رومي شنايدر والآن ديلون
في وجودها الفني كانت النجمة الألمانية الفرنسية رومي شنايدر 1938 ـ 1982 أكثر من امرأة على شاشة السينما، وتعدد حضورها من خلال شخصيات متنوعة، وتعبيرها عن تلك الشخصيات وما تحمله في داخلها من مشاعر وأفكار تختلف من فيلم لآخر، وبلغات متعددة أيضاً، حيث مثلت أغلب أدوارها باللغة الفرنسية إلى جانب الإنكليزية والألمانية، وفي فيلم «سيسي» 1955 تبدو رومي كطفلة على الشاشة، أو كانت لا تزال طفلة بالفعل، وقد سبق هذا الفيلم بعض الأفلام الألمانية التي ظهرت فيها، لكن هذه الطفولة لم تفارقها حتى وهي امرأة مكتملة النضج والأنوثة، تختبر أعمق معاني الحب والحياة، والطفولة هنا لا تعني المرح والخفة والانطلاق، فهي رزينة هادئة طوال الوقت تقريباً، لكنها شيء ما يظهر تلقائياً في روحها وإحساسها وأبسط انفعالاتها، وربما كان هذا ما وصفه الناقد الفني عزيز أحمد فهمي في مجلة «الرسالة» عام 1939 قائلاً: إن درجة وضوح الروح في الطفل أكبر منها في الكبير، فالطفل إذا فرح ظهر عليه الفرح فياضاً جارفاً، وهو إذا غضب لا يمكنه أن يكتم غضبه، وإنما أرسله قوياً عنيفاً، وهذا شيء لا يقوى عليه إلا هو، أو ممثل فيه من هذا الوضوح ما في نفوس الأطفال، وهذا الوضوح الذي يستوجبه التمثيل، وهذه البراءة التي تستلزمها المحاكاة، هي التي تحول بين النساء والنبوغ في هذا الفن، إلا النادرات النوادر منهن».
لا ينتظر المتلقي من رومي شنايدر تلك المشاهد الدرامية الضخمة، والأداء المسرحي، والانفعالات الحادة والصوت المرتفع، رغم إنها كانت ممثلة مسرحية أيضاً، لكنه ينتظر منها مشاهد هادئة، مليئة بالانفعالات المنضبطة، التي تعبر عنها، إما بالصمت أو بالدموع الحقيقية، وبالكلمات المرهفة، والإشارات الجسدية التي تكون على قدر كبير من الحساسية.
وفي عيني رومي شنايدر يتركز هذا الوضوح، وعلى قسمات الوجه وكامل الجسد ترتسم علامات الحساسية الفنية، ودلالات الموهبة وقدرات التمثيل، وكانت هذه الفنانة تستخدم جمالها الكبير بتواضع، كمن تتعمد تهدئته وتبسيطه، أو جعله يتوارى قليلاً من أجل أن تظهر هي ما تريد أن يكون له الحضور الأكبر، أي الجمال الداخلي وفتنة الشخصية وسحر الأسلوب، فلم تكن أبداً مجرد دمية جميلة على الشاشة، أو جسداً خلاباً مغرياً، حتى في فيلم «لا بيسين» يجد المشاهد ما يتطلع إليه وراء الجسد شبه العاري، ولها من ردود الأفعال واللحظات الانفعالية في هذا الفيلم ما يستحق التوقف عنده، وفي أغلب أفلامها لا يكاد المشاهد يرى سوى القليل من الماكياج على وجهها، والأثواب البسيطة الرقيقة على جسدها، وكانت تستطيع أن تبدو كأنثى فاتنة وهي ترتدي الجينز والقميص الذي يبدو رجالياً، وشعرها مجموع إلى الوراء.
لا ينتظر المتلقي من رومي شنايدر تلك المشاهد الدرامية الضخمة، والأداء المسرحي، والانفعالات الحادة والصوت المرتفع، رغم إنها كانت ممثلة مسرحية أيضاً، لكنه ينتظر منها مشاهد هادئة، مليئة بالانفعالات المنضبطة، التي تعبر عنها، إما بالصمت أو بالدموع الحقيقية، وبالكلمات المرهفة، والإشارات الجسدية التي تكون على قدر كبير من الحساسية، وكانت هذه الممثلة تجيد التعبير عن المشاعر الأنثوية، أو أنوثة المشاعر برقة بالغة، عن طريق الاستسلام الكامل لها، والتناغم مع طبيعتها وعدم مقاومتها، وكانت كلما تعمقت في التعبير عن هذه الأنوثة، بدا الأمر أكثر خطورة وإثارة، وكأنما تركزت فيها خلاصة الأنوثة ومشاعر الأنثى، هذه الخطورة الكامنة في تعقيدات النفس بجانبيها الملائكي والشيطاني، ورغبات المرأة الظاهرة وغير المكتشفة، وعلاقتها بالحب والرجل، والأمومة التي تمنحها للأطفال أو للرجل نفسه أيضاً، والضعف الناتج عن رقة الشعور، والقابلية للكسر في كل وقت، حتى في لحظات الإحساس بالقوة، وكان مطلوباً منها عن طريق الأدوار التي تلعبها ويتم اختيارها من أجلها، أن تعبر عن الحب في صوره المختلفة، التقليدية السائدة، والغريبة إلى أبعد الحدود، وأن تجعل المشاهد يصدق هذا الحب حتى وإن لم يفهمه، أو لم يعجبه، وأن تعبر أيضاً عن الحزن، وهو ما كانت تجيده وكأنها تقول، أنا أعرف الحزن جيداً، وكان وجهها من الوجوه التي يزيدها شحوب الحزن رونقاً وجمالاً.

رومي شنايدر في السينما
وفي فيلم «سيزار وروزالي» كان على رومي شنايدر التي جسدت شخصية روزالي، أن تعبر عن أكثر من عاطفة تحس بها هذه الفتاة التي أحبت دافيد الرسام الوسيم، وهي لا تزال صغيرة، ثم تركها وسافر إلى نيويورك، فتزوجت من رجل آخر لمداواة الجرح وأنجبت منه طفلة ثم طلقت، وبعد ذلك أحبت سيزار الرجل الخشن الذي يكبرها بعدة سنوات، والتاجر الثري العصامي، الذي يحبها بجنون ويغار عليها ويرغب في الزواج منها، ولا يستطيع أن يتركها أو أن يتخلى عنها، ثم يعود دافيد الذي يهوى أن يستعيد روزالي وقتما يشاء، وأن يتركها وقتما يشاء، ومن هنا تنشأ الدراما. في هذا الفيلم عبّرت شنايدر عن مشاعر الأمومة، لا تجاه ابنتها كاترين فقط، لكن تجاه سيزار أيضاً، رغم شعره الأبيض وكونه الأكبر سناً، وتبدو هي ودافيد إلى جواره أكثر شباباً وحيوية، فهي ترعاه وتنتبه إلى كل ما يمر به ويحتاج إليه، وتتسامح مع أخطائه، لكنها تعرف كيف تعاقبه على غيرته وجنونه، الذي يقوده إلى العنف، وتدمير أتيليه دافيد وضربه، دون أن تنفعل أو توجه أمراً أو تنطق بكلمة، وكانت تنظر إليه في أغلب الأوقات كأنها تنظر إلى طفل يجب الانتباه إليه، ومراقبة خطواته وتصرفاته، وكذلك الاعتناء بملابسه ومظهره، والخوف عليه من البرد والمطر، وفي مشهد الشاطئ عندما يعثر سيزار عليها أخيراً، ويجدها تجلس مع دافيد لتستمتع معه بالشمس بينما تلعب طفلتها بالرمال، وترى عليه ملامح الإرهاق بسبب السفر وعناء البحث عنها، يكون أول ما تهتم به قبل الحديث في أي شيء، هو أن تعرف إذا كان جائعاً أم لا وتطعمه على الفور، وفي فيلم Le Mouton enragé مثلت دور الأم أيضاً لطفل صغير، وزوجة لرجل تخونه بأعصاب باردة وشيطانية هادئة، حيث تصطحب عشيقها إلى غرفة نوم طفلها لتضعه في فراشه، ثم تقبل هذا العشيق بعد أن تخرج وتغلق الباب قبل أن تعود إلى مائدة الطعام لتكمل تناول العشاء مع زوجها، وكان على رومي شنايدر كممثلة في فيلم «سيزار وروزالي» أن تظهر الفروق الدقيقة التي تميز حبها لسيزار عن حبها لدافيد، وطريقة تواصلها البصري والجسدي مع كل منهما، واستجابتها العاطفية لما يبدياه نحوها من حب، وكانت تجيد التواصل البصري إلى الحد الذي يجعلها تبدو كمن تقيم حواراً كاملاً مع من أمامها من خلال عينيها فقط، ومن أجمل مشاهدها أيضاً في الفيلم عينه، مشهد القطار، عندما تصطحب ابنتها إلى مدينة أخرى، من أجل العمل وتحقيق الاستقلال المادي، بعد أن قطعت علاقتها بكل من سيزار ودافيد وتحررت من الحب وقيوده.
يعد صوت رومي شنايدر من أشهى الأصوات وألطفها، بتنغيمه الجذاب وإيقاعه الذي لا يسأمه السامع ولا يمل منه، والأثر الذي يحدثه أسلوب إلقائها الطبيعي في نفس المشاهد، ويصل بمشاعره إلى درجة كبيرة من الاستمتاع، ويمنعه من الخروج عن دائرة الاندماج.
وقد كونت شنايدر خلال مسيرتها الفنية ثنائيات متميزة وجاذبة مع بعض النجوم من الرجال، كآلان ديلون الذي شاركته بطولة أفلام مثل «كريستين» و«لا بيسين» وكذلك ميشيل بيكولي وأفلامهما الجميلة معاً، كفيلم «أمور الحياة» و«مادو» وغيرهما، وربما كان بيكولي الشريك الفني الأكثر ملاءمة وتناغماً معها، وهذا ما يجعلهما ثنائياً لا يقاوم على الشاشة ولا ينسى، وفي فيلم «أمور الحياة» لعبت دور هيلين، العشيقة التي تحب رجلاً يكبرها في العمر ولديه زوجة وأبناء، تحبه بصدق ولا تريد منه سوى الحب، ولا ترغب في الزواج، وعندما يكون على وشك أن يتركها، وأن ينهي العلاقة، يموت في حادث سيارة، ثم تكتشف زوجته رسالة كتبها إلى هيلين ينوي فيها التراجع عن تركها.
صوت شنايدر
يعد صوت رومي شنايدر من أشهى الأصوات وألطفها، بتنغيمه الجذاب وإيقاعه الذي لا يسأمه السامع ولا يمل منه، والأثر الذي يحدثه أسلوب إلقائها الطبيعي في نفس المشاهد، ويصل بمشاعره إلى درجة كبيرة من الاستمتاع، ويمنعه من الخروج عن دائرة الاندماج، وهو صوت ناعم غير حاد، خفيض في أغلب الأوقات، تغلفه مشاعر الشخصية الخيالية، وينبض اللفظ بملامح حالتها الذهنية والعاطفية، ومن أجمل مشاهد شنايدر في فيلم سيزار وروزالي على سبيل المثال، مشهد الخطاب، وهو مشهد صوتي صرف بالنسبة لها، حيث تقرأ رسالة كتبتها إلى حبيبها دافيد، ولا يُسمع سوى صوتها الذي يرافق لقطات لدافيد وهو يمسك بالرسالة، ويمشي ويعمل مع زميله، ويتناول الطعام مع مجموعة من الأصدقاء ويرسم إحدى لوحاته، بينما تلقي رومي كلماتها العاطفية على لسان روزالي التي تقول: «أكتب إليك رسالتي الخامسة وأنتظر صمتك الخامس» ، ثم تقول في نهاية هذه الرسالة: «دافيد، سيزار سيظل دائماً سيزار، وأنت ستكون دائماً دافيد، الذي يمتلكني دون أن يأخذني، والذي يحبني دون أن يريدني» ومن الجميل أن يُسمع صوت شنايدر وهي تؤدي أغنية «هيلين» على أنغام الثيمة الموسيقية لفيلم «أمور الحياة» ويتداخل مع غنائها صوت الممثل ميشيل بيكولي، بطل الفيلم وعشيق هيلين البطلة، الذي يلقي بعض الكلمات التي تكون رداً على ما تغنيه رومي، بشكل غير مباشر، ليكون حواراً يعمق الانفصال ويؤكد البعد، وفي هذه الأغنية تبدو قدرة شنايدر على التعبير من خلال الصوت، بغنائها البطيء، ولحظات ارتفاع الصوت وانخفاضه ثم انهزامه وتحطمه، عندما تقول «أنت لم تعد تحبني» ومحاولة استحضار السعادة دون جدوى عندما تقول «أحب كيف كنا نعيش في منزلنا» ويصف صوتها الكآبة العميقة التي تحاصرها، سواء في بداية الأغنية أو في نهايتها، عندما تقول «لن تدخل الشمس إلى غرفتي مجدداً» وهي بالطبع تعتمد على الإحساس بدرجة كبيرة والأداء الدرامي، إلى جانب القليل من الغناء الأقرب إلى الإلقاء.
الصمت التعبيري
وعندما يسكت الصوت يأتي دور الصمت في التعبير، وكانت رومي شنايدر تجيد استخدامه بأشكال متعددة وفي مواقف مختلفة، وحالات شعورية تتباين في درجات تعقيدها وصعوبتها، وخلال لحظات الصمت هذه كانت تعتمد على عينيها أحياناً، وعلى جسدها في أحيان أخرى، كما في فيلم «لا بيسين» عندما تكتشف البطلة وجود عشيقة أخرى تصغرها بسنوات كثيرة، وفي الفيلم نفسه أيضاً عندما تتأمل البطل في صمت، وقد أدركت حقيقة أنه قاتل، وفي مشهد النهاية عندما تخلق بعينيها تعبيراً غامضاً، فلا يعرف المشاهد في البداية هل هي تتوقع من البطل أن يقبلها أم أن يقتلها، أم أن كلا منهما سواء طالما عادت إلى هذا الشخص وقررت أن تكمل العلاقة معه، وفي فيلم «سيزار وروزالي» تستطيع البطلة أن تعبر من خلال عينيها عن انتقالها من التفكير في سيزار إلى التفكير في دافيد، بينما تجلس صامتة تتأمل سيزار وهو يلعب البوكر مع أصدقائه، وكان مشهد النهاية في فيلم «أمور الحياة» صامتاً أيضاً، عندما تذهب البطلة إلى المستشفى وتعلم بموت حبيبها، فتدخل إلى هذه المستشفى راكضة وتخرج منها مذهولة العقل بعد سماع الخبر، وتسير كجسد لا حياة فيه.
كاتبة مصرية