يرى محرر «أكت سود/ سندباد»، دار النشر المعروفة التي اصدرت الترجمة الفرنسية لهذه المجموعة من القصص القصيرة، للقاصّ المصري الراحل محمد البساطي (1937ـ2012)؛ أنّ القصة القصيرة المعنونة بـ»ضوء ضعيف لا يكشف شيئاً»، المدرجة في المجموعة، تعرّف على أتمّ وجه الفنّ المرهف لهذا المؤلف الكبير. كل الكائنات وكل الأشياء تسبح في وهج شفقي، وكل الأفراح وكلّ مشاقّ النهار تبدو كأنها عُلّقت بانتظار حلول الظلام. ولكن في ظهوره بمظهر العازف عن كشف الأشياء، فإنّ البساطي هو ذاك الذي يتوغل على نحو أفضل في قلوب بسطاء بلاده، رجالاً ونساءً، فلاحين ومدينيين، منتقياً كل كلمة بعناية فائقة، دون أن يرفع النبرة أبداً، أو يوحي لنا بما يتوجب علينا أن نفكر به.
وقد سبق للناشر أن نقل إلى العربية أعمال البساطي التالية: «صخب البحيرة»، «بيوت وراء الأشجار»، «أصوات الليل»، «ليال أخرى»، و«جوع»؛ وأمّا المجموعة الحالية فإنها تضمّ 27 قصة قصيرة، بترجمة إدفيج لامبير. ومن القصة التي استُمدّ منها العنوان، هذه الأجواء: «كان يصحو من النوم على ملمس يديها وهي تلفه بالغطاء، ويرى لمعة عينيها في العتمة كالقطط. وحين تحس به يقظاً كانت تدغدغه تحت إبطه. قليلاً ما كانت تنام في الليل. تنفض الغطاء بقدميها وتقف خلف النافذة المغلقة، ويحس بلسعة البرد حين تقوم من جواره. تظل واقفة بالقميص الخفيف، وكتفاها عاريتان تنصت لصوت الريح ونباح الكلاب البعيد. أحياناً توقظه في همس خافت وتطلب منه أن يحكي عن الاولاد الذين لعب معهم في الصباح، والناس الذين رآهم، وتنصت قليلاً، ثمّ يحس حين تتوقف يدها عن مداعبة رأسه أنها لم تعد تصغي إليه. كان ذلك قبل أن يأتي الغجري إلى البلدة. يومها كان يلعب مع الأولاد في الحارة ورأوه قادماً، توقفوا لاهثين وأخذوا ينظرون إليه. كان يركب حصاناً عجوزاً. وفي حضنه نعجة ولدت من يومين، وخلفه امرأة على بغلة فوقها خرج ممتليء الفتحتين، وتسحب وراءها بغلاً آخر محملاً بالأمتعة وحولهما قطيع من المعيز والأغنام تغطيها سحابة كثيفة من الغبار. كان طويلاً ممتلئاً، ووجهه ناضراً يتألق في ضوء الشمس، وخصلات شعره الأسود ملتوية مثل فروة الخروف، وعيناه الناعستان تلمسان المارّة خفيفاً، وبدت امرأته ضامرة جافة كالحطب، والتجاعيد حول فمها. كانوا يقولون في البلدة أنهما لم يتغيرا عن المرة السابقة عندما جاءا منذ عامين. وقالوا أنها أمه، ثم قالوا أنها امرأته وأنها عاقر. غير أنه لسبب ما لا يتركها. وهؤلاء الغجر لا يعرف أحد ما يدور بينهم».
Mohammed EL BISATIE: Un dernier verre de thé et autres nouvelles
Actes Sud/ Sindbad, Paris 2014.
232 pages.