يدخل العراق يوم الأحد تجربته الانتخابية الخامسة منذ الغزو الأمريكي عام 2003 وهي تجربة ذات دلالة لأنها تأتي بعد موجة احتجاج عارمة عمت البلاد، وشاركت فيها قوى معظمها من الشيعة في وسط وجنوب البلاد، وخاصة الشباب الذين يشعرون بالتهميش والرفض للطبقة السياسية الراسخة والفاسدة.
وقد أطاحت احتجاجات تشرين الأول/أكتوبر 2019 بحكومة عادل عبد المهدي وأدت لوصول رئيس الوزراء الحالي مصطفى الكاظمي الذي جاء بوعود تحقيق مطالب المتظاهرين التي لم ينفذ منها أي شيء سوى تقديمه الانتخابات عن موعدها المقرر في العام المقبل.
وجرى تعديل النظام الانتخابي الذي كرس في الماضي الأحزاب الرئيسية ونفس الوجوه التي تحضر وتغيب وتلك المرتبطة بالفصائل المسلحة الموالية لإيران أو الوجوه التي قادت ميليشيات ثم قررت أن تعيد تغيير صورتها ودخول المعترك السياسي.
وفي الوقت الذي ينظر فيه إلى انتخابات العاشر من تشرين الأول/أكتوبر على أنها مؤشر على ما يمكن أن تكون الاحتجاجات قد حققته من تغيير على الصعيد الوجوه وأطراف اللعبة السياسية التي نصبتها أمريكا بعد الغزو عام 2003 إلا ان التوقعات قليلة من ناحية عزوف الشباب الذين طالبوا بالتغيير عن المشاركة في العملية الانتخابية مما يعني تدني المشاركة الشعبية.
ولم تتعد نسبة المشاركين في انتخابات عام 2018 عن 40 في المئة حسب البيانات الحكومية، مع أن بعض التقديرات تشكك وتقول إنها لم تتجاوز الـ 20 في المئة. وطالبت جهات وأطراف بمقاطعة الانتخابات، ترشيحا وتصويتا. ووسط الإحباط وحالة القمع والملاحقة لرموز الحراك الشعبي وعدم تقديم المسؤولين عن قتل ما يقرب عن 600 محتج إلى العدالة (هناك من يقول إن العدد يقترب من 800 شخص) ولامبالاة قطاعات واسعة من العراقيين فنسبة المشاركة يوم الأحد قد تكون أقل وهو ما يعطي النخب التقليدية الفرصة لتعزيز مواقعها، كما حدث في انتخابات 2018 عندما عزز التيار الصدري، الذي أعاد تشكيل نفسه باسم «سائرون» موقعه وزاد من أعداد مقاعده إلى 50 مقعدا بعدما كانت 20 مقعدا وأضحى أكبر كتلة في البرلمان العراقي.
ويسهم مناخ الخوف الذي انتشر منذ عام 2019 في عزوف الشباب عن المشاركة، فبالإضافة لقتل المئات من المتظاهرين وجرح أعداد أكبر تعرض النشطاء للملاحقة والتخويف والاختطاف والاغتيال مما اضطر بعضهم للبحث عن ملاجئ آمنة في شمال العراق أو المنفى. ولهذا فقد تفضي الانتخابات إلى توليفة توافقية، تشمل الوجوه السابقة أو المعروفة ولن تؤدي بالتالي للتغيير المنشود الذي يطمح إليه الشباب والذي دعا لتغيير كامل البنية السياسية التي نشأت فيما بعد الاحتلال والقضاء على الفساد وسيطرة الأحزاب الطائفية على الوزارات والتعامل مع موارد النفط العراقي كبقرة كحلوب يتم تقاسمها بين الأحزاب وأنصارهم.
لا مكان للشباب
ويظل عامل الشباب مهما وعدم تححقق طموحاته يعني استمرار الحنق والغضب على الأوضاع القائمة، فنسبة 60 في المئة من سكان العراق هم تحت سن الـ 25 عاما وهؤلاء يتطلعون كما أشارت صحيفة «فايننشال تايمز» (8/10/2021) إلى تغيير سريع. واتهم الكثير ممن تحدثت إليهم الصحيفة الساسة بعدم فهم تفكيرهم وطموحهم. وقالت الصحيفة إن الشباب العراقي يرغب بشكل خاص في الحصول على فرص عمل وتعليم أفضل، وهم حاليا من بين الأسوأ في المنطقة. ووفقا لإحصاءات منظمة العمل الدولية، بلغ عدد الشباب العراقي الذين لم يعملوا ولا في التعليم أو التدريب 40.6 في المئة في عام 2012 وهي آخر مرة تم فيها جمع بيانات موثوقة. وعلى سبيل المقارنة، كان لدى جيران العراق، إيران وتركيا، معدلات أقل من 30 في المئة في عام 2020. وترى بعض الأطراف الشبابية أن المشاركة في اللعبة الديمقراطية هي الطريق لوقف ما يرون أنه قوى خطيرة توسع نفوذها في البرلمان – أي الأحزاب المرتبطة بالميليشيات المدعومة من إيران، والتي يشتبه على نطاق واسع بأنها وراء قتل المتظاهرين وكذلك الصدر الذي اتهم أتباعه بمهاجمة معسكرات الاحتجاج. إلا أن مستوى ما يمكن تحقيقه يزيد من حالة الإحباط وعدم إقبال هذه الطبقة على المشاركة. وكما قال أحدهم لـ «فايننشال تايمز» «الفساد كثير جدا، ربما أصواتنا لا طائل من ورائها.. الأسماء تتغير ولكن نفس السياسة» تبقى قائمة. وقالت أخرى: «إنها نفس النتيجة سواء قمت بالتصويت أم لا.. ليس نحن في الحقيقة من يختار».
المقاطعة
ولاحظت مجلة «إيكونوميست» (9/10/2021) أن المقاطعة لن تؤدي إلا إلى تقوية الأحزاب الراسخة. وأشارت إلى أن فتوى المرجعية الشيعية التي دعت للمشاركة في الانتخابات لم تترك صدى مماثلا كتلك التي أصدرها آية الله علي السيستاني مطالبا العراقيين الإنضمام للحشد الشعبي ومواجهة تنظيم الدولة الإسلامية عام 2014 حيث تدفق عشرات الآلاف منهم وحملوا السلاح، لكنهم اليوم مترددين في الذهاب لصندوق الاقتراع.
وقالت إن الانتخابات العراقية ستكون بلا قيمة لو لم تؤد لمشاركة واسعة، مضيفة أن التهديد بالمقاطعة قد يساعد الميليشيات المسلحة. وعلقت أن البرلمان العراقي وإن استجاب لانتخابات مبكرة إلا أن معظم العراقيين على ما يبدو سيقاطعونها. ولو حدث هذا فستعزز الميليشيات الطائفية والإثنية وبخاصة المدعومة من إيران سيطرتها على العراق وأكثر مما مضى. وقالت إن تجربة العراقيين مع الديمقراطية لم تكن مجدية، ففي 2018 صوتت أقل من نسبة 44 في المئة ممن يحق لهم التصويت في الانتخابات. وقام البعض بتعويض تدني المشاركة بالتصويت مرة ثانية وثالثة. وبعد أيام من إصدار البرلمان أمرا بإعادة عد الأصوات تعرض مخزن وضعت فيه ملايين الأصوات للحريق. ومنذ ذلك الوقت يحاول العراق جعل الانتخابات المقبلة تحمل مصداقية وأن تكون نزيهة، فقد زادت من عدد المناطق الانتخابية وهو ما قد يخدم الناخبين المستقلين. وسيكون لدى نسبة 70 في المئة من الناخبين بطاقة انتخابية بيومترية كما في عام 2018 بالإضافة لفريق كبير من المراقبين التابعين للاتحاد الأوروبي. ولكن اللامبالاة والخوف من عودة نفس الوجوه التي تتقاسم السلطة فيما بينها ثم تختار «ورقة تين طرية» حسب وصف رجل أعمال في بغداد، ليكون واجهة لها، أي رئيس وزراء هو ما يمنع الكثيرين من المشاركة. ورأت المجلة أن زيادة المناطق الانتخابية لفتح المجال أمام الأحزاب الصغيرة والمستقلين قد يساعد على فوز الأحزاب المعروفة. مضيفة أن من يدعون تمثيل حركة الاحتحاج يعملون على تشتيت الأصوات، بشكل لن يؤدي إلا لفوز القلة منهم. وأشارت إلى عدم اهتمام الولايات المتحدة في دعم كتلة علمانية، لأن واشنطن على ما يبدو متعبة من نشر الديمقراطية.
الصدر خيار أمريكي
ويبدو أن الولايات المتحدة غير المهتمة بالديمقراطية تتجه لتقديم دعم تكتيكي لزعيم سائرون، مقتدى الصدر. وفي تقرير لصحيفة «واشنطن بوست» (7/10/2021) قالت فيه إن الانتخابات قد تفضي عن نتائج جيدة للصدر، الذي يطمح لتعزيز موقعه أفضل من نتائج عام 2018. وتحدث المسؤولون في حزبه عن رغبة في اختيار رئيس الوزراء هذه المرة. ولو حصل الحزب على أكبر حصة من مقاعد البرلمان العراقي البالغ عددها 329 مقعدا فإنه سيكون ذروة جهود الصدر لتعزيز مكانته وقوته عبر صناديق الاقتراع وفي الشارع وعبر الخدمة المدنية بكاملها كما تقول الصحيفة. وأشارت إلى تقلب الصدر من زعيم فصيل طائفي إلى ثوري محرض ضد الأمريكيين إلى وطني عراقي يزعم أنه قادر على توحيد العراق، لكنه مع ذلك يحظى بدعم الطبقات المحرومة في مدن الصفيح الشيعية. وبدا في مسيرته السياسية مع إيران وسعى للحصول على دعمها لكنه اليوم يتحدث علنا عن رفضه لتأثيرها في العراق. وقال ناصر الربيعي، رئيس الجناح السياسي للحركة «لا يمكن أن يكون هناك رئيس وزراء بدون دعم الصدريين». وقالت الصحيفة إنه رغم علاقة الصدر المتقلبة مع الغرب إلا أن صعود حزبه إلى السلطة قد يتم بدعم تكتيكي من واشنطن. وقامت الحركة الصدرية بالتفاعل مع الغرب وسوق الصدر نفسه إليه بأنه الخيار الافضل والمركزي للسياسة العراقية. وقال مسؤول غربي بارز «أعتقد أننا في هذه المرحلة نتعامل مع الصدر كوطني وأنه أفضل من الخيارات الأخرى». ولاحظت الصحيفة أن الحركة أبدت حذرا في مواقفها من الوجود العسكري الأجنبي في العراق مقارنة مع الجماعات الموالية لإيران التي دعت إلى خروجها. ولكن الصدر يظل جزءا من منظومة الفساد التي ظهرت بعد الغزو. فقد أكد الصدريون على تقوية تأثيرهم عبر التحكم في الوزارات المهمة التي تلعب دورا مهما في قطاع الخدمة المدنية. وبحسب بحث أجراه معهد تشاتام هاوس في لندن، يسيطر الصدريون على أكبر حصة من هذه الخدمات أو الوزارات التي يطلق عليها «الدرجة الخاصة» مما يسمح لهم بتحويل كميات كبيرة من الأموال العامة لكي تستخدم في أغراضهم الخاصة. وخلال الحرب الأهلية، أدار جيش المهدي الذي أنشأه التيار الصدري فرق موت. ورغم حظوظ التيار الصدري في الفوز إلا أنهم مثل غيرهم قلقون من عدم المشاركة الواسعة وبدا من دعوة الصدر كل مصوت أن يجلب معه 10 ناخبين إلى صناديق الاقتراع.
المال والسلاح
ووسط اللافتات والملصقات الانتخابية التي تستعيد التاريخ الشيعي والتي غطت كل الجدران حتى إشارات المرور، تتكرر اللعبة نفسها كما ورد في تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» (7/10/2021) وقالت فيه إن الانتخابات العراقية وبعد 18 عاما من الغزو الأمريكي للعراق والإطاحة بصدام حسين لا تزال تعبر عن نظام تسيطر عليه الأموال والأسلحة، ولا يزال منقسما على أسس طائفية وعرقية. وأضافت أنه من المرجح أن تعيد الانتخابات نفس الوجوه ونفس اللاعبين الرئيسيين إلى السلطة، بما فيها الحزب المؤيد لمقتدى الصدر، وتحالف مرتبط بالميليشيات المدعومة من إيران، والحزب الكردي المهيمن في إقليم الحكم الذاتي في كردستان. وأشارت الصحيفة إلى مشكلة تتعلق في إقناع الناخبين المحبطين وأن التصويت يستحق المعاناة والخروج إلى صناديق الاقتراع، وهم يرون الفساد المتفشي لدرجة أن العديد من الوزارات الحكومية تركز على الرشاوى أكثر من تقديم الخدمات العامة. وفي بلد ينظر فيه إلى الميليشيات وأجنحتها السياسية أنها في خدمة المصالح الإيرانية أكثر من مصالح العراق. وقالت الصحيفة إن الأحزاب السياسية لم تقدم برامج سياسية مقنعة، وبدلا من ذلك يتم اجتذاب الناخبين على أساس الولاء الديني أو العرقي أو القبلي.
الثلاثة الدائمون
ورغم مشاركة 3.000 مرشح يتنافسون على 83 دائرة انتخابية، وكثرة الأحزاب السياسية والشخصيات والائتلافات المستقلة، فمن المتوقع أن تنجح تحالفات ثلاثة رئيسية في المناطق ذات الغالبية الشيعة، تحالف مقتدى الصدر وتحالف الفتح وهو الذراع السياسي للميليشيات الشيعية التي لها علاقات وثيقة مع إيران. وإذا أجرى العراق انتخابات نزيهة وشفافة وحرة، لا يتوقع أن يفوز هذا التحالف بنفس عدد المقاعد التي حصل عليها خلال انتخابات 2018 حيث فاز بـ 48 مقعداً. وعانى هذا التحالف من ضعف بعد تظاهرات 2019 ويسير هذا التحالف حسب الأجندة الإيرانية في العراق والمنطقة ويعارض الوجود العسكري الأمريكي في العراق. أما التحالف الثالث فهو الأضعف ويطلق عليه اسم القوة الوطنية لائتلاف الدولة، ويقوده عمار الحكيم ورئيس الوزراء السابق حيدر عبادي. وهو الأضعف وقد تشكل بسبب حاجة كل طرف للآخر للمشاركة في العملية الانتخابية. ويتوقع تفككه بعد الانتخابات وهو لم يعلن عن برنامج للعراق ولا يحظى بدعم إقليمي أو دولي، وبعض شخصياته على القائمة الأمريكية السوداء. وفي النهاية تحاول هذه القوائم الحصول على دعم أحزاب أخرى سنية وكردية من أجل تعزيز مواقعها في البرلمان وزيادة حصصها من الوزارات ومواصلة الوضع وكأن الأمر لم يتغير.