قبة أربيل الأمنية التي تحتاج إلى نصر سياسي في بغداد

براء صبري
حجم الخط
0

تتجه الأنظار إلى العراق هذه الأيام مع بدء الانتخابات البرلمانية العامة للدروة الخامسة فيه. الانتخابات التي تأتي مع مرور العديد من الأحداث المحلية والخارجية المُرتبطة بالتغييرات الاجتماعية والسياسية داخلياً، والإقليمية والدولية خارجياً. هذه التغيرات التي رسمت معالم جديدة لآليات الانتخابات، والتحالفات، والكتل الانتخابية المشاركة فيه، كانت نتاج الوضع العام الذي ظهر في البلاد في السنوات الثلاث الماضية على الأكثر. ومع ترقب الكثير لنتائج تلك الانتخابات التي ستحدد شكل الحكومة والبرلمان في بغداد لا تشبه الحالة السياسية والنفسية والانتخابية للناخب الكردي وأحزاب إقليم كردستان لمثيلاتها في عموم «العراق» الذي بدروه يتصدر مشهد المنافسة فيه الواجهات السياسية لجماعات شيعية وسنية. الحالة العامة المشار لها في إقليم شهد بدوره خضات داخلية وسياقات سياسية مع بغداد ودول الجوار لها هويتها الخاصة البعيدة عن الواقع المحلي العراقي المركزي. وإن كانت المطالب العامة للناس مُتشابهة في البلاد عموماً، مع تراجع الوضع الاقتصادي العام، وقضايا الأمن والميليشيات والإرهاب، والفساد، والخوف من المستقبل، وتشابه خريطة التدخل الخارجي في البلاد المُنهكة منذ سقوط نظام الديكتاتور صدام حسين في ربيع 2003. هذا النمط الخاص في الرؤية والممارسة في الإقليم حتّم على المشاركين في تلك الانتخابات من أحزاب وشخصيات تحديد إطار لحركتهم وخطاباتهم وبرامجهم تكون مُتناسبة مع الذوق المحلي السياسي، ومُتماهية مع المتطلبات الداخلية في الأقليم، ولو نظرياً. شيء من الشخصية المحلية الخاصة للسياسة في انتخابات برلمانية عامة. أي أنها تدرك بإنها لا يمكنها التنافس إلا وهي تلبس لباسها المحلي الخاص بها وتنطق بلغة سكان المنطقة حصراً.
ولا تختلف من حيث المبدأ أسماء الأحزاب والخريطة السياسية المشاركة في انتخابات العراق البرلمانية في الإقليم كثيراً عن الدورة السابقة التي شهدت حصول الأحزاب الكردستانية على 56 مقعدا في مجلس النواب العراقي حيث حصل الحزب الديمقراطي الكردستاني على 25 كرسيا، مقابل 18 كرسيا لحزب الاتحاد الوطني، و4 كراسي لحركة التغيير، و4 لحركة الجيل الجديد، مع كرسيين للاتحاد الإسلامي الكردستاني، وكرسي واحد للجماعة الإسلامية التي غيرت اسمها إلى جماعة العدل الكردستانية، بالإضافة إلى مقاعد أخرى.
ومع دخول الانتخابات لحظاتها الأخيرة يتوقع الكثير من المراقبين حصول الحزب الديمقراطي الكردستاني من جديد على أعلى حصيلة من الكراسي مع تأكيد قادة الحزب على نيتهم الوصول إلى أكثر من ثلاثين مقعدا. هذا مع ظهور ثبات في قوة الحزب خلال السنوات الثلاث الماضية داخل قواعده الرئيسية في محافظتي دهوك وأربيل، وفي المناطق المتنازع عليها المحاذية لخط الربط بين محافظتي دهوك وأربيل ومحافظة نينوى. ويعتقد قادة الحزب أن ثبات وضعهم السياسي رغم ما جرى من تبعات بعد الاستفتاء الأخير على الاستقلال والوضع الاقتصادي، مرده إلى إن الوضع العام في محافظتي أربيل ودهوك أفضل بخطوات على مثيلاتها في مناطق التنافس مع باقي الأحزاب، وبالأخص في السليمانية وكركوك. هذا الشعور بالفوز ينعكس على الشارع الذي يجد في الحزب الديمقراطي الكردستاني الجهة الأكثر ارتباطا بـ»الخطاب القومي» عند الدخول في المفاوضات حول حقوق الإقليم مع بغداد التي يشك الكثير من سكان الإقليم بنوايها المستمرة في العودة إلى السيطرة على عموم الإقليم بعد ما جرى من سيطرة عسكرية على كركوك وشنكال ومخمور خلال السنوات السابقة.
في ذات المسار دفعت الظروف الداخلية لحزب الاتحاد الوطني الكردستاني وتراجع قوة حركة التغيير الطرفين إلى التحالف في ما يسمى «تحالف كردستان» لمحاولة النهوض من جديد وتعزيز مراكزهم في بغداد، وبالتالي في الانتخابات المقبلة في الإقليم نفسه. يشعر حزب الاتحاد الوطني المشغول بخلافات داخلية بين قادته على قيادة الحزب بإن هذا الوضع الداخلي كان له تأثير سلبي واضح على قاعدة الحزب. الشرخ الداخلي الصامت يدفع الكثيرين من جماهير الحزب على العزوف على التصويت بحسب مراقبين محليين، وهذا نفسه لا يفيد أحدا بقدر ما يفيد الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي كثف حملته في السليمانية هذه المرة. التغيير بدروه، والذي ولد من صلب الوقوف في وجه الحزبين الرئيسيين في الإقليم، وبالأكثر في وجه الاتحاد الوطني، خسر الكثير من شعبيته لصالح الأحزاب الجديدة في المنطقة، وبخاصة لصالح حراك الجيل الجديد الذي يقوده رجل أعمال شاب يدعى شاسوار عبد الواحد. الخسارة التي تعود بحسب المحللين إلى أفول نجم خطاب التغيير المنشود الذي ظهر من أجله «بحسب قاعدته» ورحيل زعيم الحزب نوشيروان مصطفى، واتهامات محلية بتحوله من حزب معارض إلى حزب سلطة، وغيرها من الأسباب.
التغيير، والذي بدأ يشعر من احتمالية ابتلاعه من الديمقراطي، قرر التنسيق مع الاتحاد الوطني كون قاعدة الأثنين الشعبية هي في الأكثر في نفس المحافظة أي السليمانية. طبعاً، بحسب النتائج السابقة والتاريخية يتقدم الاتحاد على الجميع في محافظة كركوك، والتنسيق الذي ظهر نتيجة المخاوف المُشتركة يدفع الطرفين للحديث المستمر عن كونهما في الطريق للوصول إلى أعلى نسبة من المقاعد في البرلمان العراقي هذه المرة. ويعتقد الطرفان أنهما في الطريق لتجاوز الديمقراطي الكردستاني والوصول إلى الثلاثين كرسيا، وإن كان التشكيك بهذه الرغبات هو المُشترك في نظر العديد من المتابعين بالشأن العراقي والعارفين بالشأن السياسي الخاص بإقليم كردستان.
في ذات السياق، تبحث الأحزاب الصغيرة عن موطئ قدم لها يحميها من البُعاد عن بغداد، حراك الجيل الجديد، والاتحاد الإسلامي، والجماعة الإسلاميةـ يحاولون البقاء في بغداد للضغط على الجهتين الكردستانيتين في المركز عند وقوعهم تحت الضغط في الإقليم. ويؤمن هؤلاء بإنهم يمكنهم الدخول بمصارعة أكثر عدالة مع أحزاب السلطة في الإقليم في بغداد. كذلك، يؤمن هؤلاء أنهم يمكنهم في المستقبل تشكيل تحالف صغير معاً ضد باقي أحزاب الإقليم التي يبدو أنهم في طريقهم لتسيّد المشهد السياسي الكردستاني في بغداد. كل هذا، والسياق العام في كردستان لا يعطي أهمية لدور المستقلين في هكذا انتخابات، طُبّعت الذهنية المحلية في الإقليم بضرورة قيادة الأحزاب للسياسة مع بغداد أكثر من تقبلها لظهور شخصيات فردية في ذاك المحفل. وهذه الذهنية كان لها دور بميل الكثير من النشطاء في الظهور داخل الأحزاب المعارضة المحلية دوماً كحركة التغيير سابقاً، والأحزاب الإسلامية والجيل الجديد حالياً.

العلاقات مع قوى المركز

لم تدخل أي من القوى الكردستانية المُشاركة في الانتخابات البرلمانية العراقية حتى اللحظة في أي تحالف مع قوى من المركز سواء كانت قوى سياسية سنية أو شيعية. البقاء خارج تلك التحالفات ما زال السمة السائدة للقوى الكردستانية. وتحاول تلك القوى الهروب من مصيدة الارتباط ببعض القوى في المركز التي قد ترتكب أخطاء في حملاتها تكون سببا لتراجع قوة الحزب الكردستاني المرتبط بها داخل الإقليم. أيضاً، لا تفيد سياسة الارتباط مع قوى من المركز الخطاب القومي المحلي الجاذب للدعم الشعبي، وهذا النوع من الترابط هو نقيض لتلك الخطابات والخطط المُفترضة.
القوى الكردية المُشاركة تدرك أن جل الجماعات العراقية الأخرى لا نفوذ لها في إقليم كردستان لذا في حال فتح الباب للتحالفات التي تسبق الانتخاب سيمهد هذا التحالفات الطريق لتلك القوى العراقية ببناء قواعد لها في الإقليم. وهذا شيء مرفوض في الذهنية السياسية لقادة الإقليم الذين يحاولون حماية الإقليم من ظهور تلك الجهات، وكانت محاولات العبادي سابقاً في هذا الصدد غير مُحببة.
ولم يكن من الضير بمكان اكتشاف ظهور أشباه التحالفات بين القوى الكردستانية ومثيلاتها العراقية، هذا جزء من الاستكشاف السياسي للمستقبل البرلماني والحكومي للبلاد. وتتحدث التقارير عن احتمال دخول الحزب الديمقراطي في تحالف مع التيار الصدري وتحالف قوى الدولة الوطنية اللذان يعتبران نفسهما قوى وطنية بعيدة عن التبعية لإيران ودول الخليج والاستسلام لأمريكا. كذلك، تظهر التقارير من بغداد أن قائمة الفتح وحزب الدعوة وهما القريبان لطهران يسعيان لكسب ود «تحالف كردستان». هذه المؤشرات تعطي انطباعا عن شكل الحكومة المقبلة في حال ظهرت النتائج لصالح طرف من الطرفين. ولم تصدر محاولات من كتل بغداد للتحالف المباشر مع باقي الأحزاب الكردستانية المُشاركة في الانتخابات، رغم كل ما سبق هناك أصرار محلي على الدخول في الانتخابات المركزية بالصبغة المحلية بدون التورط بالخلافات والحزازيات العميقة بين كتل المركز. هذا نفسه ينجي تلك الأحزاب من احتمال تزايد الغضب الإقليمي تجاههم ويزيد من صعوبة التعامل مع كل تلك الملفات الشائكة بين المركز والإقليم والتي تنتظر من بغداد النظر لها.

القضايا المنشودة لناخبي الإقليم

تدخل أحزاب الإقليم المعترك الانتخابي العراقي وكلها أمل في رأب الصدع الكبير بينها وبين بغداد والبحث عن حل للخلافات التي لا تحل جذرياً ويتم تنوّيمها من حكومة إلى أخرى هي في الجوهر الدافع للكثير من المصوتين الكرد لتلك الأحزاب. قضايا النفط والغاز والرواتب والوضع الاقتصادي العام والمناطق المتنازع عليها والشراكة الحقيقية في الدولة والإرهاب والميليشيات والهجمات بالصواريخ والمسيرات على الإقليم، هي عوامل ما زالت القوى الكردستانية تعتمد عليها لدفع الناخبين للتصويت لها، كذلك تبحث تلك الأحزاب قدر الأمكان للفوز بغية تعزيز مواقعها للانتخابات المحلية، وهي تدرك إن النتائج في المركز سيكون لها انعكاسها المُباشر على الخريطة السياسية الداخلية. هذا وبالرغم من تراجع الاندفاع للانتخابات لدى سكان الإقليم الذين كانوا يصوتون بكثافة كبيرة سابقاً لدوافع قومية، يدرك الكثير من سكان الإقليم أنه لا مفر من دعم القوى السياسية في وجه باقي الأطراف المركزية مع شعورهم بإنهم لكي يحموا مكتسباتهم في الإقليم لا بد لهم من تعزيز نفوذهم في المركز. وهم يدركون مدى الدعم الكبير الذي تحصل عليه بعض القوى المشاركة في الانتخابات البرلمانية في بغداد من دول إقليمية تعادي الإقليم نفسه، وهذا في جوهره القاعدة التي تدفع الأحزاب الكردستانية للشعور بالراحة عند الوصول إلى الانتخابات رغم ظهور واضح لقلة الاهتمام الشعبي للانتخابات.
الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة تعتبر بالنسبة للأحزاب في إقليم كردستان وسيلة ممكنة لبناء قبة حماية للإقليم من كره بعض الجهات ذات النفوذ في بغداد لوجود الإقليم، وطريقة لردع الهجمات ضدها، سواء السياسية منها والمرتبطة بالمسيّرات والصواريخ. هذا في الوقت الذي يدرك فيه أحزاب الإقليم الذي يمر بصعوبات اقتصادية ان الانتخابات في بغداد هي الوسيلة الأسهل لها للوصول إلى منصة النصر في الانتخابات المحلية المقبلة في أربيل، التي تظهر المؤشرات على أنها ستكون حامية الوطيس بعد أن تراجعت الثقة الداخلية بالحوكمة المحلية والخلافات الكبيرة الداخلية وقضايا مرتبطة بالفساد والتراجع الاقتصادي، هي مصيرية للعديد من الأطراف المحلية في الإقليم، لذا تترسخ الشعارات الحزبية في الأروقة الداخلية لتلك الجهات حول ضرورة النصر سياسياً في بغداد هذه الأيام لتأمين أربيل في المستقبل.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية