تعتبر القضايا الداخلية أكبر مفجر لخطاب الكراهية، وهو أمر يتم تجاوزه عند وقوع الأزمات والصدامات مع الاحتلال فيطغى على الاستخدام القضايا والموضوعات المرتبطة بالقضية الوطنية.
رام الله-»القدس العربي»: كشفت دراسة فلسطينية أصدرها مركز «حملة» العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي حملت عنوان: «شبكة كارهة: خطاب الكراهية في منصات التواصل الاجتماعي بين الفلسطينيين وأثره على حقوقهم الرقمية» كشفت أن خطابات الكراهية بين الفلسطينيين متفشية بشكل كبير جدا، ما يهدد تماسك المجتمع الفلسطيني المقسم أصلا بفعل احتلال سياسي.
ومن أبرز النتائج التي أظهرتها الدراسة أن 9 من 10 فلسطينيين أجريت الدراسة عليهم تعرضوا فعليا لخطاب كراهية عبر منصات التواصل الاجتماعي على خلفية سياسية أو جندرية، وأن 9 من كلّ 10 فلسطينيّين يرون أنّ خطاب الكراهية يشكّل خطرًا فعليًا، وأن 9 من كلّ 10 فلسطينيّين يرون أنّ خطاب الكراهية يؤثّر على سلوكيّات الأفراد.
غير أن الصدمة من النتائج تصبح أكبر إذا ما علمنا أن التحليلات التي نفذتها الدراسة أجريت على فترة زمنية قبل اغتيال المعارض السياسي نزار بنات على أيدي عناصر أمن فلسطينية، وهي المرحلة التي شهدت تنامي وتصاعد خطابات الكراهية بين الفلسطينيين، وهو ما يجعل من نتائج الدراسة صادمة فعليا وتطرح الكثير من الأسئلة والتحديات على الجهات الرسمية والمجتمعة الفلسطينية مع تنامي هذه الخطابات وتزايدها.
مستويين لاستخدام المنصات
ومما أظهرته الدراسة أن الفلسطينيين يتعاملون مع الشبكات الاجتماعية وفق عقليتين أو مجالين، الأول في مجال نشر القضية الفلسطينية والتعبير عنها ونقلها للعالم الخارجي وفضح ممارسات الاحتلال، وهو استخدام إيجابي ومثالي وتحديدا في أحداث الحرب الأخيرة على غزة.
أما فيما يتعلق بالاستخدام المرتبط بالشأن الداخلي الفلسطيني فتشير الدراسة إلى فشل كبير في النقاش والتواصل والحوار الداخلي بين الفلسطينيين على المنصات الاجتماعية.
الباحثة نجمة علي، وهي أكاديمية وناشطة فلسطينية تقيم في لندن قالت في حديث لـ»القدس العربي» إن الدراسة تظهر التزايد الملحوظ في استخدام خطاب الكراهية بين الفلسطينيين عبر منصات التواصل الاجتماعي.
ونوهت علي، التي قامت على إعداد الدراسة خلال عام كامل، إلى أن هذا الخطاب يتأثر بالأحداث والتوترات في السياسة الإقليمية، وكذلك بالأحداث العالمية بصورة أشمل، فيما يتأثر الخطاب بشكل أكبر بالاضطرابات والتغيرات الداخلية والمشهد الفلسطيني على المستويين الاجتماعي والسياسي، سواء أكان في الضفة الغربية، أو قطاع غزة، أو القدس، أو في الداخل الفلسطيني، ومع اتساع المساحة الافتراضية.
وأظهرت الدراسة أنه مع زيادة التواجد على منصات التواصل الاجتماعي، بات سلوك الفلسطينيين على هذه المنصات مرآة لما يحدث على أرض الواقع، فيما تساهم ديناميكية استعمال وسائل التّواصل الاجتماعي، والمشاركة في صياغة الخطاب العام الفلسطيني، بوضع الحقوق الرّقمية للفلسطينيّين على المحك، ليس فقط من قبل السلطات الإسرائيلية والشركات، إنما أيضًا من قبل السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وسلطة الأمر الواقع في قطاع غزة.
وأظهرت الدراسة أيضا أن السلطة المجتمعية، المتمثّلة بالعادات والتقاليد والخطاب السائد والمهيمن في السياق الفلسطيني كلها عوامل تضاعف من حضور خطاب الكراهية في البيئة الرقمية الفلسطينية.
فيسبوك الأكثر استخداما
وقد أظهرت نتائج الدراسة أن أكثر من 71 في المئة من الفلسطينيين يرَون أنّ خطاب الكراهية، بين الفلسطينيين، منتشر على منصّات التواصل الاجتماعي. وتشير النتائج إلى أن 85.7 في المئة تعرّضوا إلى خطاب كراهية، عبر منصّة فيسبوك، تليها منصة الإنستغرام، بنسبة 11.4 في المئة – ويعود ذلك إلى أنّ فيسبوك، منصّة التواصل الاجتماعي الأكثر شهرة واستعمالًا بين الفلسطينيين.
وبرأي الباحثة علي فإن فيسبوك هو المنصة التي تستخدم بشكل كبير جدا في الحوارات السياسية والتفاعل في قضايا المجال العام، وهو ما جعل هذه المنصة تحتل مساحة كبيرة جدا في انتشار خطاب الكراهية في ضوء حالة الاستقطاب الراسخة داخل المجتمع الفلسطيني. أما منصة الإنستغرام فهي تعتبر مساحة للشباب الأقل سنا (المراهقين) حيث لا يرتبط استخدامها بالتعبير عن الرأي والنقاشات السياسية.
وتؤكد الباحثة علي أن الفلسطينيين على الشبكات فشلوا في إقامة حوار سياسي داخلي، حيث تعتبر القضايا الداخلية أكبر مفجر لخطاب الكراهية، وهو أمر يتم تجاوزه عند وقوع الأزمات والصدامات مع الاحتلال فيطغى على الاستخدام القضايا والموضوعات المرتبطة بالقضية الوطنية.
وأكدت المؤلفة أن هذه الحالة الصادمة تعمل على ظهور هويات متحاربة ومتصادمة، وأن الدراسة تمنح المسؤولين وجهات الاختصاص والنشطاء والأحزاب السياسية فرصة لـ «الاستكشاف الداخلي».
وأشارت الدراسة أن 45.4 في المئة من المستطلَعين تتعلق أكثر أنواع خطابات الكراهية في منصّات التّواصل الاجتماعي بالآراء السّياسية. ويشير 7.9 في المئة من المستطلَعين/ات إلى أنّ خطاب الكراهية، المنتشر في منصّات التّواصل الاجتماعي بين الفلسطينيين يرتكز على الدّين.
وفي رأي الباحثة فإن النتائج التي كشفتها الدراسة والتي أظهرت أن خطاب كراهية مرتبط بالتعبير عن الآراء السياسية يعتبر أمرا مخالفا لما هو سائد في الدول العربية المجاورة التي يطغى فيها خطاب الكراهية الطائفي والديني، ففي فلسطين يقوم خطاب الكراهية على القضايا السياسية وهو ما يعكس شرذمة وتفتتا سياسيا مرتبطا بسياسات المعاش اليومي الواقع الذي يسيطر عليه الاحتلال الذي يعمل على تعزيز نهج «فرق تسد».
سياق أشمل وأعم
وما يميز هذه الدراسة أنها تتبعت جذور خطاب الكراهية، محللة إياه في سياق تاريخي، حيث أن خطاب الكراهية الفلسطيني متأصِّل في الخطاب العام الفلسطيني، وينبثق من التّجربة السّياسيّة الفلسطينية المتمثّلة بنكبة 1948 ونكسة 1967 وإفرازاتها، كما أن تدرّجِ وتباين القمع الإسرائيلي، للمجموعات الفلسطينية المختلفة، يؤجّج خطاب الكراهية بين الفلسطينيين أنفسهم، فيما تساهم سياسة الإغلاق الجغرافي بحكم السّيطرة الأمنية للاحتلال، وعدم الانكشاف على الآخر، بازدياد انتشار خطاب الكراهية، أضف لذلك الانغلاق الفكري، في المدارس والمناهج الدّراسية التّلقينيّة، والتّقليديّة. كما يظهر جزء من خطاب الكراهية على شاكلة خطاب منظّم، من قبل السلطة السياسية- سلطة الاحتلال، والسّلطة الفلسطينية، وسلطة الأمر الواقع في قطاع غزة.
وذكرت الدراسة أن خطاب الكراهية في السياق الفلسطيني متأصل في الخطاب العام، وينبثق من التجربة السياسية الفلسطينية وإفرازاتها مثل اللجوء والنزوح، وهو ما يجعله متناقلا بين الأجيال، ويأتي في سياقات معينة على شكل كلمات مغلفة ومبطنة متعلقة بالسياق السياسي والاجتماعي الفلسطيني، ومتعلق بتدرج القمع الإسرائيلي، وينبثق من سياسة الإغلاق والشرذمة الجغرافية بفعل الاحتلال، ويتميز بعقلية القطيع وركوب الموجة.
وترى الدراسة أن أثر خطاب الكراهية على الحقوق الرقمية الفلسطينية يتمثل في المساس بحرية التعبير عن الرأي، والبلبلة في فهم الحق في الخصوصية بفعل التداخل بين العام والخاص، وتعزيز الفكر الظلامي والأخبار المضللة، والمس بفضاء رقمي آمن وعادل وحر.
وحذرت الدراسة من سياسة تجاهل المستخدمين خطاب الكراهية حيث أظهرت أن 56 في المئة من الفلسطينيين يختارون تجاهل الخطاب وعدم الرد، وهو في رأي نجمة علي يعتبر «أمرا صادما» لكونه يقود إلى سيطرة هذا الخطاب الخطير على المساحة والحيز الرقمي، وهو الأمر الذي يشير إلى ضرورة مواجهة هذا الخطاب بـ»خطابات متصدية ومواجهة».
وتعتبر الباحثة أن الدراسة بمثابة «صرخة كبيرة جدا لكونها ترينا كم تلعب الشبكات دورا في تفتيت المجتمع عبر انتشار خطابات الكراهية».
وقدمت الدراسة مجموعة من التوصيات لمواجهة هذا الخطاب من خلال «مواجهة الخطاب بالخطاب» وبضرورة ترجمة ذلك إلى خطوات عملية، وذلك من خلال التدخل الفوري والسريع لمواجهة خطاب الكراهية، والتّشديد على الفرق بين حرّية التعبير عن الرأي، وخطاب الكراهية، وتنظيم النّشاط المكافح أو المقاوم لخطاب الكراهية، على وسائل التّواصل الاجتماعي، وكذلك ضرورة بناء تربية إعلامية للجميع.
تفسير بسيط وواضح
صالح مشارقة، الصحافي والباحث في مركز تطوير الإعلام في جامعة بيرزيت يؤكد نتائج الدراسة ويرى أن تفسير هذه النتائج بسيط وواضح لأي مهتم بمراقبة شبكة الإنترنت في فلسطين، ففي الانقسام السياسي ثمة خطاب كراهية يتجلى في الموالاة المريضة والتملق السياسي والتخوين وهذه نعايشها منذ سنوات، وفي قضايا المرأة شهدنا روحاً عدائية غير مفهومة تجاه النساء في رفض «اتفاقية سيداو» حيث لم يبن الرفض على معلومات أو مواقف مدروسة وواعية، وانما على أهواء واستعراضات أظهرت الرافضين في صور مشوهة، متضامنين مع الروح العشائرية أو متصالحين مع الأصولية.
ويضيف مشارقة أن خطاب الكراهية موجود كما ورد في بحث نجمة علي، وينشأ مرات من انتماءات مريضة للجغرافيا ومكان السكن، ويهاجم آخرين بسبب اختلافات الطبقة والجنس والدين، وفي الطائفة نشهد بين فترة وأخرى خطاب كراهية بسبب قبول البعض بالتجنيد في جيش الاحتلال، وفي الأديان مرات كثيرة يندلع استهزاء أو تجريح بطقوس وأعياد الآخرين من أكثر من جهة.
ويشدد مشارقة على أن مجتمع المعلومات الفلسطيني في الضفة وغزة والأرض المحتلة عام 48 متروك للأسف للفوضى، لا قوى مؤسسية تنظمه وتؤثر عليه وتوجهه، ومستباح من شركات التواصل الاجتماعي، وأرض خصبة للذباب الإلكتروني وخطاب الكراهية والتمييز والأخبار المضللة واختراق الخصوصية.
وأضاف: «أعتقد ان هناك الكثير ما يمكن عمله لتنظيم هذا الطيف الاتصالي عبر برامج التربية الإعلامية للجمهور وعبر مدونات تضمن الاستخدام الآمن والأخلاقي للسوشال ميديا».
وختم قائلا: «من دون ذلك قد نخسر مخزوننا الأخلاقي الاتصالي الذي راكمه مجتمعنا منذ عقود، في مرحلة اتصالية سطحية وغير منظمة كتلك التي نعيش فيها حاليا مع منصات التواصل الاجتماعي».