الأميرة هيا رفقة محاميتها شاكتلون (أ ف ب)
لندن ـ “القدس العربي”:
خصصت صحيفة “الغارديان” تغطية واسعة لقرار قاض بارز في المحكمة العليا بلندن والذي اتهم فيه حاكم دبي، الشيخ محمد بن راشد المكتوم باختراق هاتف زوجته السابقة الأميرة هيا الحسين باستخدام برنامج التجسس بيغاسوس الذي صنعته شركة “أن أس أو غروب” الإسرائيلية، وأشارت في تقارير أعدها دان صباغ وهارون صديقي إلى الأطراف المشاركة في العملية.
وقال صباغ محرر الشؤون الدفاعية والأمنية في الصحيفة إن قرار المحكمة 11 ويغطي 181 صفحة بالإضافة إلى مئات الصفحات الأخرى من الوثائق القانونية كشف عن فضيحة التجسس غير العادية: عملية اختراق بأمر من الدولة تمت نيابة عن حاكم دبي ضد زوجته السابقة السادسة والخائفة الأميرة هيا ومحاميتها الأشهر في شؤون الطلاق ببريطانيا والمقربون منها بالإضافة لثلاثة أخرين وسط معركة قضائية على حضانة طفليهما والتي شهدتها المحاكم الإنكليزية يوما بعد يوم. وكانت النتيجة بعد عام من النقاش القانوني المكثف هو أن “خدم أو عملاء” للشيخ محمد بن راشد المكتوم، نائب رئيس الإمارات ورئيس وزرائها قاموا بعملية “مراقبة لستة هواتف” في بريطانيا مستخدمين برنامج تجسس صنعته شركة أن أس أو غروب، وهي المجموعة التي واجهت سلسلة من الفضائح، وكانت العملية من أجل تقوية جانب الشيخ في معركة الحضانة.
وكتب القاضي سير أندرو ماكفرلين، رئيس محكمة العائلة في واحد من القرارات “حدث التجسس بأمر واضح أو ضمني من الوالد”، مع أن المحامين عن الشيخ ناقشوا مرة بعد الأخرى أن المحكمة لا صلاحية لها للحكم على حاكم أجنبي أو أنه لا يمكن اثبات عملية اختراق الهواتف. وفي كل مرة تعرض فيها المحامون عن الشيخ للهزيمة حتى تم رفض الإذن الأخير للاستئناف أمام المحكمة العليا.
وبحسب الحكم القضائي الذي نشر يوم الأربعاء فقصة الكشف عن الاختراق غير عادية في حد ذاتها. وبدأت بعمل محقق رقمي ومتخصص في فحص الكمبيوتر والبحث عن أدلة ولكنها تشرك أيضا شيري بلير، المحامية وزوجة رئيس الوزراء الأسبق توني بلير في معركة قضائية حادة بدأت بهروب الأمير هيا، الأخت غير الشقيقة للملك عبد الله الثاني إلى لندن في عام 2019 مع ابنها وابنتها في وقت بدأ فيها زواجها من حاكم دبي ينهار.
وكان ويليام مارشاك، الخبير في استخدام برمجيات التجسس على الهواتف النقالة من قبل الدول، يراقب استخدام برنامج بيغاسوس حول العالم. وباعت الشركة البرنامج للحكومات لمساعدتها، كما يفترض، على مكافحة الجريمة والإرهاب. ولدى البرنامج القدرة للسيطرة على هاتف الشخص وقراءة الرسائل وتحميل البيانات وحتى فتح الميكرفون لتسجيل الحوارات. وفي بعض الحالات لا حاجة لصاحب الهاتف لنقر أي رسالة حتى يخترقه البرنامج.
ونفت الشركة الاتهامات المتكررة استخدام البرنامج للتجسس على المعارضين والصحافيين. ولكن مارشاك يبحث منذ مدة عن النشاطات غير العادية في هواتف المدافعين عن حقوق الإنسان في الشرق الأوسط، ومعظمهم هرب إلى الخارج. وكان يركز على هاتف “ناشط معروف من الإمارات، وتم تعريفه في المحكمة الإنكليزية بـ “إكس”. وعادة ما يتم حذف البرنامج بعد استخدامه، لكن مارشاك عثر على أثار واضحة عن استخدامه. وعندما يخترق بيغاسوس الهاتف يتم توجيهه عبر “رسائل تحكم وتوجيه” ويتم إرسال هذه من خوادم إلكترونية عن بعد. ووضح الحكم الصادر ” كما هو الحال مع أي جهاز مرتبط بالإنترنت فلديه عنوانه الخاص أو أي بي”. وسمح تسريب نشاط بيغاسوس إلى عنوان الإنترنت للباحث التعرف على شيء مثير للدهشة: فلم يكن هاتف أكس هو الذي تم استهدافه ولكن عناوين انترنت أخرى مرتبطة بشركة قانونية بريطانية مرموقة وهي بين هيكس بيتش. ومحاميتها المعروفة جدا هي فيونا شاكلتون التي مثلت ولي العهد البريطاني الأمير تشارلس في قضية طلاقه من الأميرة دايانا ونجم البيتلز بول ماكارتني عندما انفصل عن هيذر ميلز.
ولم يكن مفاجئا للشركة اختيار الأميرة هيا في معركتها مع زوجها السابق، ولكن المفاجئ هو ما حدث في 5 آب/اغسطس العام الماضي. وتم إخبار الشركة عبر وسطاء عن قلق مارشاك وأن هناك من “يلاحق بين هيكس بيتش” وأنها “مستهدفة بشكل محتمل من برنامج تجسس توجهه الإمارات العربية المتحدة”.
ولم يكن هذا هو التحذير الوحيد الذي تلقته شاكلتون، لأن بلير أوصلت في نفس اليوم رسالة تحذرها من الرقابة على هاتفها. وكان التحذير الثاني محددا. وبلير هي محامية ناجحة ظلت تمارس المحاماة قدر استطاعتها عندما كان زوجها في رئاسة الوزراء وزادت من نشاطاتها القانونية بعد مغادرة 10 دوانينغ ستريت وأنشأت شركة محاماة.
وشمل عملها الأخير، كمستشارة لشركة أن اس أو غروب، وهي الشركة التي عادة ما تورطت في أزمات أخلاقية أو موضوعات تجارية وحقوق الإنسان. وعند حلول الليل رن هاتف بلير، حسبما ما ورد في الحكم، وكان على الخط الآخر “في منتصف الليل في إسرائيل” مسؤول بارز من مجموعة أن أس أو ولديه رسالة يريد توصيلها. ولم يذكر اسم المسؤول في حكم ماكفرلين، ولكنه قدم ما أخبر به بلير: ” توصلت “أن أس أو” أن برنامجها أسيء استخدامه لمراقبة الهاتف المحمول للبارونة شاكلتون وموكلتها، الأميرة هيا”.
واتصلت بلير بشاكلتون لتوصيل الرسالة. وهو ما أثار المخاوف وبدا واضحا أن مزاعم اختراق الهاتف ستكون جزءا من معركة الحضانة والتي سيتم التأكد من صحتها في المحكمة.
وبعد هروب الأمير هيا إلى بريطانيا بفترة قصيرة وجدت نفسها في معركة مع الشيخ محمد حول حضانة ابنيها من الشيخ الذي أنجب 25 ولدا من ست زيجات. وتزايد الشك بينهما حيث ناقشت الأميرة وبنجاح أمام المحكمة أنها خائفة على معاملة الشيخ لابنائه، وبخاصة الشيخة لطيفة وشمسة اللتان حاولتا الهروب من بيت العائلة. وأكد سير ماكفرلين أن شمسة اختطفت في آب/أغسطس 2000 بعد محاولتها الهروب من بيت العائلة في بريطانيا. أما لطيفة فقد أحبط كوماندو هندي محاولة هربها على يخت لم يكن يبعد سوى 48 ميلا عن غوا التي كانت تريد الوصول إليها في محاولة للهروب من دبي. وتوصل القاضي للحكم في تشرين الثاني/نوفمبر 2019 لكن لم يتم الكشف عنه إلا في آذار/مارس 2020.
وقال الشيخ محمد إن الحكم لم يقدم “سوى جانبا واحدا من القصة”، إلا أن هيا ناقشت أنها عرضة “لحملة تخويف واستفزاز” وحتى قبل عملية التجسس على هاتفها. ويمكن ملاحظة خوف هيا من زوجها السابق من الأحكام التي صدرت يوم الأربعاء من ماكفرلين الذي توصل إليها بناء على ميزان الاحتمالات، وهو إثبات معروف في المحاكم المدنية. ويصف كيف عرفت هيا عن محاولة عملاء يعملون نيابة عن الشيخ محمد شراء عقار قريب من ويندسور، ويطل على البيت الذي تملكه، والذي تركه والدها الملك حسين لها. وبحلول تشرين الثاني/نوفمبر “أشار من يعملون نيابة عن الأب (الشيخ محمد) أن عملية الشراء لن تتم، ولكن مخاوف هيا لم تختف”. وتكشف صفحة من شهادتها التي قدمتها في كانون الاول/ديسمبر العام الماضي وتكشف عن مزاجها. وبحلول الوقت الذي قررت فيه المحكمة التعامل مع مزاعم التجسس على الهاتف، أخبرت هيا المحكمة “بدا وكأن الجدران أطبقت علي، وانني لا أستطيع حماية طفلي وانا لم تعد في أمن في مكان. وأشعر أنني أدافع عن نفسي ضد كل الدولة. وحتى في بيتنا يحاولون السيطرة علينا”. كما ورد في الحكم الذي أكد فيه القاضي أن الشيخ محمد أو وكلاؤه لا يمكنهم شراء العقار القريب أو حتى دخول المنطقة المحظورة المحيطة ببيت الاميرة وحتى من الجو بمستوى 1.000 قدم. ولم يرعو فريق الشيخ القانوني عن محاولة استبعاد التجسس على الهاتف، حيث قالوا إن المحكمة لا صلاحية لها من أجل الحكم على التجسس لأنه من “عمل دولة أجنبية”، ورفضت المحكمة العليا التبرير في تشرين الأول/أكتوبر وكذا استبعدته محكمة الاستئناف في شباط/فبراير هذا العام.
وخلال جلسات الاستماع أكد محامو الشيخ محمد إنه “فيما يتعلق بالشؤون الاستخباراتية والأمنية، فسياسة الإمارات هي عدم تأكيد أو نفي” النشاطات التي تقوم بها. ولكن المحكمة توصلت أن من واجبها اتخاذ حكم “وقرار الامتناع عن الفصل في هذه المزاعم يعتبر تقويضا لسيادة المملكة المتحدة”. وحاول فريق الشيخ محمد تحدي نتائج خبير برامج التجسس مارشاك الذي كان الاول الذي كشف عن هذه التطورات. وقامت المحكمة بتعيين خبيرها المستقل وهو أليستر بيرسفورد، استاذ أمن الكمبيوتر في جامعة كامبريدج والذي أكد نتائج مارشاك، في دليل قبلته المحكمة. وقال ماكفرلين “كان هناك توافق بينهما”. وأكدت هذا الشركة نفسها (أن أس أو غروب) وهو اعتراف منها بإساءة استخدام برنامجها لاستهداف الأميرة هيا وشاكلتون. وفي رسالة للمحكمة مؤرخة في 4 آب/أغسطس 2020 قالت فيها إنه “علمت بإمكانية استخدام زبون للتكنولوجيا بطريقة لا تتناسب مع شروط العقد” و “المعلومات التي وصلت إلى أن أس أو تشير لإمكانية اختراق هاتف البارونة شاكلتون وعضو أخر لم يذكر اسمه من نفس الشركة والأم”. وقالت أن أس أو إنها أوقفت العقد مع “الزبون” أو الدولة- ربما دبي أو كل الإمارات.
ولا تشير سجلات الحكم إلى تداعيات سياسية للتجسس الإماراتي على هواتف بريطانيا، فلا تزال الإمارات حليفا وشريكا تجاريا مهما واستقبل بوريس جونسون في أيلول/سبتمبر ولي عهد أبو ظبي والحاكم الفعلي للبلد، الشيخ محمد بن زايد. مع أن “الغارديان” كشفت في تموز/يوليو عن تورط الإمارات، بمن فيها دبي بمحاولة استهداف 400 هاتف بريطاني ضمن تسريب “تسريب مشروع بيغاسوس”. وبناء على هذه الأدلة القوية فقد توصل ماكفرلي في حكمه “وعليه، فقد وجدت ان ستة من هذه الهواتف إما اخترقت بنجاح أو تعرضت على الأقل لمحاولة اختراق، عبر برنامج رقابة.
ووجدت أن هذا البرنامج الذي استخدم هو برنامج بيغاسوس لـ”أن أس أو”. وتم سحب بيانات حجمها 265 ميغابايتس من هاتف الأميرة هيا، مظهرا قوة التكنولوجيا هذه كما كشف القاضي. وكان الفاعل واضحا في نتيجة القاضي مع أن فريق الشيخ القانوني حاول اقتراح دول أخرى من إسرائيل إلى السعودية وبالتحديد الأردن وتحميلها المسؤولية. وجاء في النتيجة “أولا، كان من الواضح أن الأب وقبل أي شخص العالم هو من بدأ عملية التجسس، ولا فاعل غيره، سواء كان شخصا أم حكومة لديه المنفذ على برنامج بيغاسوس، ويساوي الأب من حيث الاحتمالية”. وهذا يعني أن عملية التجسس على هواتف الأميرة والمحامين الذين يدافعون عنها وشخصين أخرين ” قام بها خدم او وكلاء عن الأب، إمارة دبي او الإمارات”، وهي نتيجة ثبتها محكمة الاستئناف.
ولكن المعركة القضائية لم تنته وبانتظار حكم المحاكم على حضانة الولدين لكن القاضي ماكفرلين أشار إلى أن الثقة بين الطرفين متدنية. وبعبارة مذهلة لخص القاضي الأمر ” عادة ما يقال إن اهم شيء يسرقه اللص الذي يسطو على البيت هو راحة البال لساكنه، ونفس الأمر قد يصدق على اختراق الهاتف”.
وأشار هارون صديقي محرر الشؤون القانونية في الصحيفة إلى أن الادلة التي وردت في حكم القاضي ماكفرلين تطرح أسئلة حول علاقة شيري بلير بشركة “أن أس أو”. وأشار إلى أن نتيجة ماكفرلين عن استخدام بيغاسوس في التجسس على الأميرة هيا متناقض مع زعم الشركة أن برنامجها يستخدم في ملاحقة المجرمين والإرهابيين. وتعمل بلير كمستشارة لشؤون حقوق الإنسان للشركة، ومن المتوقع أن يؤدي الحكم للنظر في دورها وفي ضوء مظاهر القلق التي أثيره حول مصالح المحامية التجارية والشخصية ومصالح زوجها توني بلير. وكانت شيري بلير واحدة من شخصين حذرا المحامية شاكلتون من تجسس على هاتفها.