا انه سيواجه بعاصفة خصوصا وان ما قاله لا يزيد عن مقولته المثيرة التي يتضمنها كتابه، ذلك الكتاب الذي يقطر حقدا وكراهية علي ثقافة الآخر.همس في اذني احد الحاضرين مستحسنين ما قمت به من مداخلة، وكنت اتمني الا اسمع مثل هذا الاستحسان كي لا اتذكر ان جماعتنا يعرفون الحقيقة ولكنهم يخشون الجهر بها مثل بروفروك في قصيدة اليوت او مثل الأيتام علي مأدبة اللئام رغم ان ادوارد سعيد عاش حياته يعلمنا ان الحق قوة تلغي مذلة اليتم وجبن الهيمنة! انتهي الفصل الاول من الخطاب الذي بدأت رحلتي به.توجهت بعد انتهاء المؤتمر مباشرة لحضور الندوة التي حضرت من اجلها. وهي ندوة اقامتها كلية كنجز بجامعة كبمبردج احياء لذكري احد اساتذتها الذين رحلوا قبل سنوات قليلة واسمه توني تنر الذي كان من اعز اصدقاء ادوارد سعيد وكان، كما ذكرت في موقع سابق، اول من قدم ادوارد سعيد في بريطانيا علي الاقل. وكلما كنت التقي بتوني كان موضوع حديثنا الرئيسي ادوارد، وهو الذي عمل علي استضافته كأستاذ زائر ومحاضر في جامعة كيمبردج مرتين آخرهما كانت قبل رحيل ادوارد باشهر عندما كان صديقه توني للاسف قد سبقه في الرحيل! وعندما قرأ توني كتاب بدايات وهو في سبيل عرضه في الملحق الأدبي لصحيفة التايمز بعيد ظهوره سألني اذا ما كنت قد قابلت ذلك الكاتب الفلسطيني مستطردا ان ادوارد سيكون من المع المفكرين في القرن العشرين ويشهد علي ذلك صديقنا المشترك الناقد باتريك برنرد . اشترك في الندوة ما يقرب من ثلاثمئة شخص من طلاب واصدقاء وزملاء توني الذين حضروا من جميع انحاء المعمورة. في الجلسة الاولي تحدث نفر من النقاد حديثا يدخل في نطاق انجازات توني المتميزة من دراساته في الأدبين الانكليزي والامريكي الي مقدماته لمسرحيات شكسبير في طبعة Everyman الشهيرة. وفي الجلسة الثانية شمل الحديث ذكريات المتحدثين من توني ومن بين المتحدثين كان فرانك كيرمود، وجون برو، وستيفن هيث، وكولن ماكيب، وهم جميعا من النقاد البارزين ومن بين الذكريات التي دوت بها قاعة الاجتماعات علي مسمع من الجمهور الغفير التي امتلأت بها قاعة كمنجز هو ما ذكره توني في احدي المناسبات لاحد مريديه: ان له اصدقاء بينما ادوارد سعيد له اتباع (disciples) التي تترجم احيانا في العربية تلاميذ رد عليه صديقه وهل انت حزين بسبب ذلك فأجاب بالنفي مُعللا الامر ان هناك ادوارد سعيد واحد!تذكرت علي الفور كلمات محمود درويش في رثاء ادوارد سعيد: سفيرنا في كل مكان وزمان . ورغم انني كنت الغريب الوحيد في مدرج كينز بين الانغلو سكسونيين الا انني شعرت بان غربتي تبددت واسترجعت هويتي التي ضاعت في رسل سكوير في ذلك المؤتمر، شعرت انني احمل جواز سفر احمر وليس وثيقة إقامة مؤقتة تصدقت بها علي الفلسطيني بعض البلدان العربية الشقيقة.انتهي الفصل الثانيغادرت كيمبردج بعد الاحتفال في ذلك القطار الذي كان في يوم من الايام حاضنة لأشواق السلف من جبرا ابراهيم جبرا الي خليل حاوي الي توفيق صايغ ـ جميعهم كتبوا اشعارهم في رحلة القطار بين كيمبردج ولندن وهي الرحلة التي حضنت اشواق جماعة بلومزبري من فورستر الي فيرجينيا وولف الي روجر فراي وغيرهم. كثيرا ما يكون للمكان عبقرية تفجر الوحي. الم تكتب زيدي سميث مؤخرا روايتها التي رشحت لجائزة بوكر بوحي من نفس المكان الذي وجدت نفسها فيه والذي سبقها اليه فورستر. المهم انني حملت معي في القطار العدد الأخير من مجلة لندن ريفيو أف بوكس قرأت المقالة الاولي التي هي في حجمها تساوي كتابا صغيرا. كتب المقالة استاذان احدهما استاذ علوم سياسية في جامعة شيكاغو والآخر استاذ علاقات دولية في جامعة هارفارد وعنوان المقالة اللوبي الاسرائيلي ، لم يترك الاستاذان شاردة او واردة الا واورداها في سبيل الدفاع عن الحق الذي يحاول اصحاب الباطل طمسه بكل الحيل. ومن الطبيعي ان تثير المقالة في نفسي الشجن، شجن قضية الازل الذي يكاد الحق فيها يضيع بين عشية وضحاها. من يقرأ هذه المقالة من ابناء العروبة علي الاقل يقف مدهوشا امام القوة والصلابة والمنطق التي يتحلي بها الاستاذان اللذان ربما لم يتعرفا علي عربي واحد، ويقف مدهوشا ايضا امام الشجاعة التي تعرض المجلة كتابتهما دون ان يكون لها اي علاقة بجهة عربية ودون ان تسوق نفسها في اي مكتبة عربية. والفكرة التي عنّت ببالي قبل وصولي محطة كنجز كروس هي ان قضيتنا تحتاج الي مثل هذا المستوي الرفيع من البشر ومثل هذا المستوي من الصحيفة التي استطاعت رئيسة تحريرها ماري كي ولمر Mary – Kay Welmer ان تجذب اليها الأقلام الحرة الشجاعة الذكية من جميع انحاء العالم دون اي ارتباط فيه مصلحة ذاتية او ارتزاق ولا ننسي في هذا السياق ان الصحيفة المذكورة كانت منبرا رئيسيا لفكر الراحل ادوارد سعيد. وبعبارة موجزة آن الآوان ان ندرك ان قضيتنا لن تنهض علي يد المرتزقة من الانصار والمهاجرين خصوصا عندما تصبح القضية لديهم استثمارا سخيفا محدود الأفق.عندما ابتعت المجلة المذكورة من مكتبة باوندرز في اكسفورد كانت النسخة الوحيدة المتبقية وكانت بجانبها مجلة فتية تعني بشؤون الأدب العربي الحديث. دفعني الفضول الي السؤال عن مبيعات المجلتين وعلمت ان المجلة الاخري لم يبع منها عدد واحد. وفي جميع الاحوال فان المقالة المذكورة تبعث علي الامل. اذ يكفي انها تحتفظ بالشعلة التي حملها كتاب الاستشراق من اجل احباء الحق واحيائه، وهي تذكرنا ايضا ان قافلة اصحاب المبادئ لن تتوقف مهما حاول اعتراض سبيلها المصابون بعمي الالوان ومن يقرأ مقالة لندن ريفيو اف بوكس يدرك علي الفور انها تجب بكل يسر مقولة روبرت ارون وما شابهها: الآن وبعد.. لانها تخاطب القاصي والداني بخطاب الايمان بالحق لا بخطابة التشبث به.ناقد وأستاذ الأدب الإنكليزي في الجامعة الأردنية0