عن عمر يناهز 92 عاما رحل السير دينيس موراي والترز، أحد أبرز الوجوه السياسية والشخصيات الفكرية في بريطانيا، الذي كان من بين السياسيين المحافظين القلائل الداعمين للقضية الفلسطينية.
من أبرز ما ميَّز شخصيةَ السير دينيس موراي والترز وطبعَ مشواره السياسي، مواقفُه الجريئة تجاه الخلاف العربي الإسرائيلي، وتعاطفُه مع المصالح العربية. فخلال مسيرته داخل البرلمان البريطاني من عام 1964 إلى غاية عام 1992، نائبا عن حزب المحافظين لمدينة وستبيري. كان والترز لا يفوت فرصة في توجيه سهام انتقاده للإسرائيليين والضغط على حكومة بلاده لاتخاذ مواقف لصالح الفلسطينيين، الذين أكد مراراً أنهم شعب، مثل أي شعب آخر، يجب أن يكون لهم الحق في ممارسة حقهم في تقرير المصير وأيضا اختيار قيادتهم.
إدانة سياسات إسرائيل
هو القائل أيضا: “مع الأخذ في الاعتبار أنه على مرّ السنين انهارت كل مبادرة سلام أمريكية في الشرق الأوسط في مواجهة الرفض الإسرائيلي، والأخذ في الاعتبار أعمال القمع المستمرة والمروعة من قبل إسرائيل في الضفة الغربية، هل ستتدخل حكومة صاحبة الجلالة والمجموعة الاقتصادية الأوروبية هذه المرة لإعطاء بعض القوة لدعم المبادرة الأمريكية؟”. ولم يتوقف يوما عن التنديد بسقوط الضحايا المدنيين بين الفلسطينيين البالغين والأطفال، والوحشية والقمع في الضفة الغربية المحتلة. وكان يشدد على أنه لا يمكن إحراز تقدم ما لم تستجب إسرائيل للموافقة على تجميد المستوطنات غير الشرعية والالتزام باتفاقية جنيف.
في عام 1991 وقف بقوة ضد إغلاق جامعة بير زيت، معتبراً أنه جزءٌ من الانتهاك المنهجي لاتفاقية جنيف من قبل إسرائيل، الذي كان مستمرا منذ سنوات، داعياً الحكومة البريطانية والمجتمع الأوروبي إلى ضرورة اتخاذ إجراءات اقتصادية في مرحلة ما في ما يتعلق بإسرائيل لمنع استمرار مثل هذه الانتهاكات غير المقبولة لحقوق الإنسان ولاتفاقية جنيف. وقال إن استمرار إغلاق جامعة بير زيت يعد استفزازا لا يطاق، تجب إدانته.

دعم القضايا العربية
قبل ذلك، كان السير دينيس موراي والترز قد زار فلسطين مع زميله في البرلمان البريطاني إيان غيلمور، في أعقاب حرب الأيام الستة عام 1967. وقالا في بيان مشترك حينها: “يتضح الموقف الإسرائيلي تجاه اللاجئين عند النظر في عودتهم بدلاً من طردهم. من المحتمل أن يكون معظم الناس في بريطانيا يعتقدون أن إسرائيل وافقت على عودتهم، وأن الإعادة إلى الوطن تجري الآن بشكل مرض. لكن الحقيقة هي عكس ذلك”. ويعد هذا البيان إشارة أخرى واضحة إلى مساندة القضية العربية، ولم يكن ذلك بغريب عن والترز، الذي أمضى سنوات طويلة من حياته ساعيا لإيصال الموقف العربي إلى العالم الغربي. وهذا ما يفسر توليه رئاسة مجلس إدارة مؤسسة الشرق الأوسط الدولية، التي تأسست عام 1971 بهدف “توفير أخبار وتحليلات موثوقة ومستقلة عن الشرق الأوسط”، وأيضا ترؤسه لمجلس النهوض بالتفاهم العربي البريطاني بين عامي 1970 إلى 1982، ورئاسة مشتركا، الجمعية البرلمانية الأوروبية العربية في الفترة بين عامي 1978 إلى 1981. علاوة على ذلك، فإنه كان محافظ المعهد البريطاني في مدينة فلورنسا الإيطالية من عام 1965 إلى التسعينيات.
توفي السير دينيس موراي والترز في إيطاليا ( نقل الجثمان إلى بريطانيا لاحقا)؛ إيطاليا بلده الثاني، الذي اعتقل فيه عند اندلاع الحرب العالمية الثانية، وأطلق سراحه بعد هدنة عام 1943، حيث نشط لنحو عام في صفوف “المقاومة”؛ قبل أن يعود إلى إنكلترا، وفيها تلقى تعليمه في مدرسة داونسايد وكلية سانت كاترين في كامبريدج. وبدأت رحلة مشواره السياسي الطويل في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، حيث عمل مساعدا شخصيا للورد هيلشام طوال الفترة التي تولى فيها رئاسة حزب المحافظين. وبشخصيته القوية، سرعان ما سطّر طريقه، حيث انتخب نائباً في البرلمان عن مدينة ويستبري لمدة 28 عاما، من سنة 1964 إلى عام 1992، حيث تقاعد عن عمر ناهز 64 عاماً.
الفرصة الضائعة
وفي بداية مشواره نائباً في مجلس العموم البريطاني، عمل بشكل وثيق مع وزير الخارجية في حكومة الظل، السير أليك دوغلاس هوم. ولعل أكبر حلم راوده ورافقه في مشواره السياسي الطويل هو حلم اعتلاء منصب وزير الخارجية، وهو من درس اللغات الحديثة وجال مشارق الدنيا ومغاربها، وسعى لنشر التفاهم وتحقيق التقارب بين العالم العربي وبريطانيا. انتظر الفرصة طويلا ولما فاز المحافظون في الانتخابات وعادوا إلى السلطة في عام 1979، ضاع الأمل وانهار الحلم، بسبب تعاطفه المفرط مع المصالح العربية. وحصل السير دينيس موراي والترز على لقب فارس في عام 1988.
وبعيداً عن السياسة، كان السير دينيس موراي والترز، أيضا، رجل أعمال ناجحاً، حيث كان يُدير شركة ذات اهتمامات في الاستثمار والإعلان والعلاقات العامة والسفر، وكان أيضاً كاتباً منفتحا على الثقافات، حيث أصدر مؤلفات، من أبرزها ” Not Always with the pack ” .
