ما أوقحهم.. نعم ما أوقحهم.. يقتلون ويذبحون ويدمرون ثم يأخذون بالمثل القائل «ضربني وبكى وسبقني واشتكى».. يحاصرون حوالي مليوني فلسطيني في سجن كبير في قطاع غزة منذ اكثر من ثماني سنوات، ويقتلون اكثر من 2200 فلسطيني في غضون 50 يوما من الحرب في غزة فقط، من بينهم عائلات عدة أبيدت عن بكرة أبيها، ويجرحون ما يزيد عن 11 ألفا جلهم من الأطفال، ويدمرون أكثر من 100 ألف منزل، جزئيا أو كليا، حسب إحصائيات الأمم المتحدة، ويعتدون على مراكز ومدارس وكالة غوث اللاجئين ويقصفونها فوق رؤوس المحتمين بها. وعدد قتلاهم لم يزد عن 72 منهم 67 عسكريا حسب اعترافهم، قتلوا في ارض المعركة.. ومع ذلك يملأون الدنيا ضجيجا ونحيبا، متهمين الفلسطينيين بدون حياء او خجل، بارتكاب أبشع جرائم الحرب.. والأدهى من ذلك ان المعسكر الغربي وكثيرا من العرب وحتى الفلسطينيين، يدافعون عن أفعالهم ويرددون مقولتهم بدون حياء إن «من حقهم الدفاع عن النفس».
يرتكبون كل هذه الجرائم.. ثم يقلبون الحق باطلا والباطل حقا.. ويهددون مسؤولين فلسطينيين، ويرفعون الدعاوى عليهم امام المحاكم الامريكية (محكمة في ولاية نيويورك تنظر في قضية تعويض ضد منظمة التحرير تطالبها بدفع مليار دولار لمسؤوليتها عن عمليات وقعت في القدس، قتل فيها يهود من أصل أمريكي) ويسبقون الفلسطينيين في رفع دعاوى على عدد منهم امام محكمة الجنايات الدولية، بزعم ان لهم علاقة بحركة (الإرهاب) حماس عبر حكومة الوفاق الوطني، يعني انهم مذنبون بالتواطؤ.. التواطؤ مع حماس وفصائل المقاومة التي في الواقع تجنبت قتل المدنيين خلال العدوان الأخير، وركزت على استهداف الجنود، لانها تعلم علم اليقين ان قتل الجندي أبلغ أثرا على معنويات النظام الاسرائيلي المحكوم أصلا من العسكر، رغم ادعاءات الديمقراطية الفارغة. والدليل على ذلك ان الأحزاب الاسرائيلية تتسابق لإشراك أكبر عدد من الجنرالات في قوائمها الانتخابية حتى تحصل على مزيد من الأصوات في الانتخابات المزمعة في 17 مارس المقبل.
وعلى سبيل المثال يتوقع ان تزيد قوة حزب النجم السياسي الجديد موشيه كحلون الوزير المستقيل من «الليكود»، بعد انضمام جنرال الاحتياط يوآف غالانت لقائمته، فيما يبحث حزب «العمل» عن جنرال يضمه للقائمة الانتخابية لتعزيز وضعه الانتخابي، وهذا أمر مألوف في إسرائيل.
يتفنون ليس في ارهاب الفلسطينيين فحسب، بل العالم أجمع وإن يكن بطرق مختلفة غير العسكرية، مستغلين جرائم النازية ومصطلح معاداة السامية، ليخرسوا به أي صوت يحاول أن ينتقد إسرائيل أو يطالب بالعدالة للفلسطينيين..
يتهمون الفلسطينيين والعرب والمسلمين بالإرهاب.. ويتصدرون المسيرة المليونية التي خرجت في باريس لإدانة الاعتداء على الصحيفة الفرنسية الساخرة «شارلي إيبدو».. والمهزلة ان نتنياهو الذي ارتكب جيشه اكبر الجرائم في غزة الصيف الماضي وافيغدور ليبرمان الذي يدعو للتمييز والإرهاب والفصل العنصري والتطهير العرقي، ونفتالي بنيت المسؤول عن مجزرة قانا اللبنانية، التي سقط ضحيتها 100 ما بين طفل وامرأة وشيخ في تسعينات القرن الماضي، بل ويتباهى بقتل المئات من العرب، هم الذين يدينون الإرهاب ويطالبون بوقاحة محاربته ولولا سياساتهم وسياسات من يقف معهم من المعسكر الغربي لما كان هناك أصلا إرهاب.
ورغم هذه الوقاحة والعنجهية والصلافة لا بد من الاعتراف، والاعتراف هنا فضيلة، بأنهم، يتحركون ضمن رؤية وتصور واضحين يعرفون ما يريدون ويتحركون نحو هدفهم بكل قوة وثقة، لا يردعهم رادع حتى إن كان ذاك الرادع مصدره الولايات المتحدة الحامية الأولى للكيان الصهيوني. يعرفون كيف يتلاعبون بالإعلام الداخلي منه والخارجي، بل حتى العربي منه، يرددون الكذبة مرات ومرات حتى تصبح مقولة يرددها الاخرون.. يديرون العمل السياسي كما يديرون عملياتهم الحربية العدوانية، يبادرون بالضربة الاولى والثانية والثالثة ليخلطوا أوراق عدوهم ويربكونه.
اما نحن، والعياذ من كلمة نحن، فإننا خلاف كل ما تقدم.. فنحن بليدون وأقول بليدون حتى لا اضطر الى استخدام كلمات أكبر ومصطلحات أعنف وخجلون في المطالبة بحقوقنا:
– نخوض معاركنا السياسية كما المعارك العسكرية.. تحكمنا فيها العواطف والتصرف بعشوائية مفرطة.. ليس لدينا رؤى او تصور او توجه واضح في اي قضية… خضنا مقاومة من دون تخطيط، وعملياتها العسكرية كانت في غالبيتها ثأرية وانتقامية وليس ضمن استراتيجية عسكرية مدعومة برؤية سياسية واضحة.
– خضنا مفاوضات على مدى اكثر من عشرين عاما بدون تصور ولا رؤية ولم ندرك أبعاد ما قاله اسحق شامير رئيس الوزراء الاسرائيلي في مؤتمر مدريد عام 1991 الذي ذهب اليه مكرها: سنتفاوض لعشرات السنين.. والنتيجة نراها جلية.. تفاوضوا على مدى هذه السنوات واكتشفنا في النهاية عبثية هذه المفاوضات.
– ندعو او نهدد بثورة شعبية لا عنفية، ولا نحدد ماهية هذه الثورة مقوماتها مكوناتها وأساليبها ومرادها، وكيفية ادارتها. وأنا على قناعة إننا نردد هذا المصطلح حتى نتجنب الحديث عن المقاومة المسلحة.
– نطالب بحقنا على حياء ونحاول على حساب حقوقنا الا نغضب فلانا او علانا.. خطواتنا بطيئة بل بليدة ومترددة.. ونقبل ان نساوم على حقنا فنقلبه الى باطل… حقنا في الانضمام الى محكمة الجنايات الدولية لمحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين، على سبيل المثال لا الحصر، ربطناه بحقنا بالمطالبة بدولة كوسيلة للضغط فقط.. بمعنى اننا وضعناه محل مساومة.. ويفسر بأننا ما كنا سننضم الى الجنايات الدولية وغيرها من المنظمات والمواثيق الدولية لو أننا نجحنا في مسعى الاعتراف بالدولة.. ويفسر ايضا انه في حال نجحنا في مسعى مجلس الأمن الدولي فإننا سنتنازل عن ملاحقة مجرمي الحرب الاسرائيليين، أي اننا سنتنازل عن حقنا وحقوق شهدائها وجرحانا.
– نتخذ موقفا في قضية ما.. فلا نتمسك ولا نصر على هذا الموقف لأننا عودنا الأعداء قبل الأصدقاء على ان مواقفنا قابلة للتغيير والتعديل.. والدليل على ذلك مشروع القرار الفلسطيني لإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة في مدة زمنية محددة.. فسرعان ما قبلنا بتعديلات عديدة عليه، أفرغت المشروع الأصلي من محتواه.. وقلبته رأسا على عقب، لا قناعة بالتعديلات ولكن حتى لا نغضب هذا الطرف او ذاك.. وأخذنا بنصائح من لم يحترموا نصائحهم ولم ينفذوا وعودهم وهم كثر… قبلنا المساومة على الثوابت ارضاء للاخرين على حسابها.. ومن يقبل المساومة على مواقفه وثوابته فكل شيء عنده يصبح مباحا.
– دائما مستعدون لتقديم التنازلات مجانا.. لذا فكلما قدمنا تنازلا تغول العدو وطالب بالمزيد.. على سبيل المثال لا الحصر اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية بدولة اسرائيل على مساحة 78٪ من فلسطين التاريخية، مفرطة بالورقة الأقوى في يدها، بدون الحصول في المقابل على اعتراف من اسرائيل بدولة فلسطينية ضمن حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، مكتفية باعتراف اسرائيل بالمنظمة ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني. ولم يشبع هذا الاعتراف المجاني مطامع اسرائيل. فطالبت باقتطاع الاراضي المقامة عليها المستوطنات من الضفة الغربية.. وهناك من يطالب بتبادل اراض للتخلص من فلسطينيي الداخل الخ.. واصبحت اسرائيل تطالب كشرط لقبول حل الدولتين، ولن تقبل به، بضرورة الاعتراف بإسرائيل وطنا قومياً لليهود وما ينطوي عليه هذا الاعتراف من تداعيات على أهلنا في فلسطين الداخل.. وانا على قناعة بانه حتى لو وافقت المنظمة على هذا الشرط فإن مطالب إسرائيل لن تتوقف وستكون القدس الخطوة التالية. وهذا كله ليس لضعف في قضيتنا وحقوقنا وفي شعبنا، بل لضعف بعض المطالبين بهذه الحقوق، فهؤلاء مهزومون من الداخل ولا يؤمنون بعناصر ومواطن قوة قضيتنا وشعبنا..
وحتى لا أتهم بالسلبية أختم بالقول: علينا ان ننفض من دواخلنا أحاسيس الضعف والهزيمة التي تسللت اليها واستقرت عند بعض صناع القرار. علينا ان نصدق القول ونقرنه بالفعل حتى نعزز احترامنا لأنفسنا اولا قبل ان نتوقعه من الآخرين. وعلينا ان نؤمن بأننا نحن الأقوياء، مهما قال السفهاء والضعفاء والمهزومون منا..
نعم نحن الأقوياء وهم الضعفاء.. نحن الأقوياء اولا بعدالة قضيتنا فمهما فعلوا ومهما توسعوا يعرفون أننا اصحاب حق وقضية عادلة وأصحاب الأرض وقضيتنا لم ولن تموت.. نحن أقوياء بشعبنا، فهذا الشعب بأطفاله ونسائه وشبابه ورجاله صعب المراس شديد العزيمة معطاء وصبور ولكن للصبر حدود.. هم يخافونه، رغم كل ما يملكون من عناصر التفوق العسكري، ورغم الدعم غير المشروط من حليفهم رائد الديمقراطية في العالم.. الولايات المتحدة. نحن أقوياء بوجودنا وصمودنا فوق أرضنا رغم كل المجازر التي ارتكبوها على مدى حوالي قرن من الزمن، والدليل اننا لا زلنا متمسكين بحقوقنا رغم كل محاولات الترحيل والتطهير العرقي وطمس الهوية الوطنية الفلسطينية.
واخيرا.. الوقت مهما طال في صالحنا وليس في صالحهم.. فعددنا سيفوق عددهم في بلادنا في غضون سنوات قليلة. وعلينا الا نسمح للوقت بان يكون سيفا مسلطا على رقابنا.. والحق سيعاد لاصحابه طال الزمان أو قصر.
٭ كاتب فلسطيني
علي الصالح