رواية «ظلام في الظهيرة» آرثر كوستلر: متخيلات الأفكار… اليقظة المستعادة

عندما نُقبل على مقاربة عمل سردي تتقدمه توقعات نتيجة مراجعات أو تقييمات أمست جزءاً من تاريخ النص، وسطوته، ومع ذلك فإنها تعدّ أيضا على مستوى التلقي تجربة أو اختباراً يهدف إلى التحقق من قدرة العمل على تلبية هذه التوقعات، وما يمكن أن يجاور ذلك من خيبات على مستوى التلقي، لكنْ ثمة أمر آخر يتحدد بسياق العمل التاريخي، والثقافي، وما يمكن أن يتصل أيضاً بعوالم المؤلف: جدليته، وأفكاره، ورؤاه كما نقرأ في رواية الروائي المجري البريطاني آرثر كوستلر «ظلام في الظهيرة» التي عدت بياناً سردياً هجائياً تجاه الأنظمة الشمولية، ولاسيما الشيوعية في حقبة زمنية معينة، خاصة فترة حكم ستالين.

كوستلر: استعادة اليقظة

يمكن النظر إلى هذا العمل عبر مستويات متعددة أهمها ثنائية الموقف بين القبول أو الرفض، لكن العمل يعدّ جزءاً من سيرة الكاتب الذي يوصف بأنه نموذج متفرد، نظراً لفائض القلق الذي واكب مراحل حياته المختلفة، وكأنه يبدو على قلق لا يستكين، حيث لا يطمئن إلى فكرة أو أيديولوجية حتى ينقضها ليتأمل مرجعياتها ورؤاها، بحثاً عن الحقيقة المتجردة، فالمؤلف الذي انضم إلى صفوف الحزب الشيوعي سرعان ما انقلب عليه، وقدّم نقداً حاداً لهذا الفكر، لاسيما أثناء المرحلة الستالينية 1920-1953، غير أن هذا الانقلاب للبحث عن كنه الحقيقة نراه في عمله الآخر «السبط الثالث عشر» حيث نرصد تحوله الجذري حين كان من مؤيدي الصهيونية، لكنه سرعان ما اكتشف زيفها ليفند الوجود الطارئ في فلسطين، إذ يعيد أصل اليهود الذين هاجروا إلى فلسطين من أوروبا الشرقية إلى قبائل الخزر في شمال القوقاز، ضمن بحث تاريخي معمق بهدف نبذ الوهم الصهيوني لينتهي إلى نسف أركان منظومة خطابية دينية، تنهض على فاعلية النموذج الاستيطاني الاستعماري.
تبدو لنا رواية آرثر كوستلر «ظلام في الظهيرة» – نشرت عام 1940- ضمن تكوين سردي شديد الخصوصية، فهي على الرغم من بيانها الواضح على مستوى التنظير الأيديولوجي، غير أنهالا تذكر المكان، فلا يذكر الاتحاد السوفييتي، أو ستالين الذي يكني عنه في الرواية بالرقم (1) ما يدفعنا للقول إن الرواية تبدو توجيهاً خطابياً تجاه مجمل الأنظمة الشمولية، التي فقدت جوهر تكوينها الفلسفي، إذ انزلقت إلى الممارسات عينها التي قامت من أجل تصفيتها، وهكذا يبدو السجن فضاء للتأمل لروباشوف، خاصة بعد انقلابه على الثورة التي كان يعد أحد الفاعلين فيها: تنظيراً وإدارة، فهل يمكن أن نقرأ «ظلام في الظهيرة» عبر عنوانها الذي يحيل إلى فعل النكوص في إحداثية وهم الحقيقة؟

تأملات السجن: ونقد الفكرة

يبدأ روباشوف أيامه في السجن، وهو يشعر بألم في ضرسه طوال مدة اعتقاله، وهنا يمكن أن نقرأ ألم الضرس بوصفه نوعاً من الاستعارة لجزء معطوب من كيان كلي، لكن في ثنايا مرحلة الاعتقال تبدو خطابات روباشوف، ضمن سياق تنظيري ناقد تجاه فلسفة الحزب والثورة، كما التغير الذي وسم المنظور الثوري، وهكذا تتحول الرواية إلى متابعة تلك يوميات، بالتوازي مع التحقيقات التي تستهدف الحصول على اعتراف منه بالخيانة. يبدو أن روباشوف على اطلاع حقيقي بالبنية العميقة التي يعمل في إطارها الحزب، لكنه أيضا على اطلاع بجدلية الجماهير، وتقاطع وعيها مع الحزب والثورة، ففي حواره مع المحقق إيفانوف – الصديق السابق- نلمس بعض أفكار روباشوف الناقدة، كما نرى شبه رؤية مشتركة بين كلا الرجلين، لكن السلطة سرعان ما تحيد إيفانوف عن التحقيق، ليتولى الضابط جلتكين العملية، والأخير يعتمد على تحصيل اعترافات بطريقة تقوم على الإجهاد البدني، كتوظيف الإضاءة المرهقة، ومواجهة المعتقلين، واستعراض عملية الإعدام.. كل ذلك بهدف كسر إرادة المعتقل، وهنا نرى كيف أن كوستلر يحاول أن يرسم صورة تتصل بوحشية الأنظمة الشمولية، التي تلجأ إلى توظيف الكثير من الأساليب لتحقيق هدفها الوحيد مقابل التضحية بكل شيء من أجل الثورة التي تختزل بالنهاية برؤية القائد رقم (1) في حين أن الضحايا من الفلاحين والجنود والمحاربين ورجال الثورة والحرس القديم، أمسوا في النهاية وقوداً لهذا النظام.
ما هو جدير بالتنبه إليه، عملية تحول التنظير في نقد الثورة إلى خطاب يصوغه روباشوف على الورق، أو ضمن حوار داخلي يستغرق جزءاً كبيراً من المتن السردي، وفيه يحلل وعي الجماهير، كما يحلل الخطايا التي اقترفها حين ضحى ببعض الأفراد المسؤول عنهم، كي ينجو بنفسه، ومنهم سكرتيرته أرلوفا التي أعدمت بتهمة الخيانة. قد لا تبدو لنا الرواية سوى تتبع منهجي لمواطن الضعف على مستوى التنظير والتطبيق تجاه الأنظمة الشمولية، وهو ما يسم فكر آرثر كوستلر الذي يمارس دائما إعادة تقييم للأفكار التي يعبرها، ويخضعها للتحليل والنقد.
كيف يمكن أن نقرأ هذه الرواية بوصفها من أعظم الروايات في القرن العشرين؟ لا يمكن أن يتحقق ذلك إلا إذا أدركنا جدليتها على مستوى الموقف والبناء، فهناك من يراها تعتمد المباشرة، وتقدم البنية الخطابية على التخييل السردي، لكن جل الاحتفاء يأتي في المجمل من لدن الغرب الذي كان يعاني من عقدة الأنظمة الشمولية، وهذا يماثل الاحتفاء برواية جورج أوريل «1984». وهكذا تبدو الرواية في موقع الاحتفاء من منطلق أيديولوجي خالص، في حين هناك من يرى تمكين البعد السردي القائم على حيز السجن، والتخاطب بين المعتقلين، عبر لغة الطرق، ورصد حساسية الأثر للشخصية، وتحولها عبر تقنيات سردية متعددة، كما تلك الحوارات العميقة بوصفها جزءاً متطوراً من الخطاب السردي، لكنها في المحصلة رواية تحتكم للتاريخ، خاصة ما طرأ من تحول على صعيد أفكار الحرس القديم، مع انعطاف الثورة عن أسسها.

تبدو الرواية ثقيلة على مستوى التنظير، ما يكبح من جمالية المتخيل تبعاً لطبقات الأفكار التي تشتغل على مستوى التفكير العميق، ومحدودية الشخصيات، وتمركزها عبر الرؤية التي تحتكرها شخصية المعتقل، غير أن كل ما سبق يبدو صدى للأنا التي تنبثق من عذابات روباشوف.

ولهذا نقرأ مقولة: «إن الحرس القديم صنع التاريخ، أما الآن فانتم تصنعون السياسة» فثمة فرق بين النهجين، وهذا يأتي في سياق اكتناه الفكر العميق لكوستلر، عبر ما كنى عنه بالضمير النحوي؛ أي صيغة الفرد أو الأنا النحوية، التي ظهرت فكرتها في السجن، ويكني عن ذلك بمقولة الفرد لا يعني شيئاً، والحزب كل شيء، في حين أن الفرع الذي يكسر من الشجرة لا بد أن يذبل. وهذا يحضر بالتوازي مع تنظيرات تتصل بفرد، ووعي الجماهير حيث يقول: «إن مقدار الحرية الفردية التي يمكن لشعب من الشعوب أن يظفر بالاحتفاظ بها يتوقف على مدى نضجه الإنساني» لكن ما يعضد هذه المقولة ما ينتشر في المتن السردي من تنظيرات روباشوف بخصوص هذا الموضوع، فيرى أن التطور التقني غالباً ما يؤدي إلى تأخر التطور الفكري، وهنا نقع على جزء من تحليل رصد أسباب شيوع الديكتاتوريات، وتمكنها؛ ولهذا يمكن القول إن الرواية تفسّر آلية تكون السلطة، وعملية تحييد النموذج الفردي، فضلاً عن تسخير وعي الجماهير التي تتخلى عن منطقها، إذ تصاب بالعمى أو عدم القدرة عن رؤية الحقيقة.
من الأفكار التي بدت في مجال الجدل تجاه شخصية روباشوف ما يطرأ من مستوى التأمل الذاتي أو ذاك الحوار مع إيفانوف حول فكرة الحتمية التي تؤمن بها الأنظمة الشمولية، والتي لا يمكن إلا أن تخلف وراءها الجثث. هذا النسق يفككه كوستلر عبر نقده لهذه المنظومة، على الرغم من أن هذا التوجه يبدو متطرفاً إلى حد ما، فيواجه الكثير من الانتقادات بسبب مبالغته في التشاؤم.

سردية الأفكار

تبدو الرواية ثقيلة على مستوى التنظير، ما يكبح من جمالية المتخيل تبعاً لطبقات الأفكار التي تشتغل على مستوى التفكير العميق، ومحدودية الشخصيات، وتمركزها عبر الرؤية التي تحتكرها شخصية المعتقل، غير أن كل ما سبق يبدو صدى للأنا التي تنبثق من عذابات روباشوف، ومن هنا، فإنه لا يعدّ سوى جزء من انحراف هذه الأفكار، لكنها تبقى عرضة للنقد، وهنا تكمن قيمة الرواية، فالشخصية المركزية تبدو إحالة إلى هذه القيمة التي تميز المثقف، ونعني مراجعة الماضي، عبر السؤال كيف يمكن أن نتعامل معه، لكن في سياق الخطايا التي ارتكبها روباشوف، وما قام به من تضحيات ببعض مرؤوسيه. لا تبدو نهاية روباشوف سوى جزء من مشهد كبير، حيث تضحي الثورة بأبنائها، فنقرأ إحالات للثورة الفرنسية، وتلك النهوج التي ميزت بعض الثورات التي انطلقت من يوتوبيا انتهت إلى تشوهات عميقة، طالت رؤاها، والأهم أحلامها.
في قصة هامشية يسردها روباشوف عن شخص استغلته السلطات، فنفي إلى الحدود بين فرنسا وبلجيكا، وفي كل مرة يرسله كل بلد إلى الجهة الأخرى، مع زوادة طعام، وبعض الماء، إلى أن يتلاشى وجوده، هكذا تبدو حالة هذا الولع بأفكار تحتكم إلى مؤسسة لا يمكن إلا أن تضحي بالفرد من أجل بقائها، وهنا يبدو المتن الأكبر للتنازع في تكوين الرؤية السردية، حيث الضابط جلتيكن يؤمن بأن الفرد لا وزن له مقابل مصلحة الدولة، وهكذا تمسي شخصية الرقم (1) اختزالاً تاريخيا وعملياً لأي سلطة كي تتحول إلى كيان خاص به، وبذلك فإن الفضائل الثورية ما هي إلا خداع للنفس، وكليشيهات للاستهلاك، وهي غالباً ما تبحث عن كبش فداء ليستمر وجودها، فيقرأ هذا ضمن خطاب مضمر للصراع بين النهج التروتسكي، وما يخالفه في تلك الفترة.
يعترف روباشوف عبر ممارسات التحقيق التي اضطلع بها جلتكين بتآمره على النظام، غير أن معارضته كانت معارضة فكرية ذهنية لم ترق إلى التطبيق الفعلي، لكن نموذج التحقيق والأساليب المتبعة، جعلته يقر بأن ما قام به كان ينهض على أفعال؛ ما يضعه أمام خيار الخيانة الكبرى للجماهير، والثورة، وهنا تكمن المفارقة الكبرى، وبناء عليه فهو لا يعدل أن يكون فرداً ينبغي أن يسوق الخطاب الذي يمكن أن ينسجم مع الوعي الجماهيري، وهنا نلاحظ أن كوستلر ربما يقتبس تجربته عند زيارته للاتحاد السوفييتي، وما انتهى إليه بعض أصدقائه، حين حاولوا تعديل بعض المسارات عبر الوقوف في وجه الممارسات القمعية للنظام السوفييتي، لينتهي بهم المطاف إلى الإعدام تحت وطأة التجربة البوليسية شديدة التأثير.
في الختام، لا يمكن لنا أن ندرك يقيناً بأن الرواية تشكيلاً وخطاباً، يسوغ موقعها المتقدم، فنخلص إلى أن هجاء كوستلر للأنظمة الشمولية يندرج تحت فكرة التأمل للانحراف الذي يمكن أن نراه في الصورة الكلية لبعض الأفكار التي تنطلق من أفكار مثلى أو عادلة، لكنها مع الزمن تمسي غاية لا وسيلة، وهنا تبدو المحطة الأخيرة للنتيجة النهائية، أي أن تشوه المخرجات يتحقق بداعي خلل في الأفكار، ونموذج التطبيق، وفقدان معنى التأمل والنقد، وفي ظني أن هذه الرواية، على الرغم من بينية خطابها المتردد بين وطأة الأفكار، وروح السرد، تبقى رواية مهمة لا يمكن لمشهد السرد العالمي أن يتجاوزها على الرغم من سياقية تكوينها.

كاتب أردني فلسطيني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية