حينما انطلق عبد العزيز آل محمود مبحرا في فضاءات السرد، قرصانا، لم يكن يتخيل الكثير من متابعيه أنه سوف يعود إلى الإبحار مرة أخرى في المياه المتلاطمة الامواج ذاتها، مياه التاريخ التي لا تركد على حال رغم أنها تاريخ، غير أن روح المغامرة التي طبعت صاحب «القرصان»، روايته الأولى، بقيت متقدة، بل زادت، بعد أن حظيت الرواية بأكثر من أربع طبعات مع ترجمات لغات حية أخرى غير العربية.
من التاريخ القريب للخليج العربي في «القرصان»، وتاريخ شخصية مازال أهل الخليج يتذكرونها، ارحمه الجلاهمة، قرر آل محمود الإبحار بعيدا هذه المرة، مع قربه من الخليج ومياهه الدافئة التي كانت ومازالت مغرية للباحثين عن حلم الثراء، فكان أن أبحر هذه المرة بشراع مقدس من شواطئ البرتغال في القرن الخامس عشر الميلادي، راسما بطريقة سردية ذكية، خط سير الاستكشافات الأولى، يوم أن قررت البرتغال البحث عن طريق بحري يوصلها إلى طريق البهارات القديم، الذي كان يوصل الهند بأوروبا مارا بالخليج، فالبرتغال كانت تعيش زمنا قاسيا، يطوف فيه الجوع منازل ناسها وأزقتهم، فرسم آل محمود صورة مدن البرتغال، التي تعيش واقع الجوع اليومي الذي كان ينهش يومياتها. كان الدين، كما هو اليوم، العنوان الأبرز الذي سارت تحته قوافل الغزاة الجدد آنذاك، فأبحرت سفنهم بشراع مقدس يعتليه الصليب، وكل من تحته يعتقدون أنهم ذاهبون بمهمة مقدسة، التبشير بالمسيحية، غير أن دهاقنة القصر كانوا يعرفون الحقيقة، لا مناص من استعمار تلك المناطق، مناطق طريق البهارات، إن كنا نريد أن نطعم الجوعى في شوارعنا.
الأماكن… تعددية جمالية
يتفنن عبد العزيز آل محمود في رسم أبعاد روايته، فهو بالإضافة إلى الاختيار المناسب للمواقع، من البرتغال إلى الإسكندرية إلى ميناء عدن في اليمن وصولا إلى جزيرة هرمز والأحساء، فإنه أيضا بارع في تقسيم تلك الأماكن، أحداث الرواية، بنسب تشبه كثيرا ما يعمد اليه طلاب الدراسات العليا في كتابة بحوثهم، فلا فصل يكبر أو يقصر على حساب فصل آخر، وهنا يتدخل المؤرخ بقوة، على حساب الروائي، فآل محمود لا يبحث عن متعة السرد وحدها وإنما عن المعلومة التاريخية التي تضيء جانبا من أحداث الماضي، ربما لتفسير الحاضر أيضا.
كثرة الأماكن في الرواية أعطاها بعدا جماليا فلا تشعرك بأنها مقحمة في داخل السرد، ناهيك عن أنها كانت متسلسلة، بدأت من لزبن البرتغالية، حيث انطلقت من هناك فكرة البحث عن طريق البهارات القديم، ومرت بمدن وموانئ أخرى، قربت بينها الرواية، وجعلتها متجاورة.
يلعب المكان في الرواية دورا كبيرا، فهو الذي مهد لأحداث الرواية، ومنه انطلقت تفاصيل السرد التاريخي باتجاه أماكن أخرى، غير أن ما يعاب على السرد المكاني، أنه كان في بعض المواقع فقيرا في وصفه، وهو أمر قد يكون مرده إلى غياب المراجع التاريخية التي تتحدث عن أماكن بعينها في تلك الحقبة الزمنية، الأمر الذي أفقد النص السردي بعضا من خصائصه.
اللغة… بين السرد والتاريخ
يمكن القول بأن حس المؤرخ غلب حس الروائي في الشراع المقدس، غير أنه يبقى أيضا قولا غير مكتمل الأركان، ففي أحيان تأخذك لغة السرد حتى التاريخ من دون أن تصطدم به او تلتقي معه، ثم، مرة أخرى، تأخذك لغة التاريخ والتوثيق، حتى حدود السرد، من دون أن تنجح في الانضواء تحت جناحه.
وهكذا، تبقى تقلب أوراق الرواية، مرة توثيقا للتاريخ وأخرى سردية تاريخية بامتياز، حتى تستسلم لطريقة المؤلف، ليس لأنه ابتدع جنسا سرديا جديدا، ولكن لأنه، بقصد أو من غير قصد، نسج روايته لتكون تاريخا، كما نسج التاريخ ليكون رواية.
وربما أخذت لغة الصحافة، مهنة آل محمود، التي يكرهها ويشتهي وصلها، حصتها من لغة الرواية، فكانت في بعض الأحيان تنحو منحى صحافيا، وكأنه يكتب تقريرا عن حقبة زمنية ما، من دون أن ينسى أن يسقطها على الواقع، إسقاطا قد يبدو في بعض الأحيان تحليلا، يشبه من يسعى للاستفادة من التاريخ في محاولة فهم ما يجري.
وعلى ذكر هذه النقطة تحديدا، التاريخ لفهم الواقع، يمكن القول إن الشراع المقدس قدمت وصفة مثالية لمن يريد أن يفهم كثيرا مما يجري حولنا، فالدين، كما هو اليوم، مطية للدول، وأيضا منظمات وجهات أخرى، لتحقيق مكاسب، فشراع البرتغاليين المقدس، ما انطلق لنشر المسيحية أو للتبشير، كما قد نتوهم، وإنما انطلق لأن المملكة الأوروبية التي أقيمت على انقاض الأندلس الإسلامية، كانت على وشك الموت جوعا، فكان لابد من البحث عن خيار، عن تجارة، عن ثروة ما، يمكن أن تنقذ جياع لشبونة، فانطلقت حملات، بعضها لاستكشاف أماكن جديدة، فكانت أمريكا، وبعضها الآخر للوصول إلى قديم معروف بثرائه لأنه يملك طريق التجارة، فكانت حملات البرتغاليين على الخليج العربي ومحاولة السيطرة على طريق البهارات.
لقد كبر «القرصان» وصار يقود أسطولا يجوب بحار السرد، يعرف أماكنه، ويدرك مخابئه التي لا تسلم نفسه بسهولة، وربما سيحط أسطول «الشراع المقدس» في ميناء جديد، يفاجئنا به آل محمود، والذي يبدو أنه مصر على اقتناص لحظة التاريخ الفارقة التي قلما يفطن اليها كثيرون ممن سبروا أغوار السرد.
وتبقى «الشراع المقدس» فرصة لمعرفة الحاضر، فهي مطالعة سردية قدمها آل محمود، سعى من ورائها إلى محاولة فهم ما كان قد جرى وما يجري اليوم، فهو يعبر عن الحاضر بلسان الماضي، عندما خاطب الوزير الهرمزي خواجة عطار، قائد الأسطول البرتغالي «البو كيرك» قائلا «منذ أن وصلتم إلى ديارا ونحن نعيش في بؤس دائم، لقد افسدتم حياتنا، ودمرتم مملكتنا». إنها موجهة لكل الغزاة عبر التاريخ، من هولاكو إلى البوكيرك مرورا بعصابات الصهاينة وصولا إلى جورج بوش.
كاتب عراقي
إياد الدليمي